الفصل 62
حدّقت دانا في إدوين بذهولٍ صامت.
لطّخت آثار الدم القانية جسده كله.
خافت.
خشيت ألا ترى ابتسامته الصافية من جديد، ألا تسمع صوته الدافئ مرة أخرى.
وأربك عقلها سيل من الذنب المتلاحق.
إدوين… حاول أن يحميها…
“دانا، من الأفضل أن تبتعدي قليلًا. يجب أن يُعالَج.”
سحبت كيرا دانا التي كانت تحدّق في إدوين بلا حراك.
أجلستها على مقعد الاستراحة، وجعلت رأسها يستند إلى كتفها.
“تماسكي يا دانا.”
“…….”
لم يصل صوت كيرا إليها.
كل حواسها شُدّت نحو إدوين، فلم يلامسها عزاء كيرا، ولا حتى رائحة الأعشاب المرّة من حولها.
تنهدت كيرا وربّتت على شعر دانا.
كانت طيبة… لكن رؤيتها بهذا الضعف آلمت كيرا دائمًا.
منذ أول لقاء، عرفت كيرا أن وراء ابتسامة دانا النقية شيئًا واهيًا، هشًا.
عائلتها لم تجرحها بالمال فقط، بل بطعنات اللسان أيضًا.
ولم يكن يبدو أن لدانـا أي أمل.
ابتسامتها الخفيفة كانت دائمًا مقرونة بعينين خامدتين.
بدأت تتغير فقط حين التقت بإدوين.
الظل الذي لازم وجهها تلاشى قليلًا، وبدأت ملامحها تتفتح، وبدأت تتحدث عن المستقبل.
كانت كيرا واثقة.
إدوين بالنسبة لدانا… ليس مجرد زوج.
كان الشخص الذي غيّرها… الذي جعلها تتوهّج.
“سيكون كل شيء على ما يرام…”
ربّتت كيرا على كتف دانا بخفوت.
ومضى وقتٌ بدا لا نهاية له.
وحين دخل رجل معطفه أبيض، قبضت دانا على ظهر الكرسي ونهضت.
هزّت ذراعاها الواهنتان، فسارعت كيرا لتدعمها.
قال الطبيب وهو ينظر إلى دانا.
“أنهينا الإسعاف الأولي. لكن الجرح عميق جدًا… يجب نقله إلى العاصمة لفحصه.”
“إذا ذهب إلى العاصمة…”
رقّ صوت دانا لدرجة بالكاد تُسمع، فأنعم الطبيب النظر إليها.
“الطعنة واسعة، وسيستغرق التعافي وقتًا طويلًا.”
ارتسمت العتمة على وجه دانا عند قوله إن عليهم الانتظار والمراقبة.
“أوقفنا النزيف، لكن إن ركب العربة فقد ينفتح الجرح مجددًا. من الأفضل أن يبقى في مركز العلاج يومًا تقريبًا.”
“…نعم، فهمت.”
“ويجب تعقيم الجرح باستمرار. كما يجب تغيير الضماد.”
“سأتولى ذلك.”
أجابت دانا بلا تردد.
أرادت أن تفعل كل شيء.
وكانت ممتنّة أنها قادرة على رعايته بنفسها.
قادها الطبيب إلى غرفة الأدوية.
“يجب استخدام جرعة تجديد مع التعقيم.”
حرصت دانا على ألا يفوتها حرف واحد.
“ويجب الحرص حتى لا يلتهب الجرح.”
“نعم، فهمت.”
وحين انتهى الطبيب من الشرح، خرجت دانا من غرفة الأدوية.
“…ماذا هناك؟”
كان لايتن واقفًا أمام الباب، والقلق واضح في ملامحه.
لايتن كان المسؤول عن كل ما حدث.
علم بانهيار أكوام الجرعات، ومع ذلك ترك الأمر كله لدانا. لم يُشِر بشيء للآخرين، ولم يتصرف كمسؤول ينبغي أن يردع الخطر قبل وقوعه.
ولو أنه استمع إلى دانا منذ البداية وجلب أشخاصا آخرين، لما انتهت الأمور هكذا.
قال لايتن وقد احتقن وجهه.
“دانا… أنا… لم أتصور أبدًا أن يحدث شيء كهذا…”
“لن أستطيع الذهاب للعمل في الوقت الحالي. يجب أن أبقى إلى جانب إدوين.”
خرج صوتها مُتعَبًا… وفي أعماقه شيء بارد.
ارتجف لايتن قليلًا، ثم أجاب بسرعة.
“أوه، أها… نعم! عليه أن يرتاح جيداً إلى أن يتعافي تماماً!”
ورغم إجابته، لم يبرح لايتن مكانه أمام دانا.
‘إن نظرتُ للأمر، فليس ذنبي وحدي. من أين خرج ذلك المعتوه فجأة!’
وبما أنّ الحدث كان جللاً، فالأعلى شأنًا سيُجْرون تحقيقًا دقيقًا.
أراد لايتن أن يطلب منها فقط أن تروي قصته على نحو جيد، لكنه ما لبث أن أمسك عن الكلام.
