الفصل 50
“لِتلتزموا الهدوء!”
تقطّبت ملامح القاضي.
“إن عرقلتما الجلسة مرة أخرى فستُطردان فوراً!”
تمتمت الفيكونتيسة بالشتائم وهي تعيد الجلوس باعتدال.
أما الفيكونت فكان قابضاً على صدره، محدّقاً في إدوين بنظرات متشنّجة.
من هذا الوغد؟ وكيف يلتصق بتلك البغي دانا على هذا النحو!
رفعت الفيكونتيسة ذقنها باتجاه إدوين، متذمّرة.
“يبدو أنها جلبت زوجها الذي قيل إنها تزوّجته. ومن شكله… أحمق متعجرف!”
إلا أنها في حقيقتها كانت مذهولة قليلاً.
كانت تظن أنّ زوج دانا لا بدّ أن يكون رجلاً تافهاً.
لكن الرجل أمامها لم يكن فقط لائقاً… بل رائعاً، حدّ الإزعاج.
“أهنئكِ، بلا أهل وبلا خجل! زفاف قليل الحياء!”
أطلقت كلماتها الحاقدة نحو دانا بلا سبب.
حدّق كارل بهما بنظرة ازدراء.
مصيرهما بات بيد دانا، ومع ذلك يفقدان صوابهما كالحمقى. الطبع الرديء إذا اجتمع مع قِصر النظر يصنع أسوأ البشر.
أما دانا فكانت تتصفّح الوثائق التي أعدّتها بثبات، كما لو اعتادت مثل هذه المواقف.
وبدأت المحاكمة.
كان استعداد كارل ودانا محكماً.
كان كارل يذكر التهم بنداً بنداً، فيرتبك الزوجان ويصرخان نافيين كل شيء.
لكن شهادة دانا والأدلة التي جمعتها كانت قاطعة لا تُدحض.
“هذا عقد مختوم بختم آل هارتوين. مكتوب فيه أنه سيتم سداد المال مقابل تسليم الأخت الصغرى.”
رفع القاضي الوثيقة أمام الزوجين، وعيناه تلمعان صرامة.
ارتجفت شفتا الفيكونت قبل أن ينفجر صائحاً.
“مكتوب الأخت الصغرى! لا بدّ أن ذاك الصعلوك ابني فعلها من وراء ظهري!”
“أليس ختم آل هارتوين بيد ربّ البيت؟”
“سرقه ذلك الدنيء! الوغد، الوغد!”
لوّح الفيكونت بيده نافياً، مؤكداً أنه لا يعلم شيئاً.
“وأنا أيضاً! كيف لي أن أبيع ابنتي؟ كيف؟”
حتى الفيكونتيسة باعت ابنها بعد ذلك.
ألقى القاضي نظرة شكّ باردة عليهما، ثم توجّه إلى الفارس الواقف قربه.
“أين جيمي هارتوين؟”
“ذاك الأمر…”
تقدم أحد الفرسان بخطوة خجولة.
“جيمي هارتوين… هرب.”
“فرّ؟”
“نعم…”
تجنّب الفرسان نظرات القاضي، مدركين حجم تقصيرهم.
قفز الزوجان من مقاعدهما.
“ذلك العاق، يفرّ من والديه!”
“أتُراك تتركني؟! بعد كل ما فعلته لأجلك…!”
إذن لهذا لم يظهر جيمي.
لم يبدُ الأمر غريباً على دانا.
فجيمي أسوأ إنسان عرفته في حياتها.
“سيقبضون عليه قريباً.”
طمأنها إدوين.
نظر القاضي إلى جهة دانا وسأل.
“يُقال إن كل ما جرى كان من فعل جيمي هارتوين. هل لديكم دليل ينقض هذا القول؟”
“بالتأكيد.”
نهض كارل بثبات كما لو كان يتوقع السؤال. ثم فعّل كرة التسجيل التي أعدّتها دانا مسبقاً.
انبثق ضوء من الكرة، اتسع شيئاً فشيئاً ليعرض غرفة الطعام في منزل هارتوين.
ومع ظهورهم في الصورة، شحب وجه الزوجين.
متى سُجّل هذا…؟
بل ماذا جرى تسجيله أصلاً؟!
ازدادت الصورة وضوحاً، وارتفع الصوت المسجّل جلياً، يملأ القاعة.
[لا تتدخّلي فيما لا يعنيكِ. أنتِ فقط سدّدي ديننا كالمعتاد، ثم تزوّجي وكفى.]
كان جيمي يصرّح بوقاحة بأنه سيقدّم دانا كضمان.
[الوالدان قد يستعيران المال باسم ابنتهما! لماذا كل هذه الضجة؟]
[يبدو أني دللتكِ مؤخراً، فبدأتِ ترفعين رأسك!]
كانت الفيكونتيسة مستعدة لإيذاء دانا من دون تردد.
[توقّف. إن أُصيبت البضاعة بخدش فلن تُباع بثمنها. ماذا لو رفض الفيكونت هامبرن أخذها؟]
حتى الفيكونت هارتوين كان يصرخ بلا خجل، رغم معرفته بكل ما ورد في العقد.
