الفصل 63
في اليوم التالي، عند ظهور خيوط الفجر الأولى، كان هناك من يطرق باب المصحّة.
“هل السيد إدوين لامبرت هنا؟”
عند سماع أحدهم ينادي اسم إدوين، رمقت دانا خارج الغرفة.
بدا عليها الإرهاق من ليلة كاملة بلا نوم.
من هذا؟ لم يحن موعد فتح المصحّة بعد…
فتحت دانا باب الغرفة بحذر واتجهت نحو مصدر الصوت.
ومن خلال النافذة الصغيرة عند المدخل، ظهرت فارسة ترتدي درعاً محكماً.
كان على صدر الدرع ختم الإمبراطورية الذي رأته دانا مراراً.
فتحت دانا الباب بدهشة، فانحنت الفارسة باحترام.
“سمعنا أنّ السيد إدوين لامبرت، موظف وزارة السحر، مرّ بمحنة كبيرة. وقد علمت الإمبراطورية بذلك، فأرسلت عربة خاصة.”
“… عربة؟”
“لقد أُصيب أثناء قيامه بعمل يخصّ البلاط، مهما كان منصبه. هناك أوامر سامية بعودته إلى العاصمة لتلقي العلاج.”
آه، صحيح.
تذكّرت دانا أن أحد موظفي الوزارة أصيب العام الماضي أثناء قيامه بواجبه.
يومها، أرسلت الإمبراطورية طبيب القصر بنفسه ليتولى علاجه.
“لكن الطريق الواصل إلى العاصمة وعرٌ للغاية، وهذا ما يقلقني.”
“العربة مصنوعة بطرق سحرية خاصة. لن تواجهوا أي مشكلة.”
إلى هذا الحد؟
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير. مهما كان السبب، كانت تريد شفاء إدوين سريعاً.
“إذن أرجو منكم الاعتناء به.”
وما إن أنهت دانا كلامها حتى تحرّك الفرسان المخفيون خلفها بسرعة مُحكمة.
ملامحهم صارمة، لا يكاد يُسمع لهم نفس.
حتى دانا، رغم جهلها بشؤون الفرسان، أدركت تمرّسهم.
رافقت الفارسة دانا إلى العربة لتصعد معها.
وحين دخلت العربة، اتسعت عيناها.
لماذا هي واسعة هكذا؟
على عكس مظهرها الخارجي القاتم، كان الداخل فخماً.
في طرفيها مقاعد فاخرة، أشبه بأرائك وثيرة.
المساحة كافية لتمدّ إدوين وتبقى فسحة بجانبه.
دخل الفرسان ووضعوا إدوين برفق على المقعد وثبّتوه.
كل شيء جرى في لحظات.
وأثناء اندفاع العربة نحو العاصمة، ظلت دانا تراقب إدوين بقلق لا يهدأ.
خشيت أن تتفاقم إصابته بسبب الطريق الوعر.
لكن كما قالت الفارسة، كانت العربة تسير كأنها على أرض مستوية.
وقبل أن يطلع الصباح تماماً، وصلت العربة إلى القصر الإمبراطوري.
لم يُجْرَ أي تفتيش، وسارت مباشرة عبر ممرّات سرية.
كان إدوين يتلوّى من الألم أحياناً، أو يطلق أنيناً خافتاً.
كانت دانا منشغلة به تماماً، حتى إنها لم تلحظ ما حولها.
“لقد وصلنا.”
توقفت العربة.
فتحت الفارسة الباب مجدداً ومدّت يدها لترافق دانا.
“هذا المكان… ما هو؟”
نظرت دانا حولها وامتلأت عيناها بالدهشة.
قصر على هيئة قبّة بيضاء، تغطيه نقوش ذهبية.
كان مختلفاً تماماً عن القصر الإمبراطوري المعتاد، ذا طابع غريب.
قالت الفارسة بنبرة هادئة.
“إنه القصر المخصّص لاستقبال وفود الشرق. وهو قريب من مقر أطباء القصر.”
“هل سنقيم هنا؟”
“نعم. إنه شاغر حالياً، ولن يزعجكم فيه شيء.”
لم تكن دانا تقصد ذلك، لكن الفارسة تابعت.
“وقبل هذا أيضاً، تلقّى بعض الموظفين المصابين علاجهم هنا. أظن أن علينا فحص حالته سريعاً…”
عادت أفكار دانا كلها إلى إدوين عند الجملة الأخيرة.
“إذن سأتركه بعنايتكم.”
نعم، تعافي إدوين يأتي أولاً.
اقتاد الفرسان إدوين بحذر إلى داخل القصر.
وكانت الأسرة مجهزة مسبقاً، وطبيب القصر ينتظرهم.
“أحسنتِ تعقيم الجرح تماماً.”
امتدح الطبيب دانا.
“الجرح عميق. يبدو أن العلاج الطبي وحده غير كافٍ، سنحتاج إلى السحرة أيضاً.”
“متى سيستعيد وعيه……؟”
لم يستطع الطبيب الإجابة فوراً على صوتها المرتجف.
“دعينا نراقب حالته أولاً.”
وبدأ الطبيب العلاج دون تأخير.
