الفصل 55
بعد عودتها من السجن، انهارت دانا نفسيًا.
تكاثرت عليها معلومات يصعب تقبّلها، فأسرع الإرهاق في اجتياحها.
تشوش رأسها كأن ضبابًا كثيفًا غمره. لم تدرك كيف وصلت إلى القصر.
وحين استعادت وعيها، وجدت نفسها متكئة على كتف إدوين.
راقبها طوال الطريق من القصر الإمبراطوري حتى المنزل من دون أن ينبس بكلمة، مكتفيًا بالانتظار حتى تهدأ.
شدّت دانا قبضتها على يده بعدما استعادت قوتها، ولوّحت بها بخفة على سبيل المزاح حتى لا يقلق.
“أنا بخير الآن.”
رفعت صوتها عمدًا وأطلقت ابتسامة نحوه.
“في الحقيقة… سمعت اليوم أمرًا مذهلًا. عن مرأة قد تكون أمي.”
رفع نظرة حذرة إليها، كأنّه يبحث عن الكلمات المناسبة.
“لم يتخلوا عنّي. حدثت… مأساة.”
روت ببطء ما سمعته من الفيكونت. وأصغى إدوين إلى حديثها بكل جدية.
“أريد أن أعرف عن نفسي.”
عن كل ما جرى لي، وعن عائلتي، أيّ أشخاص كانوا.
سألت مبتسمة.
“سترافقني، أليس كذلك؟”
“إن رغبتِ بذلك.”
كانت إجابته هادئة، لكن عزمه كان أثبت من ذلك بكثير.
كل ما تريده دانا، كان ينبغي تحقيقه، مهما اقتضى الأمر.
استرخت دانا على الأريكة، باسطة جسدها.
“لا رغبة لي في العشاء اليوم. على الأقل أنت تناول شيئًا.”
“ألستِ قلِقة عليّ؟”
رفعت رأسها بتعجّب من حدّة سؤاله المفاجئ.
“قلق؟ على ماذا؟”
“سأسهر الليل بطوله في قلق إن تركتِ نفسك جائعة.”
انفجرت ضاحكة من مبالغته الرقيقة.
“يا إلهي… كيف تنطق شيئًا كهذا بكل بساطة؟”
وارتفع مزاجها الذي كان غارقًا منذ لحظات.
استغل إدوين الفرصة سريعًا.
“سأعدّ لك فطيرة تفاح. حموضتها ستعيد لكِ شهيتك.”
“حسنًا… بشرط أن أطبخ معك. لا أريد البقاء وحدي.”
استقبل كلماتها بارتياح ودخلا المطبخ معًا.
أخرج ما يحتاج إليه من الخزانة، وبدأ الطهي بإتقان.
التفاح الذي تحبه دانا كان متوفرًا دائمًا.
وأثناء تنقيته للتفاح وعجنه الطحين، لم تستطع سوى مراقبته بلا حول.
“قلتُ لنطبخ معًا.”
تقدّم نحوها، ناولها وعاءً عميقًا.
“اخلطي هذا.”
كانت قطع التفاح تمتزج بالسكر.
“هذه مهمة يستطيع طفل في الثالثة القيام بها.”
أهي ليست بقدر من الثقة لهذا الحدّ؟ تمتمت في سرّها وهي تأخذ الوعاء وتحرّك التفاح.
تغلغل السكر الذائب قليلًا في الثمر.
“وماذا بعد ذلك؟”
“ستتعبين. ارتاحي.”
لم يكن يبدو أنه يخطط لترك أي مهمة لها.
جلست على كرسي… ثم عدلت، ومدّت إصبعها تلامس ما تبقى من الطحين على الطاولة، تداعبه برفق.
أحست بنعومته على أطراف أصابعها.
في تلك اللحظة، تذوّق إدوين قطعة من التفاح المنقوع في السكر.
“أعطِيني قطعة.”
عند كلمات دانا، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
“ترغبين بها؟”
ثم نقر بإصبعه على وجنته برفق. احمرّ وجه دانا في لحظة.
هل … يطلب منها قبلة على الخدّ؟
لم تكن قطعة التفاح بتلك الأهمية مقارنة بما اختلط في رأسها الآن.
توقفت تفكر لبرهة.
حتى بعد الزواج، لم يتجاوزا حدود المودة البسيطة، فكل ما مرت به جعلها تؤجّل التفكير في أي شيء آخر.