لم يكن بين أفراد آل هارتوين من يجهل الاتفاق مع الفيكونت هامبرن.
كان التسجيل أشبه باعتراف كامل.
تلعثم الفيكونت محاولاً قول شيء، ثم استسلم وأطلق شتيمة عالية.
أما الفيكونتيسة فكانت تعضّ أظافرها المصقولة بعصبية.
لا، لا بأس… لم يُسلَّم الفيكونت دانا فعلياً، فلن يُعاقَبا على شيء تافه كهذا…
حاولا تهدئة فزعٍ آخذٍ بالتصاعد.
كان القاضي يتأهب لإنهاء الموقف، حين قال كارل.
“سيدي القاضي، أرجو متابعة التسجيل.”
“أهناك المزيد؟”
استمرّت الصورة في البث.
[كان يجب أن نتركها في الشارع! لماذا التقطنا طفلة لا نعرف أصلها وربّيناها…]
[لا تقولي مثل هذا الكلام! من حسن الحظ أنها فقدت ذاكرتها….]
شهق الزوجان في آن واحد.
انطبقت أفواههما فجأة بعد أن كانت لا تهدأ لحظة.
ماذا نفعل؟ ماذا نفعل الآن…؟
كانا قد نسيا أن دانا علمت بالفعل أنهم ليسو عائلتها. وها هو الذعر يبتلعهما بالكامل.
لاحظ القاضي خطورة ما يقال، فانعقد حاجباه.
“يبدو أننا بحاجة إلى تفسير. هل خطفتم الطفلة؟”
ارتجف جسد الفيكونت كله وهو يحاول أن يخرج صوتاً.
“لـ… لا، لم نقم بذلك… لقد كانت طفلة متروكة، ونحن فقط… ربّيناها…”
“وهل حاولتما البحث عن والديها؟”
لم ينبسا بكلمة، فالتفت القاضي إلى دانا طالباً توضيحاً.
نهضت دانا بهدوء وقالت.
“لسبب ما، لا أملك أي ذكرى قبل بلوغي السادسة. ومنذ البداية، شرحا لي أنني ابنتهما.”
وأكملت.
“كنتُ أقوم بكل أعمال المنزل، وإن قصّرتُ قليلاً كنتُ أُضرب.”
“عدم التبليغ بعد العثور على طفلة، يُعدّ خطفاً. وهذه جريمة كبرى.”
بمجرد إضافة تهمة جديدة، بدا الزوجان وكأن أرواحهما تغادر أجسادهما.
خاويي العقل، عاجزين عن التفكير.
واصل القاضي حديثه.
“منذ طفولتها وحتى بلوغها، هناك استغلال مستمر. يبدو أيضاً أن العنف كان متكرراً.”
هزّ القاضيان الجانبيان رأسيهما موافقين.
“في هذه الحالة، كان لا بدّ أن تغادر العائلة… من الواضح أن التعنيف الطويل شوّه إدراكها. يجب زيادة العقوبة…”
عند ذكر زيادة العقوبة، صاحت الفيكونتيسة بلا وعي.
“لم نضربها كثيراً! عدم هروبها كان بسبب سحر التلقين… آه!”
تجمّد كل شيء عند سماع كلمة سحر التلقين.
فالامبراطورية تحظر السحر الأسود منعاً باتاً، لما له من قدرة على السيطرة على العقل.
وكان سحر التلقين من أخطر أنواعه، شاع استخدامه بين من يرغبون بترويض الوحوش.
“هل تقولين إنكما استخدمتما السحر الأسود؟”
سؤال القاضي جاء مشحوناً بعدم التصديق.
استخدام سحر التلقين على البشر… بل على طفلة صغيرة… كان أمراً قد يقتلها.
شعرت الفيكونتيسة بثقل الكارثة.
الذعر دفعها إلى اعتراف لم يكن يجب أن يُقال.
رمقها الفيكونت بنظرة وحشية.
أما دانا فتلقت الصدمة الكبرى.
‘عليّ… استخدما السحر الأسود؟’
سحر تلقين…؟
كان هذا تفسيراً لعجزها عن الهرب منهم رغم إدراكها لبؤسها.
لم يكن من ظنّتهم “والديها” سوى أناس أشدّ سواداً مما تخيّلت.
ضحّيا بطفلة كي يحصلا على خادمة مطيعة مدى الحياة.
“دانا.”
جذبها إدوين إلى حضنه. غمرها دفؤه ورائحته المألوفة.
عندها فقط أدركت أنها ترتجف غضباً.
مسح إدوين خدّها، ناظراً في عينيها.
“انظري إليّ. كل شيء بخير.”
رمشت دانا ببطء.
اختفت الجلبة، وتلاشى الجميع.
لم يبقَ في الوجود إلا إدوين… والسكينة التي منحها إياها.
❖───────────❖
الفصول المتقدمة على واتباد والتلغرام وشكرا~
التعليقات لهذا الفصل " 50"