الفصل 66
أراح ديريك كفّه برفق فوق غطاء التابوت الزجاجي ومسحه ببطء.
“تماسك قليلًا. سأُخرجك عمّا قريب.”
ستتفهمني أليس كذلك، أخي سيدريك؟
ارتسمت على محيّاه ابتسامة هادئة موجّهة نحو التابوت.
ضغط زرًا، فانفتح الغطاء الزجاجي الذي يُطبق عليه.
“آه… أأه…!”
تصاعد أنين سيدريك، تزداد حدّته وتمزّق الهواء.
“يبدو أن الجسد لا يحتمل.”
عقدت ميرلين يديها بأسى عند عبارته.
مدّ ديريك يده نحو خزانة حُشيت حتى آخرها بقوارير الجرعات.
التقط عددًا منها وفتح سداداتها.
قبضته أمسكت فكّ سيدريك بقوة.
“افتح فمك، يا أخي.”
تدفقت الجرعات عبر الفم المفتوح قسرًا.
والسائل المتدفّق لم يترك له فرصة لالتقاط أنفاسه وهو يبتلع.
الجرعة الزائدة منحت جسده قوة طاغية.
قفز صدر سيدريك دفعة واحدة، وراحت العروق الزرقاء تنتفخ فوق بشرته البيضاء.
“أستأذنك، لورد تاران.”
تفقدت ميرلين جسده بعين الخبيرة.
ففوق كونها تابعة لدوقية تشايلد، كانت في الأصل معالجة رفيعة.
“لا يزال قادرًا على التحمل بصفته وعاءً للورد تاران.”
راقب ديريك ارتجاف سيدريك بعين راضية.
“لا داعي لكل هذا الألم. لاحتواء السيد تاران، لا بد من هذا القدر.”
أعادت ميرلين قيود سيدريك بوجه خالٍ من أي اضطراب.
“لكنّه بات يحتاج إلى جرعات أكثر من السابق.”
“تمرّده أقوى مما توقعت. وسرقة الجرعات من وزارة السحر لها حدود.”
“سيدريك لم يكن يومًا راغبًا في عودة اللورد تاران.”
قوة سيدريك السحرية كانت كافية لطرد روح تاران من جسده بإرادته.
نقر ديريك سطح التابوت بطرف أصابعه بابتسامة مائلة.
“لكنّه على الأقل يؤدي دوره الآن كوعاء مفيد.”
ظهرت في ذهنه صور قديمة؛ سيدريك وهو يصرخ بـ“الحقّ” مهددًا بفضح سر العائلة القديم.
لم يفهمه آنذاك… ولا الآن.
أدار ديريك ظهره للتابوت.
فتح الباب وغادر.
تبِعته ميرلين إلى أعلى الدرج.
أضاءت مصابيح السحر الضعيفة خطاهما.
“المهمّة التي أوكلتها إليكِ؟”
“نعم، راقبتُ الأمير الثالث وزوجته باستمرار.”
أمالت ميرلين رأسها قليلًا.
“مشاعره تجاه زوجته حقيقية على ما يبدو. حتى إنّه غار.”
“غار؟ ذاك المعتوه؟”
انفلتت من ديريك ضحكة خافتة من وقع المفاجأة.
“نعم، وكان تصرّفه تصرّف رجل واقع في الحب بلا شك.كما أنه تلقى الطعنة بدلًا منها.”
“سمعت عن ذلك. غريب فعلًا.”
فلو كان في كامل لياقته المعتادة، لكان صدّ الهجوم بسهولة…
أتراه يرى مشاعر امرأة أهمّ من جسده هو؟
ترى، ما الذي حدث بينهما؟
منذ أن بدأ الأمير الثالث يُظهر اهتمامه، راقب ديريك دانا هارتوين بدوره.
نقطة التقاء الاثنين لم تكن سوى الشمال.
‘إن كانت هي فعلًا من عالج الأمير ااثالث في تلك الأيام…’
لمع بريق متوتر في عيني ديريك.
“علينا مراقبتهما أكثر. أحداث ساحة الحرب أيضًا…”
“كان أمرًا مريبًا. الأمير الثالث كان يجب أن يموت، ومع ذلك تعافى بهذه السرعة.”
“صحيح. وربما… تلك المرأة دانا…”
وصل ديريك إلى أعلى الدرج، وابتسم ابتسامة باردة.
“قد تكون هي المكوّن الأخير لــ‘الإحياء الكاملة’.”
***
في صباح اليوم التالي، فحص طبيب القصر حالة إدوين، واتّسعت عيناه دهشة.
“إنها معجزة! أن تلتئم الجراح بهذه السرعة!”
واصل فحص مواضع الإصابة بملامح لا تُصدق.
“سرعة تعافيه مذهلة.”
“أشكركم، هذا بفضلكم.”
ارتخى جسد دانا الذي ظلّ مشدودًا طوال الوقت. أطلقت زفرة طويلة، وتلاشى معها القلق.
بدأت الحمرة تعود إلى وجه إدوين الذي كان شاحبًا بلا قطرة دم.
التفت طبيب القصر إلى دانا بنظرة دافئة.
“لقد عانيتِ كثيرًا.”
“لم أفعل شيئًا يَذكَر.”
لوّحت دانا بيدها بالنفي.
هي فقط قامت بتطهير جراحه ودهنها بالمرهم.
أما تشخيص حالته ووصف الأدوية الملائمة، فكان من عمل طبيب القصر.
‘أهو امتياز سلالة التنانين؟’
انبهر الطبيب في داخله بسرعة التعافي غير الطبيعية.
