الفصل 56
كانت الابتسامة التي ارتسمت على وجه جيمي معتمة وهو يبلغ متجر أسلحة قديمًا متداعيًا.
متاجر السلاح في تلك الأحياء الفقيرة كانت تتعامل غالبًا مع المرتزقة المتجولين.
وعندما دخل جيمي، النحيل والمرهق، ضيّق صاحب المتجر عينيه؛ نظرة تشبه ما يُرمى به المبتدئون عديمي الخبرة.
“ما الأمر؟”
“….”
لم يُجب جيمي، بل أخذ يتفحّص المكان.
شفرات السيوف المعروضة بدت مهملة، باهتة، وقد نال منها الصدأ.
حتى البنادق كانت مغطاة بطبقة من الغبار تجعل المرء يشك إن كانت تعمل أصلًا.
“كلها رديئة.”
خرج من صاحب المتجر ضحك قصير أجوف.
“أتعرف حتى كيف تُمسك سيفًا؟”
لم يلتفت جيمي إلى السخرية، بل انحنى يتفحّص الخناجر الصغيرة المعروضة.
أراد شيئًا خفيفًا، يسهل إخفاؤه تحت الثياب.
“أهذا كل ما لديك؟ كلها مصدّأة.”
“معك مالٌ أصلًا؟”
مسح صاحب المتجر جيمي بنظره من أعلى إلى أسفل، يمعن في ثيابه الممزقة المتسخة.
مدّ جيمي يده إلى جيبه ورفع رأسه بثقة، ثم أخرج زري أكمام صغيرين لامعين.
ارتسم على وجهه مزيج من التباهي والتعالي.
“أراهن أنك لم تر مثل هذه الزينة من قبل. أعطني ما يليق بها—”
“كلها رديئة.”
أعادها إليه صاحب المتجر بنفس لهجته.
“حتى لو كنت قليل الخبرة، لا يمكن أن تمرر عليّ حجارة معكرة على أنها جواهر.”
ضحك، كأنّه كان يتوقع هذا بالضبط.
احمرّ وجه جيمي غضبًا؛ احتقاره لرجل من حيّ فقير انكشف دون قصد.
“لأنك مثير الشفقة، سأقبلها. وسأعطيك ما يناسبها.”
سحب صاحب المتجر خنجرًا من زاوية مهملة. طبقات الغبار التي غطته كشفت كم ظل مهجورًا.
“انظر جيدًا. هذا يناسب زينتك الرخيصة.”
ورمى الخنجر أمامه رمية خفيفة.
“يمكنك سنّ الشفرة هناك.”
وأشار إلى لوح حجري مستعمل.
تسرّب الغيظ إلى صدر جيمي؛ كأن الخنجر المتداعي وصاحبه يعكسان حاله التي انتهى إليها.
همّ بالاعتراض، لكن الباب فُتح ودخل بضعة مرتزقة يتبادلون التحية مع صاحب المتجر.
تراجع جيمي، وأطبق فمه صامتًا، واتجه إلى اللوح ليبدأ بسنّ الشفرة.
خلفه مباشرة، تسربت كلمات المرتزقة.
“يبدو أن وزارة السحر سترسل أشخاصها قريبًا. حان الوقت، أليس كذلك؟”
توقّفت يد جيمي فوق الشفرة؛ أصغى بكل حواسه.
“نعم. كانوا دائمًا يزورون مستوصف الفقراء في أوائل الصيف.”
“الفحوصات الصحية… ماذا أيضًا؟”
“أدوية أساسية، وجرعات علاجية.”
ما إن دوّى ‘لفظ الجرعات’ حتى اتسعت عينا جيمي. كانت دانا تعمل في قسم إدارة الجرعات.
إذن، من المؤكد أنها ستأتي.
قد يكون هذا هو الطريق الذي جاءه وحده.
ارتجّ صدره بضحكة قصيرة مكتومة، ارتعش لها جسده من شدة الابتهاج.
نظر أحد المرتزقة نحوه وأشار بخنجره.
“ما باله هذا؟”
هزّ صاحب المتجر رأسه بلا مبالاة، إيماءة تُشير إلى أن لا أحد ينبغي أن يضيّع وقته على شخص فقد صوابه.
ومهما يكن، واصل جيمي ارتجاف كتفيه ضاحكًا لنفسه.
سنّ الشفرة وهو يستحضر في ذهنه وجه دانا المرتعبة.
وبرغم يده غير المتمرسة، راحت الشفرة تزداد حدّة شيئًا فشيئًا.
ولمّا لمع الخنجر بحدٍّ باردٍ كالثلج، ارتسمت على فم جيمي ابتسامة ملتوية.
‘سأجعلها تندم على ما فعلت بي.’
على أي حال، ما إن يعود إلى العاصمة حتى ينتظره السجن.
لم يعد بحاجة إلى مال، وقد دُفع بالفعل إلى حافة الهاوية.
‘أريد رؤيتها مرة أخير، أريد أن أراها محطمة تمامًا.’
***
كعادتهما كل يوم عند الظهيرة، توجه إدوين ودانا إلى الساحة خلف مبنى وزارة السحر، حيث تتلألأ نافورة صغيرة.
أصبح جلوسهما هناك، يتبادلان الحديث بينما تتناول دانا طعامه، جزءًا من روتينهما اليومي.
لم تعد تلك السندويتشات البائسة التي اعتادت عليها تحضر إلى مائدتهما، بل صارت قائمة الطعام تتغير يوميًا وتنفتح على نكهات جديدة.
