الفصل 65
فقد إدوين وعيه، ومضى يومان كاملان.
طوال تلك المدة كانت دانا تنظّف جروحه في أوقاتها المحددة، وتطعمه دواءً يقوم مقام الغذاء، غارقة في رعايته.
وفي كل مرة تقع فيها عيناها على جراحه، كان الذنب والحزن ينغزان صدرها بحدّة.
لاحظ الطبيب الإمبراطوري احمرار عينيها من البكاء، وقال.
“حالة الوصي النفسية تصل المريض كما هي.”
كلمات الطبيب جعلت دانا تعقد العزم على ألا تُظهر أي يأس.
‘ربما كان إدوين يسمع كل شيء.’
ومنذ ذلك اليوم أخذت تتعمّد أن تبدو مشرقة الصوت.
بدأت بأحاديث خفيفة عن الطقس، ثم مضت تستعيد ذكريات كثيرة تخصّهما.
واليوم استعارت كتابًا من مكتبة القصر.
“إدوين، تعرف ما هذا؟ إنها ديوان شين، الشاعر الذي أحبّه.”
وضعت الديوان مفتوحًا على الطاولة قرب سريره.
“مررتُ بمكتبة القصر ووجدته هناك. رغم أنه ليس ديوانًا مشهورًا، كانت توجد عدة نسخ منه.”
ابتسمت دانا مداعبةً، فالقصر لا ينقصه شيء.
“قرأتُ هذا الديوان مصادفة، وأحببتُ سكينة العزاء التي يحملها، فعدت إليه مرات كثيرة. سأقرؤه لك أيضًا.”
وشرعت تقرأ.
“تحت قمر الفجر، أمسك بقلبٍ بليٍّ من التآكل…”
لكن الكلمات التي تسللت من بين شفتيها أخذت تبطؤ تدريجيًا.
انحسرت سكينة الغرفة، وصعدت إلى السطح ذكريات أخرى.
توقّف ارتسام الابتسامة التي كانت تحاول الحفاظ عليها.
“…في الحقيقة، حدث شيء كهذا من قبل.”
نعم، كان هناك وقت مشابه لهذا.
غاصت عينا دانا في عمق الذكرى.
“كنتُ أعتني بالمصابين في ساحة معركة وحوش الشمال.”
عندما أغرق آل هارتوين أنفسهم في الديون للمرة المليون، قدّم الزوجان، من وراء ظهر دانا، طلبَ تطوّعها في فرقة صيد الوحوش.
راتب الوظيفة كان كبيرًا، فاضطرت للرحيل إلى الشمال بين ليلة وضحاها.
وُضعت في منطقة أسفل جبل كثير الوحوش.
كانت تأكل وتنام في كوخ صغير، وتعتني بالمصابين.
بفضل مهارة الفرسان لم يكن عدد المصابين كبيرًا، لكن بعض الأيام كانت تتدفق فيها حالات خطيرة.
كانت مهمة دانا مرهقة. تبديل الضمادات ومسح الدم بلا توقف.
ثم جاء اليوم الذي اندفعت فيه أعداد غفيرة من الوحوش إلى أسفل الجبل.
قبل حتى معرفة السبب، أصيب الكثير من الفرسان بجراح بالغة في محاولة صدّها.
الموت العبثيّ الذي يتكرر أمام عينيها كل يوم… الصرخات المتألمة…
ورغم ذلك مضت تعمل بصمت.
ولم تصلها رسالة واحدة من أهلها.
هل يشعرون بالفضول تجاه وضعها أساسا؟
هُجرت من جديد.
تكررت خيبات التخلي في حياة دانا مرات كثيرة.
ضحكت يومها بمرارة، مضطرة لقبول الأمر مرة أخرى.
“وفي تلك الفترة التقيتُ به.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها.
كان من ينقلون المصابين يسمعون كلمات كالصاعقة من المعالِج.
“ابتعدوا فورًا! إنه محاط بدخان سام!”
وبمجرد تلك الكلمات، ارتجف الجميع وألقوا الفارس وسط الدخان.
كان الدخان المعتم يغطيه إلى حد يصعُب معه رؤية وجهه.
“سيموت على أي حال. فلنتركه.”
يا لسوء حظه!
تركه الجميع ومضوا.
السماء المعتمة، التي لا تختلف عن لون الدخان، كانت تطبق عليه.
سواء ابتلعته السموم أو مات بردًا، فمصيره المحتوم هو الموت.
هبت ريح قوية فاضطرب الدخان للحظة.
وفي حين ركض الجميع في الاتجاه الآخر وهم يصرخون، رأته دانا.
عينان تشعّان وسط العتمة.
في تلك اللحظة الخاطفة، اخترقها ذلك البريق.
كانت عينا شخص بلغ مرحلة اللامبالاة، كأنها ترى نفسها في المرآة.
سأتولّى رعايته.
نطقت دانا بصوت واضح.
للمرة الأولى في حياتها كانت رغبتها خالصة وصريحة.
لم تعرف بالضبط ما الذي حرّكها.
هل رأت في الرجل صورة عجزها القديم؟ أم لم تعد قادرة على احتمال مشاهدة موتٍ عبثي آخر؟
ذهبت إلى المعالِج وأخذت منه الترياق للرجل.
وبرغم محاولة الجميع ثنيها، حملته إلى كوخها.
