الفصل 49
في تلك اللحظة، اجتاح اضطرابٌ عارم قصرَ عائلة هارتوين.
المحكمة، التي توقعت احتمال فرار أفراد العائلة، أرسلت رجالها مسبقاً.
وما إن تسلل الفرسان إلى أنحاء القصر وسيطروا عليه في لحظة، حتى بدأ الخوف يزحف إلى وجوه الفيكونت وزوجته.
ارتعشت أبدانهما، لكن صوتهما ظل حاداً متوتراً.
“ابتعد! من يجرؤ على مدّ يده؟!”
“لماذا تُعامِلوننا كالمجرمين؟!”
فرسان المحكمة أحاطوا بهما، مانعين أي فرصة للهروب.
“أين جيمي هارتوين؟”
تفقد أحد المشرفين المكان بملامح حادة. وفي تلك الأثناء، ناداه مساعدٌ شاب من الطابق العلوي.
“هنا غرفة مقفلة بإحكام! ماذا نفعل؟”
“اكسروا القفل. قد يكون مختبئاً خلفه.”
كانت الغرفة المشار إليها هي مكتبة جيمي الخاصة.
ومنذ أن سرقت دانا مفتاحها، وضع جيمي قفلاً أضخم، لا يثق بوالديه ولا بمن يعيش معه.
ومع محاولة الفيكونتيسة التي حاولت مهاجمة المشرفين بعصبية، سمعَت صوتاً صارماً.
“الاعتداء على موظف رسمي يضيف عقوبة إلى لائحة جرائمكِ.”
عقوبة؟
شحبت وجنتاها كأن الدم قد سُحب منهما. أرادت الفرار.
حدّقت في الفارس الواقف يسدّ الباب، لكن بلا جدوى؛ فالفرسان يطوقونها من الجانبين.
تبدلت ملامحها سريعاً، واتخذت نبرة متصنعة لينة.
“ك— قريباً سيصل ابني… حين يأتي سيحلّ كل شيء، صدقوني!”
لكن ذلك كان مستحيلاً.
ذكرت اسمه فقط لتكسب بضع لحظات.
“عودوا فحسب… سيصل مبلغ كبير قريباً، ستتأكدون!”
لم يتحرك المشرف خطوة واحدة. وبعد التحقق من غياب جيمي، أومأ لرجاله.
“سنقتاد هذين أولاً.”
“آآآااه!”
“أمهلونا أياماً فقط!”
عجز الفيكونت وزوجته عن المقاومة أمام قوة الفرسان، مهما صرخا أو تقاذفا.
ومع تعالي الضجيج، تجمّع الجيران حول المكان.
مشهد الفيكونت وزوجته يُسحبان على الأرض، متشبثين بأصابع اقدامهما، حتى اللحظة الأخيرة، أشعل همهماتٍ مرتفعة.
الوجه القبيح للنبلاء كان دائماً مادة مُغرية للمشاهدة.
“يبدو أن عائلة هارتوين وقعت في مصيبة.”
“أولئك الذين عاشوا أعواماً على نفقة ابنتهم؟”
طعنت الكلماتُ سمعة العائلة بحدة.
لم يحتمل الفيكونت الهوان، فصرخ نحو المتفرجين.
“ماذا تنظرون؟! هل جئتم تتفرجون؟!”
ومع صراخه، ازداد الجمع ازدحاماً.
وكان بينهم… جيمي.
بعد شجاره مع والديه، ظل يتنقل بين الحانات كل يوم.
ولم يبقَ له أحد يقترض منه، ولا مكان يستجدي فيه.
ومنذ الليلة الماضية وهو يغرق في الشراب، يلعن دانا، حتى طُرد لأنه لم يعد يملك ثمن كأس.
ترنح بصره.
الأرض تحركت تحت قدميه كأنها ستسقط فوقه. وحين وصل بصعوبة إلى القصر، اصطدم بمشهد مروّع.
والداه يُسحبان بالقوة أمام أعين الجميع.
أحسّ بجسده يبرد حتى العظم.
العرق البارد انساب على ظهره.
واجتمع طعم الكحول والتوتر في حلقه، صاعداً به إلى الغثيان.
“أووف…”
رمقته أعين ساخطة.
“إذا كنت سكراناً فاذهب وانم في الداخل!”
وفجأة، أشار شخص نحوه.
“أليس ذاك ابن عائلة هارتوين؟”
ساد الصمت.
الجميع ينتظر منه أن يرفع رأسه.
كان منحنياً، وعيناه تتحركان بعصبية.
اقتربت منه يد غريبة، تزامن معها صوت واطئ.
“أيها الشاب…”
قفز قلبه بعنف. سيطر عليه الرعب، وطارت منه كل قدرة على التفكير.
اهرب، اهرب، اهرب.
أمرٌ صاخب ضرب جمجمته بضراوة.
صفع اليد الممتدة نحوه بقوة. دوّى الصوت، ثم رفع رأسه قليلاً.