نظرة دانا كانت باردة بقدر لم يعتده.
“ألن تذهب؟”
“…… كنت ذاهباً الآن. انتهينا من توزيع الجرعات، فيجب أن أعود.”
تنحنح لايتن وجمع رجاله.
رفاق دانا قدّموا لها كلمات المواساة ثم غادروا المصحّة.
كانت السماء زرقاء صافية قبل قليل، لكنها غدت مُتَلألئة بذهبيّة الغروب.
وأرسلت الشمس أشعتها داخل نافذة المصحّة.
وحين فتحت دانا باب الغرفة، تراءى لها إدوين على السرير.
كلما اقتربت، ازداد شحوب وجهه وضوحاً.
“إدوين….”
جلست دانا على الكرسي الملاصق للسرير.
ارتجفت يدها المرتعشة وهي تقترب من خدّه، ثم تراجعت بحذر.
كانت تخشى أن تمسّه ولو مسًّا خفيفاً.
حينها سُمع صوت طرق.
“لا تقلقي كثيراً. لقد تمّ إيقاف النزيف تماماً.”
كانت كبير المعالجين، ميرلين.
قالت بابتسامة هادئة.
“لا بد أنكِ فُزِعتِ. هذه الغرفة مخصّصة للحالات الحرجة. ابقي هنا بطمأنينة لبعض الوقت.”
لأول مرة، اتجهت عينا دانا الزرقاوان نحوها.
“شكرًا لكِ. سأستعير المكان لبعض الوقت.”
“بالطبع. هناك سرير قابل للطي، استخدميه كما تشائين.”
لامس صوت ميرلين اللطيف قلب دانا.
ثم أضافت بابتسامة رقيقة.
“يبدو أن زوجكِ يحبّكِ كثيراً.”
“…….”
“تفاجأتُ حين علمتُ أنه حماكِ مباشرة. أدركت أنه كان صادقاً.”
كان في صوتها شيء غريب، كأنها فوجئت بذلك.
“سنغادر الآن. سنغلق المصحّة وراءنا، فاستريحي.”
رافقتْها دانا عند الخروج تقديراً لاهتمامها حتى اللحظة الأخيرة.
ساد السكون أرجاء المصحّة.
وفي طريقها إلى الغرفة توقّفت دانا بغتة.
“كيف عرفتْ أننا زوجان؟”
…… لا بد أن لايتن هو مَن ثرثر.
***
في تلك الأثناء، كان جيمي مقيّد اليدين داخل عربة، مشدوداً إلى مقعدها.
كان معصوب العينين فلا يدري إلى أين يُساق.
لم يخبره سوى اهتزازات العربة بأن الطريق وعرٌ ومنحدر.
تبادل الفرسان الجالسون بقربه الحديث.
“هذا الأحمق مجنون فعلاً. كيف يجرؤ على مهاجمة إدارة القصر الإمبراطوري؟”
“كدنا نفقد شخصين. تلك الموظفة أسقطت صندوق الجرعات، فاستطاعت إيقافه.”
“صحيح، لو لم تكن تلك العرقلة، لربما لاذ بالفرار.”
كان ظهر دانا بدون دفاع تماماً.
لو لم تعترض طريقه، لكان جيمي قد طعنها ثم هرب من جديد.
ضحك جيمي عند سماع كلماتهم.
ضحكة خاوية، بائسة.
تطلّع إليه الفرسان بدهشة.
بعد رحلة طويلة فوق الجبل، ظهر المعتقل أخيراً.
مكان لاحتجاز المجرمين الخطرين بصفة مؤقتة.
وحين أعلن السائس وصولهم، نزل الفرسان من العربة.
وفي اللحظة التي كانوا يستعدون فيها لإنزال السجين—
“توقفوا.”
تقدم رجل بملامح صارمة نحوهم.
“ما الأمر؟”
سأل الفرسان بقلق شديد، فأجاب بصوت خالٍ من الارتفاع والانخفاض.
“نحن سنتولى هذا السجين. سلّموه إلينا.”
وظهرت خلفه مجموعة فرسان مدججين بالدروع.
شهق الفرسان المرافقون لجيمي.
وحين رأوا شعار الدروع، أسرعوا بتسليمه.
قال الرجل محذّراً.
“تذكّروا أن كل ما يحدث الآن سريّ.”
كان جيمي، المعصوب العينين، يدير رأسه يميناً ويساراً.
من هؤلاء؟ ولماذا ارتبكوا هكذا؟
إلى أين يأخذونني…!
اجتاحت جسده قشعريرة غريزية.
كان يعلم دون حاجة لشرح أن المكان الذي يُساق إليه الآن سيجرّه إلى أقصى حدود البؤس.
وحين جذبه الفرسان الجدد، راح يقاوم بشراسة.
لكن قبضاتهم كانت محكمة، وإحساس مرعب تسلل من حضورهم.
تابع الفرسان الذين بقوا خلفه المشهد بارتباك ظاهر.
“لماذا يأخذونه إلى القصر الإمبراطوري؟”
التعليقات لهذا الفصل " 62"