وبفضل إدوين، راحت دانا تتعرف شيئًا فشيئًا إلى ذوقها الحقيقي.
كانت تحب الفطائر؛ تلك التي يقرمش ظاهرها وتفيض حشوتها الطرية من الداخل.
ولأن إدوين أدرك ذلك، كان يعدّ لها باستمرار فطائر اللحم وفطائر التفاح.
وكان الغداء اليوم أيضًا فطيرة لحم شهية تكفي لإشباعها.
قطع إدوين الفطيرة إلى لقيمات صغيرة ورفع إحداها نحو فمها.
تلقّفتها بعفوية، وما إن أطبقت شفتيها حتى تلألأت عيناها.
“لذيذة دائمًا. أشعر أنني لن أملّها لو أكلتها طول حياتي.”
“سأعدّها لكِ ما حييت.”
كانت دهشتها المتكررة متعة أخرى بالنسبة إليه. ولذلك عزم على تعلّم الطهو بإتقان أكبر.
أمال رأسه نحوها متفقدًا، ثم سألها.
“أتريدين عصيرًا؟”
“نعم، شكرًا.”
وبفضل مراقبته الدقيقة لها، بات يعرف نوع الطعام الذي تشتهيه، وحتى ملامح وجهها حين ترغب في شراب ما.
كان يحفظ ذلك لأنه يراقبها يوميًا، بتركيز لا يتزعزع، حتى انطبعت تفاصيلها في ذهنه.
وحين انساب العصير الحامض إلى فمها، لمعت في عينيها لمحة سرور خفيفة، ولم يفُت إدوين ذلك أبدًا.
‘سأستمر بصنع عصير التفاح لها.’
كانت دانا تعشق التفاح منذ لقائهما الأول في ساحة المعركة، ولم تكفّ عن وصف مذاقه اللذيذ.
كررت ذلك كثيرًا لدرجة أنه، حتى في اللحظات التي كاد يفقد فيها وعيه، ظل هذا التفصيل محفورًا بوضوح.
ترى… هل كانت عيناها تلمعان آنذاك بهذا الشكل أيضًا؟
وأي صورة له ما زالت محفوظة في ذاكرتها؟
كان يسترسل في التفكير مبتسمًا نحوها عندما…
“ماذا تأكلان هنا؟”
اقترب لايتن، وقد ربت على بطنه بتثاقل بعدما أنهى غداءه.
تجمّد هدوء إدوين بحدّة قناع، فهو يكره مقاطعة لحظاتهما الخاصة.
“نتناول الغداء.”
غير أن لايتن لم يلتقط النظرة التي تطلب منه المغادرة.
اقترب خطوة بعد أخرى، متفحصًا صندوق الطعام الذي أعدّه إدوين.
“ما أكلته اليوم لم يكن طيبًا.”
“يمكنك تجربة مطعم آخر.”
واصل إدوين تقطيع الفطيرة بهدوء، ودفع اللقمة التالية نحو فم دانا.
لكن قبل أن تصل إليها، امتدت أصابع لايتن والتقطتها من على الشوكة.
مضغها وهو يصدر أصواتًا مزعجة، ثم اتسعت عيناه دهشة.
“شهية! دانا، أنتِ من صنعها؟”
“إدوين.”
أجابته بوجه متجهم.
“هذه الأمور عادة تهتم بها الزوجة… غريب أمركم.”
لحس الصلصة العالقة على أصابعه ثم توجّه نحو إدوين.
“من الغد أحضر لي واحدة.”
“ماذا تقصد؟”
ابتسم إدوين على نحو أوسع.
“لا بأس. وأنت تطهو لها، جهّز واحدة لي أيضًا.”
“أنا أطهو لزوجتي وحدها.”
انقبض وجه لايتن ضجرًا.
“أتتباهى بهذا؟ ثم أنت غير قادر حتى على إعداد شيء بسيط لمديرك؟”
“تعلمت الطهو لأجل من أحب.”
“ولهذا… اطبخ واحدة إضافية!”
رفض لايتن الاستسلام هذه المرة؛ استفزه ذلك الوجه الهادئ المنصاع الظاهر لإدوين.
واستمر الجدل الفارغ طويلًا، حتى أوشكت دانا على التدخل.
لكن إدوين أطلق تنهيدة خافتة، وعيناه تتسعان بالأسى.
ثم تطلع نحو لايتن بنظرة مشفقة.
“لقد أوضحت أنني أطبخ لزوجتي فقط… وإن واصلت الإلحاح بهذا الشكل، فسأضطر لفهم الأمر بطريقة مختلفة تمامًا.”
“ماذا تعني…؟”
“كررتها مرارًا. أطهو لمن أحب فقط.”
“وماذا بعد؟”
“ورغم هذا، ما زلت تلحّ. أيمكن أنكَ تكنّ لي مشاعر أخرى؟”
ماذا…؟
لأول مرة يدرك لايتن أن الصدمة قد تجعل المرء عاجزًا عن الكلام.
“إن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا تصرّ على تناول طعام أُعدّه بيدي؟”
“أنت… أيها المجنون… أنت…!”
حتى دانا، التي حبست أنفاسها من المفاجأة، أخذت تراقب المشهد.
“هذا غير مقبول.”
أمال إدوين رأسه نافيًا.
ثم تقدّم وأمسك بيدي لايتن بكل هدوء.
“أعتذر، لكنني متزوج بالفعل. لا يمكنني قبول مشاعرك.”
التعليقات لهذا الفصل " 56"