ولمَ لا… فهما زوجان حديثا عهد؟
اقتربت منه بتردد، شبكت يديها على كتفيه، ووقفت على أطراف أصابعها.
أغمضت عينيها وطبعت قبلة سريعة على وجنته—خفيفة، قصيرة، لكنها تركت أثرًا كبيرًا في صدرها.
اشتعل وجهها خجلًا، حتى شعرت أن حرارته تتجاوز الاحتمال.
رفعت رأسها تدريجيًا، ليقع بصرها على إدوين.
لم يكن على حاله المعتادة؛ ملامحه كانت مشدودة، وأنفاسه مضطربة بوضوح.
لماذا لا يقول شيئًا؟
تمتمت، محرجَة.
“أنت… طلبت ذلك.”
“…طلبت ماذا؟”
“أن أقبّل وجنتك. فعلتَ هكذا.”
وقلدت حركة أصابعه.
انخفض صوته حتى كاد يهمس.
“فعلتُ ذلك لأن بعض الطحين علق على وجهك.”
اتسعت عيناها، وارتفعت يدها تغطي فمها بدهشة.
إذًا… فهمت الأمر وحدها؟
وهو… لم يقصد شيئًا من ذلك؟
أثقلها الخجل حتى عجزت عن الكلام.
تمنت لو يلقي مزحة عابرة كما يفعل دائمًا… لكنه لم يفعل.
مسح وجنته بيده، ولفظ الكلمات كأنها تفلت منه.
“لا يمكنني نسيانها.”
“..…”
“تلك اللحظة… الشعور بها.”
أطبق جفنيه ثم فتحهما.
“أنا أحاول تمالك نفسي، لكنك… تستفزينني بلا قصد.”
فوجئت دانا تسأل.
“ولمَ تحاول تمالك نفسك؟”
شهقت بعدما أدركت ما قالته.
“أقصد… نحن زوجان. وأنا أحبك… وأريد الكثير… أعني…”
تعثر صوتها، متمنية لو تستعيد كلماتها.
اقترب إدوين منها بخطوات ثابتة.
كانت عيناه، بلون نيران متقدة، تتشبثان بها كما لو كان يقرأها كلها.
لم يعد الجو حوله مألوفًا، وإن كان هو نفسه الذي تعرفه.
“أنتِ من بدأتِ.”
ابتسامة ظهرت على شفتيه—لا هادئة كعادتها، بل مشبعة بمشاعر عميقة ومكبوتة، فارتجف جسدها بلا إرادة.
مدّ يده يلامس وجنتها بحرص.
اقترب منها، حتى شعرت بحرارة أنفاسه، ورفعت وجهها نحوه كمن يمنح إذنًا صامتًا.
وبإذن من دانا، قبلها إدوين برفق.
منحها قبلة دافئة، رقيقة، وحلوة لدرجة جعلته يكاد يفقد صوابه.
كانت لحظة قصيرة، لكنها بدت طويلة، متوهّجة، جعلت الأرض تتلاشى من حولهما.
***
“دانا… دانا هارتوين…”
ردّد جيمي الاسم بثغر يكسوه السواد.
على أطراف العاصمة، امتد حي فقير قاسٍ.
هرب إلى هناك، مشرّدًا، لا يملك سوى غضبه عليها.
كل شيء حوله كان مؤلمًا: المباني المتهالكة، وجوه الناس المتعبة، وحتى هيئته التي باتت أشبه بهم.
قاسى الجوع نهارًا، والبرد ليلًا.
وإن غفا، جاءته الكوابيس.
الفيكونت هامبرن يُقتاد، ثم والديه…
لم يهمّه ما يحدث لهم، لكنّ النهاية كانت دائمًا صورته خلف القضبان، يصرخ.
“اتركوني! أنا لم أفعل شيئًا!”
ثم تظهر دانا خارج الزنزانة، تحدّق به بابتسامة ساخرة، تحجب عنه الضوء.
ومع طلوع كل صباح، كان الغضب يشتعل فيه من جديد.
لماذا يعيش هكذا؟
كان الظلم يخنقه.
“لا بد أن ألتقي بها أولًا… دانا تلك.”
توعّد أن اللقاء لن يكون لطيفًا.
ضحك ضحكة مجنونة وهو يغوص في ظلمة الزقاق.
التعليقات لهذا الفصل " 55"