كان كبير أطباء القصر المكلّف ــ بأمر الإمبراطور ــ برعاية الأمير الثالث.
ومن الطبيعي أنه كان يعرف هوية إدوين الحقيقية.
‘ولكن حتى جلالة الإمبراطور، وخلال خدمتي الطويلة له، لم يكن هكذا…’
تسرّب التساؤل إلى ذهنه.
لكن التابع لا يُظهر مثل تلك الانفعالات.
“سأنصرف الآن. إن استمر الأمر على هذا النحو، فسيستعيد وعيه قريبًا.”
“أشكركم حقًا.”
وما إن همّت دانا بالوقوف لوداعه حتى انتفض الطبيب بفزع.
“لـ… لا داعي للشكر! أرجوكِ ارتاحي!”
حيرتها ردة فعله التي بدت وكأنه رأى ما لا ينبغي رؤيته.
على غير عادته، جمع أدواته على عَجَل وغادر.
وفي اللحظة نفسها اقتربت خادمة من دانا.
“لدينا زائر.”
“زائر؟ هل هم موظفو قسم السحر؟”
هل جاء رفاقها لزيارته؟
مالت برأسها باستفهام، فأجابت الخادمة.
“الموظفون العاديون لا يدخلون هنا بلا إذن من طبيب القصر. القادم الآن هو وزير السحر نفسه.”
وزير السحر جاء للعيادة؟
أصاب دانا الذهول من الضيف غير المتوقع.
‘كان يمكنه الاكتفاء بإرسال باقة زهور.’
زيارة مسؤول رفيع لم تكن تعني لها شيئًا.
وقتُها بالكاد يكفي لرعاية إدوين، وزائرو المجاملة لا يزيدون الأمر إلّا إزعاجًا.
قررت أن تلقي التحية وتعيده من حيث أتى.
تبعت الخادمة إلى حديقة القصر.
كان ديريك ينتظرها واضعًا يديه خلف ظهره، وابتسامة تعلو وجهه.
“مرت مدة طويلة. جئت لزيارة موظفي.”
“لم يكن هناك داعٍ لهذه المشقة…”
وحين حاولت الاعتذار بلطف، ارتسم على فمه انزعاج خفيف.
“قاسية جدًا. أنا الذي سعى لضمان علاجكما داخل القصر…”
“عفوا؟”
“برأيكِ، كيف حظي موظف بسيط بكل هذه العناية في القصر الإمبراطوري؟”
اتّسعت عينا دانا.
كانت تشعر مسبقًا بأن الأمر مريب.
كانت تدرك أن الاهتمام مبالغ فيه، لكنها تجاهلته لأجل تعافي إدوين.
فإذا بالأمر يعود إلى الوزير…
“تفضّلوا بالدخول قليلًا.”
لم يعد بالإمكان تجاهل الأمر، فدعت ديريك للدخول.
“إذن استأذن.”
ولم يبدُ على وجهه أي أثر للاعتذار، بل تبعها بملامح طفولية لا تناسب زيارة مريض.
وُضِع كرسي آخر قرب سرير إدوين، فهتف ديريك بإعجاب.
“يا له من مظهر جيد بالنسبة لمن قيل إن إصاباته كانت خطيرة!”
أهذا ما يقوله؟
حدّقت دانا فيه بحدة، فابتسم بخجل مصطنع.
“مجرد دهشة لا أكثر. سمعت أن جراحه عميقة.”
كأنه سحر.
ضحك ديريك بلا مبالاة.
كان المظهر المرح الخفيف قناعه المفضل دائمًا.
لكن وزير السحر لم يغادر كما توقعت دانا.
بل راح يدور حولها بالأسئلة التافهة مبتسمًا طوال الوقت.
“كيف التقيتما؟”
“كنا موظفَين في القسم ذاته.”
“هذا فقط؟”
نبرة غير راضية جعلتها تستغرب.
كان مولعًا ــ على غير المتوقّع ــ بالنبش في حياة الآخرين.
حنى عينيه وهو يضيف.
“من يدري؟ ربما التقيتما قبل ذلك.”
ما به؟
نهضت دانا متجاهلة سؤاله، وبدأت بترتيب فناجين الشاي.
هبت نسمة من النافذة فحرّكت خصلات شعرها.
وفي لحظة، حاد بصر ديريك بحدة غير مسبوقة.
تركّز نظره على شعرها الأسود الداكن.
“هل كان لون شعرك أسود دائمًا؟”
يسأل عن كل شيء فعلًا.
ابتسمت دانا بابتسامة مهذّبة صقَلتها خبرتها الاجتماعية.
“نعم، دائمًا.”
والآن غادر، رجاءً.
لكنّه لم يتحرك، بل شبك ساقًا فوق أخرى مستعدًا لمواصلة الحديث.
“أنا لا أؤمن باللقاءات العشوائية.”
“سيدي الوزير، لقد تأخر الوقت…”
وفي تلك اللحظة وقع ما لا يمكن رؤيته بالعين. حركة سريعة خاطفة.
“من يدري؟ لعل اللقاء الذي ظننته صدفة كان من فعل أحدهم… آه!”
في طرفة عين، امتدت يد كبيرة وأمسكت معصم ديريك بقوة.
شهق وهو ينظر إلى صاحب اليد.
“…أفقتَ إذن.”
انعكس بريق أحمر بارد في عيني إدوين وهما تحدّقان بديريك ببرود.
التعليقات لهذا الفصل " 66"