وحين نزع الضماد، بدت البشرة المتشققة المتخضّبة بالدماء.
تألّم قلب دانا.
عندما كان جيمي يلوّح بالخنجر، احتضنها إدوين دون تردد.
“لماذا فعل ذلك…”
كان وجه إدوين شاحبًا وخالٍ من أي حيوية. كم كان يتألم، لا بد أنه عانى كثيرًا.
“آسفة، إدوين…”
انهارت دانا بالبكاء.
بعد أن غادر الأطباء، تم إعداد وجبة فاخرة، لكن دانا اكتفت بالبقاء صامتة بجانب إدوين.
على عكس شعورها، كان ضوء الشمس يتسلل عبر النوافذ الكبيرة، فيلمع شعر إدوين الذهبي كما لو كان يذوب تحت الأشعة.
بينما كانت تراقبه مذهولة، سمعت دانا صوتًا مألوفًا.
“آنسة دانا.”
عندما التفتت ببطء، وجدت شخصًا غير متوقع أمامها.
“مر وقت طويل.”
كان كارل، المحامي الذي تولى الدفاع عنها.
“سمعت بما مررتم به. بما أن الأمر يتعلق بمحاولة قتل، سألتقي بالمحقق، فهل تسمحين بأن تخبريني بما حدث؟”
نظرت دانا برأسها، ثم نهضت عن مقعدها.
أرشد الخدم الاثنين إلى غرفة الاستقبال.
“لكن، كيف علمت أننا بهذا المكان؟”
“…بناءً على طلب صديق.”
صديق؟ ربما والد إدوين؟
توقفت دانا في مسارها، وقد بدا عليها الانزعاج.
“يعني أنه يعلم، لكنه لم يأتِ حتى لزيارة؟”
“…..”
كانت دانا تبدو وكأنها متألمة.
“كيف يمكن إرسال صديق فقط بينما ابنهم أصيب هكذا؟”
“كان لديه ظرف يمنعه…”
“كنت أشعر منذ زمن أن إدوين لم ينل حبًا كافيًا أثناء نشأته.”
“ليس صحيحًا.…”
سكت كارل، لكن دانا بدت أكثر تأكيدًا.
“لا بأس، سأملأ الفراغ في قلب إدوين بنفسي.”
كم كان إدوين يشعر بالحزن طوال هذا الوقت؟
اشتدت مشاعرها تجاهه، لكنها حاولت كتمان حزنها.
عندما وصلوا إلى غرفة الاستقبال، قُدم لهم الشاي الدافئ.
***
بعد وقت قصير، زار الإمبراطور والإمبراطورة قصر الوفد.
“ماذا تن كنتنا؟ هل رحلت؟”
تصبّبت قطرات العرق على جبين الإمبراطور بينما أسرع إلى غرفة إدوين.
أومأ الخادم، وفتح باب غرفة إدوين.
وكانت الإمبراطورة ترافقه.
“إبني الأصغر…!”
اقترب الإمبراطور متأثرًا، لكن الإمبراطورة همست له.
“اهدأ، لا تتصرف أمام المريض.”
“لكن…! آه، صغيري…!”
شعر الإمبراطور بحزن كأن السماء قد انهارت بعد سماعه خبر إصابة ابنه.
أوقفته الإمبراطورة عن التقدم.
“ليس الآن، دانا بجانبه.”
في النهاية، أمر الإمبراطور كارل بإبعاد دانا إلى غرفة أخرى.
ظل ينظر إلى إدوين بعينين دامعتين.
“أليس من الأفضل أخذه معنا بدل قصر الوفد؟”
“لا، هنا أنسب، حتى لا يُكتشف أنه الأمير، ولا تنشأ خلافات بين الزوجين، ولا يشعر بالغضب تجاه والده.”
“حسنًا، سنبقيه هنا.”
قال الإمبراطور بنبرة حزينة.
“فقط… تذكرت ما حدث سابقًا…”
لقد كاد أن يفقد ابنه الغالي من قبل، وفكرة ذلك لا تزال تقشعر لها الأبدان.
“عودته سالمًا من الشمال كانت معجزة، والآن يحدث هذا مجددًا”
“سيستيقظ قريبًا، ابني قوي.”
أومأ الإمبراطور برأسه موافقًا على كلام زوجته.
“لكن الأمر غريب، سمعت أن شقيق دانا فاشل في المبارزة.”
من المفترض أن إبنه قادر على التعامل مع موقف يكون فيه الطرف الآخر ضعيفا.
وعند رؤيتها حيرته، خفت نبرة الإمبراطورة.
“ربما لإخفاء كذبه.”
تمتمت الإمبراطورة وكأنها توقعت كل شيء.
“الكذبة التي بدأها إدوين قد تجلب المزيد من المتاعب، بدءًا من هذا الحدث.”
فكرت في الألم الذي ستشعر به دانا حين تكتشف كلّ شيء، وربما تصبح علاقتهما غير قابلة للإصلاح.
مسحت الإمبراطورة شعر إدوين برفق، مظهرة أسفها على الأمور التي لا يمكن لسواه تحمل مسؤوليتها.
عيناها تعكسان القلق والحزن على إبنها.
التعليقات لهذا الفصل " 63"