الفصل 60
صرير خافت—
فتحت دانا الباب وتبعت صوت الزجاج المتحطم.
وبمجرد أن عبرت الباب الخلفي واستدارت عند زاوية المبنى، كان باب مخزن المواد مفتوحًا.
‘هل مرّ أحد من هنا؟’
ما إن خطت إلى الداخل حتى ظهرت أمامها أشكال متناثرة.
كما توقعت، صناديق الجرعات انقلبت، وانتثرت على الأرض في فوضى عارمة، وزجاجات الجرعات تتدحرج خارج الصناديق المهشّمة.
يا إلهي، ما العمل!
كانت الجرعات ثمينة، وكمياتها محدودة أصلًا، بالكاد تكفي لتزويد المركز.
أسرعت دانا نحوها، وفحصتها بحذر. ولحسن الحظ، لم تكن الزجاجات المحطّمة كثيرة.
أخذت الصناديق الملقاة وراحت تجرّها إلى خارج المخزن.
آثار العبث كانت واضحة، وكان لا بدّ من التأكد من عدم تغيّر محتوى الجرعات.
“لماذا تُرك المكان بهذا الشكل الفوضوي…؟”
كان العمّال دائمًا يحسنون ترتيب المخزن، ولم يسبق أن رأت الحال بهذا السوء.
مضى بعض الوقت، والنسيم البارد يحرك أوراق الأشجار المتساقطة.
وتراكمت عدة صناديق خارج المخزن في أكوام مرتفعة.
آنذاك فقط التفتت دانا حولها.
“ألم يقل لايتِن إنه سيرسل أحدًا؟…”
لا أحد ظهر، ولا حتى هو نفسه.
بعد أن فرغت من إغلاق باب المخزن وإحكامه، مسحت المكان بنظراتها.
وفي اللحظة التي همت فيها بالعودة نحو المركز، سُمِع صوت أقدام تُسحب على التراب.
ما هذا؟
التفتت نحو مصدر الصوت، فلم تجد سوى السكون.
إنتابها شعور سيء.
“…..”
تلاشى الصوت، لكن الهدوء نفسه صار نذيرًا سيئًا.
كان حدسها واضحًا— يجب أن تغادر المكان فورًا.
شدّت أعصابها واستدارت عائدة نحو المركز. عندها انبعث مجددًا صوت خشّن يحتك بالأرض.
هواء ثقيل كأنما أمسك بها.
“…مرّ وقت طويل.”
تجمد قلبها.
نبرة متشققة، محمّلة بوحشة كريهة كانت تنخر أعصابها.
هذا الصوت…
“ألا يجدرُ بك أن تُلقي التحية على شقيقك؟”
كان جيمي، بعينين تفيض حقدًا.
الصدمة جعلت قلبها يهبط في مكانه.
لماذا هو هنا؟ ولماذا أمامها تحديدًا؟
اعترفت لنفسها بأنها بالغت في الاطمئنان.
ظنت أن جيمي، الجبان والمتعجرف، لن يجرؤ على مغادرة العاصمة.
لكن المرء إذا حُشر في زاوية مظلمة، يركل كل شيء كي يبقى حيًا.
تفحّصت هيئة جيمي.
ثياب متسخة، ملطخة بالسواد، بالية وممزقة.
رجل مُطارد لا يفكر في مظهره.
“فيما تحدقين؟ أتسخرين مني؟”
جرحته نظرتها، فمدّ يده إلى معطفه وأخرج خنجرًا.
وبمجرد أن نزع غمده، لمع الحدّ بوميض بارد، موجّهًا نحوها.
شهقت دانا في صمت.
‘مختلّ.’
الموقف يتدهور لحظة بعد لحظة.
ارتسمت على شفتي جيمي ابتسامة ملتوية وهو يرقب وجهها المتجمد.
“كنتُ سعيدًا جدًّا حين سمعت أنك ستأتين. لكنك لم تظهرِي، فاضطررتُ لكسر جرعات ثمينة.”
كان قد تأكد من مكانها من خلال النافذة، ثم قذف الجرعة نحو الباب كي يجرّها للخروج.
تصرف خسيس، لا يستغرب منه.
نظرت إليه بعينين باردتين.
“سيأتي الناس قريبًا. لا ترتكب حماقة، جيمي.”
“ألم تفكري بأنك قد تتأذين قبل أن يأتي أي أحد؟”
“مهما حاولتَ ترهيبي، لن يتغير شيء.”
عروق حمراء انتشرت في عينيه، وابتسامة مشوهة ارتسمت على وجهه.
“أعرف… أعرف جيدًا. على كل حال، سيقبضون عليّ. وسأقضي حياتي في زنزانة.”
“…..”
“لذلك، قبل ذلك…”
ارتجفت يده القابضة على الخنجر.
“سأحطمك أولًا.”
كان قد تخلّى عن كل شيء، ولم يتبقّ في صدره سوى الحقد.
لا يرى شيئًا أمامه سوى ظلام ينتظره.
وكل ذلك—
بسبب دانا.
