كان إدوين يهدّئ دانا، فيما يكتم الغليان المتصاعد داخله.
كان غضبٌ لا يمكن كبحه ينفجر في أعماقه.
لقد رأى في ساحات الحرب بعض السحرة السود. ورأى من فقدوا أجسادهم أو عقولهم بسببهم.
فمجرّد أن يتخيّل أن دانا ربما كانت ستُدمَّر بالطريقة نفسها جعله يقشعرّ.
ربما لم يكن ليراها أبداً.
كان يرغب الآن في إحراق ذاكما الاثنين فوراً. أن يُطبِق عليهما بلهيبٍ جارف ويُنهيهما ببطء وألم.
استعاد بصعوبة رباطة جأشه.
معاقبتهما حقّ دانا وحدها.
لم يكن ليسمح لنفسه بالتدخّل في إنتقامها.
بدلاً من ذلك، آثر أن يؤدي واجبه كزوج على أكمل وجه.
أنا هنا. لن أدع شيئاً يمسّكِ ما دمتُ بقربك.
بدأ يرى أن دانا تستعيد هدوءها شيئاً فشيئاً.
‘إدوين، هو عائلتي لما تبقى من عمري.’
صحيح، لقد قرّرت ألّا تتعذّب بسببهما بعد الآن.
أخذ تنفّس دانا يتباطأ ويستقيم.
“أنا بخير الآن، إدوين.”
ابتعدت من بين ذراعيه، رافعةً رأسها نحوه.
في ابتسامة دانا المتماسكة أومأ إدوين برأسه.
ولمّا تأكّد القاضي من استقرارها، نطق بالحكم.
“أصدر الحكم على بيرس هارتوين وكاثرين هارتوين. الاختطاف، التعنيف، استغلال قاصر، قروض غير قانونية، واستخدام السحر الأسود… جرائم ثقيلة لا يُستهان بها. لذلك تُسحب من بيرس هارتوين رتبة الفيكونت. ويُحكَم على الاثنين بخمسين عاماً في السجن لكلٍّ منهما.”
انطلقت صرخة يائسة من زوجة الفيكونت.
بدأت تلتمس القاضي باكية.
“السحر الأسود كان هراءً فقط! كيف يمكن أن نفعل شيئاً كهذا لطفلة؟”
لكن إدوين ألقى عليها نظرة كحدّ السيف.
“يمكن التحقّق من الأمر. سحرة القصر الإمبراطوري قادرون على كشف الحقيقة.”
خرست المرأة. لم يبقَ لها مهرب، ولا عذر إضافي.
سأل القاضي المُدانين إن كانا حقاً يريدان التحقق. فلم ينطقا بكلمة.
“إذن نُنهي الجلسة. محاكمة جيمي هارتوين تُؤجَّل إلى الجلسة التالية.”
خرج القاضي وكثيرون غيره من القاعة.
وبينما كان الجميع يغادر بتعب ظاهر، بقيت امرأة في مكانها.
امرأة تعتمر قبعة بسيطة الزينة، تُخفي بها نصف ملامحها، كانت تحدّق بهدوء نحو إدوين.
راقبت عينيه الحمراوين المفعمتين بالمودة، ثم نقلت نظرتها إلى دانا.
بعدها وقفت وغادرت القاعة.
كانت مشيتها الهادئة الوقورة تدفع الناس إلى الالتفات إليها دون إرادة.
وحين خلا المكان من الجميع، لم يبقَ سوى دانا وإدوين وكارل.
كارل أيضاً وقف وهو يجمع الوثائق بترتيب.
ولم يكن ذلك غريباً عليه… فقد كانت هذه نتيجة طبيعية لمحامٍ بهذه الكفاءة.
في تلك اللحظة، تقدّمت دانا ومدّت يدها نحوه.
“شكراً لك. لقد انتهى كلّ شيء على خير بفضلك. لو لم تكن أنت، لما كان الأمر سهلاً بهذا الشكل.”
تردّد كارل لحظة، ثم مدّ يده ليصافحها.
شعر بصدقها يتدفّق من يدها. كانت مصافحة قائمة على الامتنان والثقة.
ولمّا كان كارل معتاداً على الجدية البحتة، أحسّ بشعور غريب يلامسه.
لذا قرر أن ينقل لها صراحةً ما يريد، لا مجاملات المهنة.
“أتمنى… أن تنعمي بالسعادة يا سيدة دانا.”
كان يدرك أن طريقها المقبل لن يكون سهلًا.
والسبب الرجل الذي يقف الآن إلى جانبها.
لم يفصح عن حقيقة كونه الأمير الثالث. لكه اكتفى بأن يخبرها حقيقة أخرى.
“زوجك… يقدّركِ تقديراً بالغاً.”
أهكذا؟ ردّت دانا بابتسامة مشرقة، كأنها مرّت على كلامه بخفة.
“إذن، سأغادر الآن.”
أكمل كارل جملته، ثم اختفى سريعاً.
“كنتُ أودّ لو نتناول الطعام معاً….”
نظر إدوين إلى دانا التي بدت متحسّرة، وابتسم بهدوء.
“سأذهب لشكره لاحقاً. هو رجل مشغول دائماً.”
“ومع ذلك… أشعر أن عليّ أن أفعل شيئاً من أجله….”
جذبها إدوين نحوه، وضمّها إليه.
“كان يوماً مرهقاً، أليس كذلك؟ لا بد أنك متعبة.”
اختارت دانا ألا تقول إنها بخير، واكتفت بالاستناد إليه.
فقد قررت أن تكون صادقة معه في كل شيء.
“صحيح… كان يوماً صعباً. أظنني توتّرت دون أن أدرك.”
“لنتعشَّ خارجاً اليوم. ستتناولين شيئاً لذيذاً، وتنامين جيداً… وستستعيدين نشاطك.”
“عندما أستعيد طاقتي… أريد أن ألتقيهما مجدداً. قد يعرفان شيئاً عن والديّ الحقيقيين.”
“افعلي ما ترينه مناسباً. سيبقى زوجا الفيكونت في سجن القصر الإمبراطوري لبعض الوقت.”
تبادلت دانا وإدوين ابتسامة وهما يغادران قاعة المحكمة.
التعليقات لهذا الفصل " 51"