الفصل 54
بعد انتهاء دوامها، توجهت دانا إلى سجن القصر الإمبراطوري.
تحقّق الفارس الذي سبق أن تلقّى الإخطار من تصريح الدخول، ثم قادها إلى الداخل.
وما إن هبطت معه إلى الأسفل حتى أحاط رئتيها هواءٌ رطبٌ خانق تفوح منه رائحة العفن.
كان المشهد أشبه بمكان مهجور، مختلف تمامًا القصر الفخم الذي فوقه.
خيوط العنكبوت متدلّية من زوايا السقف، والغبار العالق في الهواء يلامس أنفها.
وحين انتهت الدرجات، أفصح الفارس باحترام.
“المكان معتم، فانتبهِي لخطواتك. سأنتظر هنا.”
أومأت دانا شاكرة، ومضت.
لم يُسمَع صراخ الفيكونت وزوجته، على عكس ما توقعت. ظنّت أنهما سيشكيان من المكان ويثيران الضجيج.
لكنها أدركت السبب فور رؤيتهما.
وقفت أمام القضبان وخاطبتهما.
“مرّ وقت طويل.”
“أنتِ… أنتِ!”
تشبثت الفيكونتيسة بالقضبان، وأسنانها تطحن غيظًا.
“يا عديمة التربية! أيتها الشريرة الخبيثة!”
ومع صراخها، انطلقت شتائم من الزنزانات المجاورة.
“بدأت مجددًا؟ تريدين أن تعرفي ما هو الشيء المخيف بحق؟”
ارتجفت الفيكونتيسة وسكتت في الحال.
هؤلاء السجناء هم من أسكـتها.
الفيكونت إلى جوارها حوّل نظره الحاد إلى دانا.
“ذاك الأشقر الذي كان بجانبك يوم الحادث… زوجك؟”
“وإن كان؟”
“لا بد أنه خدعكِ بمظهره! لقد أوقعك محتالٌ بائس!”
مرّت بسمة ساخرة على وجه دانا.
“ليس من هذا النوع. كفاكم تلفيقًا.”
يا لهذه الفتاة الحمقاء!
أمسك الفيكونت رأسه بعصبية.
أما الفيكونتيسة فنظرت إليها بعينين غائرتين ممتلئتين باللعنات.
“تظنين أنكِ انتصرتِ الآن؟ بمجرد خروجنا من هنا، سأجعل منك—”
“الخروج؟”
تلفّظت دانا الكلمة ببرود لا يُحتمل.
تجمّد جسد الزوجين؛ لم يريا هذا الوجه من قبل.
“مصيركما معلق بي. ومستقبلكما كذلك.”
“…..”
“..…”
ابتلعا المرارة بصعوبة.
وحين خيّم الصمت، تابعت دانا.
“لماذا فعلتما ذلك بي؟”
سؤال يحوي أسئلة كثيرة. لم تفهم يومًا دوافعهما.
رمش الفيكونت ببطء قبل أن يجيب.
“نحن لا نستطيع العمل. هكذا وُلدنا. كنا فقط بحاجة إلى طفلٍ يقوم بذلك بدلًا منا.”
أضافت الفيكونتيسة.
“بالضبط! قد تكونين اعتدتِ على العمل منذ صغرك، أما نحن فلا نستطيع التكيف!”
تكيف…
لم تعد تشعر حتى بالغضب. ما زالا عاجزين عن إدراك خطئهما. ولن يدركاه أبدًا.
تجاهلت كلامهما، وانتقلت إلى المحور الذي جاءت لأجله.
“في اليوم الذي عثرتم فيه عليّ… ماذا حدث؟”
تهرّب الفيكونت بنظره.
كانت متأكدة أنه يخفي شيئًا.
توجه صوت دانا الواضح نحوه.
“ما الذي جعَلني أفقد ذاكرتي؟ وأين هي قلادتي التي كنت أضعها ذلك اليوم؟”
“تذكرين القلادة؟ لا تقولي إنكِ استعَدتِ ذاكرتك!”
تفوّه الفيكونت بالجملة متفاجئًا.
“ربما يتغيّر ما في نفسي، حسب إجابتك.”
حثّته دانا على الرد دون مواربة.
تردد الفيكونت، ثم فتح فمه أخيرًا.
“أ… أنا! لم أفعل شيئًا! مطاردو الديون لحقوا بي في صالة القمار، واضطررت لقيادة أول عربة رأيتها.”
“وماذا بعد؟”
“انطلقت بها نحو عمق الغابة، وإذا بصوت ارتطام… ثم جنّ الحصانان. وحين ترجّلت لأتفقد الأمر، وجدتها ملقاة على الأرض… تلك المرأة.”
توقفت أنفاس دانا عند لفظ المرأة.
“كنتِ ممددة إلى جوارها، فاقدة الوعي. أما هي فكانت قد فارقت الحياة منذ قليل…”
توقف الفيكونت وسط حديثه ولوّح بيديه بانفعال.