أنهت دانا حكايتها ولوّحت بإحدى صفحات الكتاب نحو إدوين.
“إلى أن يستيقظ، كنت أحدثه وأقرأ له من هذا الديوان. أحضرته معي يومها.”
تحسّبًا لكل خطر محتمل، كانت تتناول الترياق كل يوم أثناء رعايته.
تواصلت حياتهما المنعزلة في الكوخ، لا ثالث معهما.
وحين أفاق أخيرًا، لم تتمكن من وصف فرحتها.
لم يكن بوسعها رؤية ملامحه بعد، فبقايا الدخان السام ما زالت عالقة، لكن مجرد صوته الجاف كان كافيًا ليملأ صدرها.
‘ما الطعام الذي تحبّه؟ أنا أحبّ التفاح أكثر من أي شيء…’
‘توقفي عن الحديث عن التفاح.’
‘سيدي الفارس، من فضلك لا تهتم بما يقوله الناس.’
‘عن أنني سأموت قريبًا؟’
‘هذه كلمات من لا يعرف شيئًا. سأحميك أنا!’
‘أنتِ ستحمينني؟’
‘نعم!’
‘العكس هو الصحيح.’
‘…سآخذ الترياق!’
‘أنتِ…’
‘نعم؟’
‘…كوني حذرة.’
‘هل… هل تقلق علي؟’
‘…..’
كانت أحاديث بسيطة، لكنّها من أسعد أيام دانا.
شعرت بأنها اكتسبت صديقًا ثمينًا.
كان في صوته اللامبالي شيء خافت من العطف والاهتمام.
تمنت أن تستمر هذه الرابطة الجميلة حتى بعد مرور الزمن.
وأن يصبحا صديقين يستطيعان النظر إلى وجه بعضهما يومًا ما.
كانت أمنية ساذجة.
أنهت دانا قصتها ونظرت إلى إدوين.
مدّت يدها بحذر ومرّرت خصلته الأمامية جانبًا.
“كان أول أصدقائي. رغم أنه رحل.”
كان أول صديق… وأول فراق.
تتذكّر بوضوح اليوم الذي اختفى فيه فجأة، والفراغ البارد الذي تركه وراءه.
ثم النبأ الذي أعلن وفاته.
بعد ذلك قضت عدّة أيام طريحة الفراش.
من الذنب لأنها لم تستطع حمايته.
ومن قسوة فقدان صديق.
اغرورقت عيناها.
شدّت يد إدوين بقوة.
“هذه المرة… لن أتركك.”
سأحميك مهما يحدث.
***
ليلة متأخرة.
كانت عربة سوداء تنطلق نحو العاصمة.
لا تحمل شعار عائلة، ولا أي زخرفة.
كأنها تخفي كل شيء عمدًا.
لم تتجه إلى الساحة الكبرى، بل إلى زقاق خفي.
وصلت العربة إلى قصر ضخم.
لم تدخل من بوابته، بل انعطفت خلفه.
هناك ظهرت بناية بائسة، كأنها أنقاض، تتسلّقها نباتات كثيفة قاتمة.
وبين الأوراق المتشابكة، كُشف عن باب صغير.
ترجّلت امرأة من العربة وفتحت الباب بمهارة اعتادت عليها.
بعد عبور البحيرة الخلفية، قطعت مسافة طويلة حتى اقتربت من القصر.
لم تبحث عن مدخل، بل تحسّست الجدار وضغطت على موضع ما.
اهتزّ الجدار، وفتح ممرًا يقود إلى درج حلزوني ينزل إلى الأسفل.
متكئة على ضوء خافت، نزلت حتى بلغت آخر الممر، وفتحت بابًا واسعًا.
انبسطت أمامها غرفة مضاءة جيدًا، وهواء بارد لطيف لا يشبه جوّ القبو.
“تشرفت برؤيتكم مجددًا، يا سيدي تاران.”
أدّت التحية وتقدمت نحو الوسط.
احتلّ المنصّة العالية تابوت واسع يكفي لاثنين. فوقه غطاء زجاجي متين.
الرجل في الداخل بدا حيًّا لدرجة يستحيل معها وصفه بالجثة.
حدّقت فيه المرأة بوجه تغمره الدهشة والفرح.
وحول جسده لم تكن هناك زهور، بل أحجار المانا المتلألئة.
“أ… آاه…”
تأوه الرجل من داخل التابوت.
“يا لروعة نبض الحياة فيكم.”
كادت الدموع تنهمر من عيني المرأة.
ظهر رجل من خلف التابوت.
“مرحبًا، ميرلين.”
أدركت ميرلين صوته، وارتسمت ابتسامة على وجهها.
“جئت اليوم بوصف حضوري خادمة للورد تاران، لا كمعالِجة.”
ثم سألته وهي تنحني قليلًا.
“هل انتهت شؤون حيّ الفقراء؟”
“نعم. بفضلكِ استطعنا استقبال أطفال جدد.”
“حكمة بالغة.”
تلألأت عيناها بجنون خافت.
“أتوق لرؤية اللورد تاران بوضوح.”
“لم يبق الكثير، اصبري قليلًا.”
“أجل. أنا أثق بك دومًا… ديريك.”
واتجهت نظرات الإعجاب من ميرلين نحو الرجل الواقف أمامها، ديريك.
التعليقات لهذا الفصل " 65"