الفصل 52
ضحكت دانا بعد قولها ذلك مباشرة.
“أو ربما كان سبب ذلك صدمتي الكبرى حين قال إنه سيبيعني للفيكونت هامبرن.”
هل يمكن أن يكون ذلك؟ كان إدوين يعلم مدى خطورة السحر الأسود.
فمنذ أن وُلد أميرًا، تعلّم نظريات السحر، وعرف أن لا أحد، إلا السحرة الماهرين جدًا، يمكنه كسر سحر السيطرة.
ربما لا يزال السحر الأسود موجودًا، قابعًا في جسد دانا.
تحدث إليها بصوت هادئ ليطمئنها.
“إذا كان الساحر من القصر الإمبراطوري، فسيتمكن من إزالة السحر الأسود، وسيتحقق من أي آثار جانبية محتملة.”
رغم عدم ظهور أعراض، قد يكون السحر القوي لا يزال يزعج دانا.
أرشدهما الخادم إلى غرفة الاستراحة بالمحكمة.
نهض ساحر مسن، شعره أبيض، من مكانه.
“مرحبًا بكم. لقد سمعت قصتكِ. تعرضتِ في صغركِ لسحر تلقين من قِبل ساحر أسود.”
رغم مظهره الهادئ، بدا الغضب يلمع في عينيه بين الحين والآخر.
“نجوتِ حتى الآن بصحة جيدة، وهذا من حسن الحظ.”
لفحص السحر الأسود، احتاج الساحر إلى دم دانا.
وخز إصبعها بإبرة، وجمع قطرة الدم المتساقطة بعناية.
بعد ذلك، أمست القطرة المتسربة على الورقة التي أحضرها الساحر، تمر بعدة طقوس ولمسات يدوية.
“هذه ورقة تكشف آثار السحر. أداة سحرية ثمينة.”
اهتزت الورقة الصغيرة التي امتصّت دم دانا، وظهرت عليها حروف مشوّهة.
ارتفعت أبخرة قاتمة مع كتابة الحروف باللغة القديمة.
تلاشت الحروف تدريجيًا حتى اختفت تمامًا.
زمّ الساحر عينيه المتجعدتين أكثر.
“هناك آثار واضحة للسحر الأسود. مع ذلك، من قام بالسحر ضعيف، فلم يتمكّن من إتقان سحر التلقين.”
ثم سأل دانا.
“كنتِ تدركين أن ما تعرضت له كان ظلمًا، أليس كذلك؟ لو كان السحر كاملاً، لما تمكنت من التفكير بهذا الشكل، ولطُلب منكِ الطاعة المطلقة فقط.”
“هل هذا يعني أن السحر المتبقّي قد زال عني؟”
“لا، حتى السحر الضعيف قوي للغاية بالنسبة للبشر الضعفاء. من الصعب التخلص منه بمفردكِ.”
أمال الساحر رأسه بتعجب وعبس جبينه، وكأنه يحاول فهم شيء غير واضح.
“لكن السحر قد زال. تمامًا. وهذا غريب… حتى السحر الضعيف عادةً يبقى في الجسد. أما هذه الحالة…”
نظر إلى دانا بدهشة.
“لم يبقَ سوى أثر طفيف فقط. لم تختفِ كل قوة السحر. هل سبق لك الاتصال بساحر معترف به من القصر؟”
هزّت دانا رأسها.
“مستحيل… لم أتلقَّ أي علاج، ومع ذلك زال السحر تمامًا….”
فحص الورقة عدة مرات، وجمع بعض الدم المتبقي لمحاولة أخرى، لكن النتيجة نفسها.
تلألأت عينا الساحر بفضول، ومدّ يده نحو دانا، غير قادر على كبح نفسه.
“هذه هي المرة الأولى في مسيرتي المهنية التي تؤلغ 70 عامًا في هذا المجال، أرى حالة كهذه….”
لكن قبل أن يلمسها، دُفعت يده جانبًا.
ما الذي حدث؟ قبل أن يشعر بالارتباك، انتشر شعور بالبرودة في ظهر يده.
“إذن، صحتها سليمة تمامًا.”
عندما رفع رأسه، كان رجل أشقر يبتسم بابتسامة مشرقة.
كان جسده الضخم يحجب الشخص المهم الذي كان موضوع دراسته الثمينة.
“نعم… نعم… لن يكون هناك أي مشكلة مستقبلًا.”
“إذن لنذهب.”
أخذ إدوين دانا بين ذراعيه، كما لو أنه لا يسمح لأي شخص بالنظر إليها.
“إدوين، انتظر… يجب أن أشكره…”
كانت تلك كلمات دانا الخافتة قبل أن يغلق باب غرفة الاستراحة.
بقعة صمت خالية بقيت داخل الغرفة.
“من هما هذان الشخصان بالضبط؟”
سأل الساحر الخادم.
فقد حضر بشكل مفاجئ بأمر الإمبراطورة، لكنه لم يسمع أي تفسير واضح بعد.
“لا يمكنني الإفصاح عن ذلك.”
أجاب الخادم بحزم.
همس الساحر بصوت منخفض، موجهًا كلامه إليه وحده.
“أخبرني أنا فقط.”
كان الساحر فضوليًا بطبعه، وإذا لم يتمكن من معرفة ما يثير اهتمامه، قد يسهر الليالي عدة.
“لقد تعبت كثيرًا. حسنًا، أكتفي بهذا.”