دانا، دانا…
تلك المرأة!
“أي خطأ ارتكبته أنا!”
نبرة اختناق، بلا أي أثر لندم.
أجابته دانا ببرود.
“حقًّا… ما زلتَ دنيئًا حتى النهاية.”
حاولت الحفاظ على هدوئها، رغم أن الوضع كان بالغ الخطورة.
نظرت سريعًا حولها— وما زال السكون هو سيد المكان.
قهقه جيمي وهو يرمقها بازدراء.
“هل تبحثين عن زوجك؟”
***
مسح العمّال جباههم المبتلّة بعدما انتهوا من نقل الجرعات، ثم جلسوا على الكراسي يستريحون.
“لقد بذلتم جهدًا كبيرًا.”
ابتسم العمّال لطفًا لحديث إدوين.
“جهدنا أهون من غيرنا. هناك من ظل ينقل الصناديق منذ الفجر عند المنفذ الخلفي.”
“صحيح، وما إن أنهوا العمل حتى غادروا كالسهم.”
وضحكوا قائلين إن الجهة الخلفية ستظل مهجورة طوال اليوم.
تركهم إدوين ودخل مبنى العلاج.
وكان يبحث عن الوجه الذي يودّ رؤيته أكثر من أي شيء.
شق طريقه بين العاملين، متفقدًا كل زاوية.
لكن دانا لم تكن هناك.
في تلك اللحظة، ظهرت كيرا وهي تعبر الباب— ولم تكن دانا برفقتها.
ما الأمر؟
سأل بنبرة منخفضة.
“أين دانا؟”
“ألا تجدها؟ كانت مع لايتِن…”
قبل أن تُكمل، كان إدوين يشق طريقه إلى لايتِن، الذي كان يستمتع بكوب من الشاي رغم انشغال الجميع.
“أين ذهبت دانا؟”
رفع لايتِن رأسه ونظر إليه من طرف عين.
“في المخزن الخلفي. حدثت مشكلة في الجرعات.”
ثم أضاف هامسًا.
“لا تخبر الآخرين.”
وأشار له أن يذهب، غير أن ظلًا كثيفًا لم يزل فوقه.
رفع بصره مجددًا نحو إدوين، فارتجف.
كانت العينان الحمراوان تتلألآن بحدّة تنذر بشرّ.
“وأنت تعرف أن هذه المنطقة غير آمنة، ومع ذلك تركتها تذهب وحدها؟”
ضغط الصمت القاسي على صدر لايتِن.
“المركز قريب! ستتدبّر أمرها…”
“سنتحدث عن هذا لاحقًا.”
تركه إدوين بعبارة باردة، وانطلق بسرعة. لم يكن هذا ما أراده عندما سمح لدانا بالدخول.
فتح الباب واندفع نحو الجهة الخلفية للمبنى.
سمعه الحاد التقط صوتين— دانا… ورجل آخر.
تحفّز جسده بأكمله.
وما إن وصل إلى زاوية المبنى، حتى اخترقت أذنيه كلمات محمّلة بالغلّ.
“تظنين أن زوجك سيُنقذك؟من الواضح أنه خدعكِ تماما.”
“انتبه لكلامك.”
“تقولين إنكِ هربتِ منا بسبب العنف والاستغلال؟ وتظنين أن ذلك الحقير مختلف؟”
قهقهت دانا بسخرية خفية.
“أتعتقد أن الناس جميعًا نسخة منك؟ لا تُهِن زوجي.”
ثبتت بصرها على الخنجر في يد جيمي.
“أمثالكَ لا يعرفون سوى العنف. هذا هو سلاحكم الوحيد.”
“ما…؟”
“أما هو… فليس كذلك. رجل طيب، لا يعرف التهديد ولا القسوة. لهذا فتحت له قلبي.”
وكان مغزاها واضحًا— ليس مثلَك.
صوتها القاطع وخز أذنَي جيمي.
“ستظل هكذا ما حييت. غارقًا في الدونية والضغينة.”
استشاط جيمي غضبًا، منشقّ الأنفاس، وقد برزت عروقه على يده القابضة على الخنجر.
“ماذا؟ ستطعنني؟ أنت لا تعرف سوى هذا، رجل بليد لا يجيد غير العنف.”
تعمّدت دانا استفزازه أكثر.
وراحت تدرس كومة الصناديق المحطّمة.
جيمي بسيط التفكير— يغضب فيفقد انتباهه.
‘حين يندفع، سأركل الصناديق.’
أصنع حاجزًا بيننا، ثم أركض نحو المنفذ الخلفي.
“دانا هارتوين…!”
شعر جيمي بأن رأسه سينفجر من شدة الغيظ.
ظنّ أنها ستخرّ عند قدميه تستجديه، لكنها بقيت شامخة حتى النهاية.
سأحطّمك.
سأجعلك لا تنهضين مجددًا.
وانقضّ بعينين مقلوبتين، يلوّح بالخنجر بجنون، مندفعًا نحوها.
التعليقات لهذا الفصل " 60"