“لم أقتلها! كانت قد سقطت من أعلى الجرف قبل ذلك! سوء حظ لا أكثر أن عربتي صدمتها!”
“فسّر ذلك جيدًا.”
“كانت تضمك بقوة، كأنها تحاول حمايتك. وحولكما بقايا عربة محطمة. لا أعرف ما جرى، لكن يبدو أنكما كنتما معًا في عربة سقطت من الجرف.”
“…..”
“لقد أصبتِ إصابة شديدة في رأسك وكان الدم ينزف. وسمعتُ وقع أقدام… ربما مطاردين للديون أو أفرادًا من الحرس، ففزعت…”
الخوف الذي بلغ حنجرة الفيكونت دفعه إلى حافة الانهيار.
كان يراوده هاجس أن يقع في قبضتهم—فإن كانوا الدائنين فلا يدري ما قد يفعلونه به، وإن كانوا رجال الأمن… فربما يسألون الطفلة عمّا رأته.
وفي كل الأحوال، كان الصادم الأول لتلك المرأة هو هو.
وبين ارتباكه، لفت نظره العقد المتدلّي على صدر الطفلة التي بالكاد تتنفس. تعلّق ضوء القمر بسطحه فبدا نفيسًا بلا شك.
ابتلع ريقه.
وحين عقد نيّته، تلاشى أي تردد.
حمل الطفلة وفرّ بها خارج الغابة، لا يلتفت خلفه كي لا يلحق به أحد.
“كان على العقد تاريخ ميلادك واسمك. وبما أن الخادمات غادرن بسبب الرواتب، تبنّيناك بدلًا منهن…”
رمق الفيكونت وجه دانا، يبحث عن أي إشارة.
لكنها بقيت للحظات عاجزة عن إخراج صوت. ما إن استمعت لحكاية المرأة التي احتضنتها، حتى بدأ قلبها يوجعها بلا ضابط.
كأن مياهًا تغلي صُبّت في صدرها.
دفقة من شعور لا تُسمّى اندفعت إلى حنجرتها.
ثم تمتمت أخيرًا.
“السيدة التي كانت تضمّني… ماذا جرى لها؟”
“قلتُ لكِ، لا أعلم! كانت قد ماتت!”
“وهل بعتَ القلادة؟”
أومأ الفيكونت بخفوت.
لم تتفاجأ دانا. استعادت هدوءها، وواصلت.
“أخبرني عن القلادة. إن كانت تحمل اسمًا فلا بد أن يتحمل لقبًا أيضًا.”
“لا… لا أذكر. اكتفيت بقراءة الاسم والعمر، ثم بعتها مباشرة.”
لم ينوِ يومًا البحث عن أهلها.
“وأين وجدتني بالضبط؟ وكيف كانت هيئة من كانت معي؟”
عقد الفيكونت حاجبيه، يحاول استرجاع المشهد.
“كنتُ أقيم في قصر صديق لي… إذًا قرب مقاطعة آريا على الأغلب. أما المرأة، فلم أتبين ملامحها جيدًا بسبب الظلام. شعرها… ربما كان يميل إلى الحمرة.”
لم يكن منه فائدة، حتى النهاية.
عندها دفعت الفيكونتيسة وجهها بين القضبان وهي تصرخ.
“سمعتِ ما قال، صحيح؟ إذن أخرجينا من هنا! لا أستطيع البقاء! المكان حار نهارًا، بارد ليلًا، والسرير قاسٍ!”
“نعم! افعلي أي شيء!”
تأملت دانا الزوجين صامتة.
الملامح الخالية من أي انفعال جعلت القشعريرة تسري في العمود الفقري لكليهما.
فأجبرا نفسيهما على ابتسامة بائسة.
“أخطأنا… أخطأنا حقًا. إن أطلقتِ سراحنا، لن نطلب شيئًا آخر.”
“سجن القصر،”
تفوهت دانا بنبرة لا مرتفعة ولا منخفضة،
“هو الأفضل بين سجون الإمبراطورية. أما وجهتكما التالية فهي برج هاديرن.”
برج هاديرن…؟
حتى من يجهل الحياة سمع عنه.
برج الشياطين في جزيرة محاطة بالمياه من كل الجهات. موضع لا يُغادر إلا بالموت. أسوأ السجون قاطبة.
سقطت الفيكونتيسة مغمى عليها.
وهوى الفيكونت على ركبتيه مرتعدًا.
“من يستخدم السحر الأسود يُرسَل إلى هناك دون نقاش. الأمر ليس بيدي.”
نظرت دانا إلى ارتجافهما.
“ستتكيفان. الجميع يتكيف مع مرور الوقت.”
ثم أعادت إلى الفيكونتيسة عبارتها نفسها، بالحرف.
التعليقات لهذا الفصل " 54"