استدار الخادم ببرود، وارتسم اليأس على وجه الساحر، وكأن نوم الليلة سيكون بعيد المنال.
***
معظم النبلاء، بغض النظر عن ممتلكاتهم، كانوا يمتلكون مساكن في العاصمة.
وكلما ارتفعت مكانتهم أو كبرت ثروتهم، اقتربوا من القصر الإمبراطوري. من بين هؤلاء كان بيت الدوق تشايلد.
كانت عائلة الدوق تشايلد من نسل الساحر الأسطوري تاران تشايلد، وتولى أفرادها عبر الأجيال مناصب محورية في إدارة السحر.
أما الابن الثاني للدوق الحالي، ديريك تشايلد، فكان يمتلك قدرات سحرية نادرة، مما أهله لتولي منصب أصغر وزير للسحر في التاريخ، وأدى دوره ببراعة.
هَف – هَفّ –
نفخ ديريك بهدوء على فمه، ثم بدأ بكنس الغبار عن الدمى الصغيرة باستخدام فرشاة صغيرة.
“الآن أصبحت تبدو أفضل قليلًا.”
ابتسم وهو ينظر إلى الدمى التي صارت نظيفة.
على الرفوف، كانت هناك العديد من الدمى الخزفية، كل واحدة مختلفة في لون شعرها وعيونها.
أمسك ديريك بالدمى بعناية ورتبها بدقة.
حينها، طرق كبير الخدم باب الغرفة.
“سيدي، هناك ضيف قد وصل.”
هاه! تفاجأ ديريك بالطرق المفاجئ وعبس قليلًا.
“كنت سأكسرها لو لم تُنبه! ألم أقل ألا تُزعجني عندما أكون في ههذ الغرفة!”
تنهد كبير الخدم، كان يبدو كطفل قطع وقت لعبه.
“أعتذر، لكن الضيف مهم جدًا…”
عرف ديريك أهمية الموقف، فهدأ وسمح له بالاستمرار.
“من هو الضيف؟”
“إنه صاحب السمو الأمير الثالث.”
إدوين؟ ما الذي جاء به هذا الرجل المجنون؟
تلألأت عينا ديريك بخبث، إذ بدا له حدثًا مثيرًا وغير متوقع.
“أين هو الآن، صاحب السمو الأمير الثالث؟”
“قد أُرشد إلى غرفة الاستقبال أولًا.”
“حسنًا، دعنا نذهب فورًا.”
كان الوقت متأخرًا جدًا لزيارة القصر، يبدو أن الأمر عاجل.
ديريك، بطبيعته الفضولية، لم يستطع مقاومة الفضول الذي حثه على التوجه مباشرة الى إدوين.
عند فتح باب غرفة الاستقبال، رأى إدوين جالسًا على المقعد المميز، واثقًا ومتغطرسًا كما لو أن المكان منزله الخاص.
ابتسم إدوين ابتسامة مشرقة متغطرسة، مما أزال ابتسامة ديريك.
حاول ديريك تجنب نظره بلا وعي، وكان ذلك يزعجه، حتى شعور الدونية الذي رافقه.
صنع ديريك وجهًا مرحًا كعادة، لكن هيبة إدوين بقيت تطغى عليه.
نظر إدوين بلا مبالاة حوله بحثًا عن زوجي الدوق تشايلد، وقال.
“يجب أن أحيي الدوق والدوقة تشايلد. أين هما؟”
“نشكرك على اهتمامك بوالديّ، لكنهما نزلا إلى القصر في إقليمهما منذ عامين.”
أبدى ديريك استياءه بخفوت.
“كم أنت غير مهتم.”
“آسف.”
اعتذر إدوين، لكن مظهره لم يبدِ ذرة ندم.
“ماذا عن سيدريك؟”
“حالة أخي متدهورة، لذا يستمر في العلاج.”
“لماذا ساءت صحته؟ كان نشيطًا في صغره.”
“أشعر بالأسف عليه أنا أيضًا.”
كان سيدريك الابن الأكبر لعائلة الدوق تشايلد، ضعيفًا جدًا لدرجة أنه لم يستطع متابعة تدريب الخلافة، بل بالكاد يظهر.
لم يعد ديريك يحتمل فضوله وسأل.
“ما الأمر الذي جلبك إليّ؟”
جلس إدوين وقد لف ساقه، مائلًا رأسه نحو ديريك.
“أريد الاطلاع على أحجار الطاقة السحرية.”
“أليس هناك الكثير في القصر؟”
“إنها باهضة الثمن وجميلة.”
“هل هذا تباهٍ منك؟”
تذكر إدوين ما حدث في المحكمة اليوم.
لم يُظهر زوجا الفيكونت أي ندم، وكانا يترقبان فرصة للهجوم على دانا.
قد تواجه دانا خطرًا مستقبليًا، ورغم أنه سيبذل قصارى جهده، يبقى احتمال “لو حدث ذلك” قائمًا…
“أحتاج حجر طاقة لإطلاق السحر. العثور عليه هو تخصص عائلة الدوق تشايلد.”
“إذا كان للسحر التفعيليّ، يبدو أنك تنوي منحه لشخص بلا قوة سحرية، ليتمكن من استخدامه بالسحر وحده.”
ومن الواضح من سيكون المتلقي.
لماذا يحرص الأمير الثالث إلى هذه الدرجة مع زوجته؟
‘إذا كان توقعي صحيحًا…’
تلألأت عينا ديريك بمرح واهتمام.
التعليقات لهذا الفصل " 52"