“نعم… أليس هو ابن الفيكونت…؟”
لم يُكمل الرجل جملته.
كان جيمي قد انطلق بجنون.
تعثر مراراً، وقع أرضاً، لكنّه لم يتوقف.
كان يركض فقط… إلى أي مكان لا يوجد فيه أحد.
انشق جلده على راحتيه حين اصطدمت بالأرض الخشنة، لكنه لم يشعر بشيء.
ملتصقاً بنَفَسه، لم يلتفت وراءه لحظة واحدة، خائفاً أن يكتشف أحدهم يتعقبه.
***
كان كارل قد وصل إلى المحكمة أولاً، وجلس في مقعد الدفاع.
وما إن رأى إدوين ودانا يدخلان حتى نهض لاستقبالهما.
جلست دانا على الكرسي الذي سحبه لها، وعلى وجهها ظلّ خفيف من التوتر.
جلس إدوين إلى جانبها، ضامّاً يدها بقوة.
توجّه كارل إليهما قائلاً.
“ستُعقد هذه الجلسة بصورة غير علنية. لا يُسمح لأحد بالحضور سوى المكلّفين بالأمر.”
أي إن لا حاجة للخشية من انتشار الشائعات. التقط إدوين المعنى، وأومأ إيماءة صغيرة.
كانت دانا الوحيدة التي بدا عليها الاستغراب.
“هل… هذا مسموح؟”
“…… في بعض الحالات، نعم. خصوصاً عندما تُحدّد الجلسة على عجل.”
طمأنها كارل بكلمات تبدو مقنعة، رغم شعوره بتأنيب الضمير على الكذب.
“حسنًا إذن. رغبتُ أن يجري الأمر بهدوء.”
ابتسمت دانا ابتسامة مرتاحة.
وفي تلك اللحظة، دوّى خارج القاعة صخب شديد.
“دانا! يجب أن نرى تلك العاقّ!”
“جاحدة المعروف!”
كان الصوت مألوفاً. صوتاً تسمعه اليوم للمرة الأخيرة.
وصلوا إذن.
نهضت دانا بثبات، وكأنها كانت مستعدة مسبقاً.
كما توقعت، انفرج الباب الخشبي المزدوج ودخل زوجا الفيكونت.
أجبرهما الفرسان على الجلوس.
كان واضحاً من النظرة الأولى كم أنهكهما الخوف.
“المثول اليوم أمام المحكمة… آه!”
وقبل أن ينهي الفارس تقريره للقاضي، وقع نظر الفيكونت وزوجته على دانا.
انقلبت أعينهما واندفعا نحوها بجنون، لكن قوة الفرسان كانت كفيلة بردّهما.
قبض أحد الفرسان على مؤخرة عنق الفيكونت، ثم غرز مقبض سيفه في بطنه.
“كـ…!”
تهاوى الفيكونت على الأرض ممسكاً بطنه، ثم رُفع جسده المترهّل وأعيد إلى مقعده.
وفي الخلف، رفعت زوجته يدها مهدّدة، تتفجّر منها شتائم حادّة.
أسرع الفرسان إلى كبحها.
في تلك اللحظة القصيرة، انهمرت في رأس دانا صور متلاحقة.
جسدها الصغير يتلقى الضرب في صمت،
طفلة لا تملك حتى جرأة البكاء بصوت،
وتذكّرت كلمات إدوين في الصباح…
‘كان عليكِ كسر أيديهم.’
لم تكسر دانا معصماً، لكنها اكتفت بإرسال ابتسامة ساخرة نحو الفيكونتيسة.
“تفضّلي. جرّبي فقط. وأنا… لن أبقى صامتة بعد الآن.”
صرخت الفيكونتيسة في جنون قُطع أنفاسه بالغضب.
لم يخطر ببالها يوماً أن دانا قد تُظهر أي مقاومة.
كانت بالنسبة لها تلك الفتاة الساذجة التي تبكي بصمت وتتحمّل الألم.
“تعالي هنا حالاً يا وقحة!”
لكن دانا لم ترتجف. ظلت تحدّق بهما بثبات لا ينكسر.
“لم أعد تلك الفتاة… لم أعد دانا هارتوين التي كنتم تدوسون عليها.”
وجّهت صوتها الصافي إليهما مباشرة.
“لستُ تلك التي أهنتماها وأذللتماها.”
حدّقت دانا فيهما بحدّة تقطع الهواء.
“أنتِ… أنتِ…!”
تلعثمت الفيكونتيسة، وكأنها تصطدم لأول مرة بحقيقة أن الضحية التي لطالما عاقبتها قد ترفع رأسها يوماً.
أناس تافهون… لا يجيدون سوى الدوس على الضعيف.
تنفّست دانا طويلاً.
شيء ثقيل كان ينحلّ في صدرها ببطء.
نبّه القاضي الفيكونتيسة، فصمتت، وإن ظلّت نظراتها الحاقدة تلتهم دانا.
لكن دانا لم تُشِح بوجهها.
لم يعد هناك خوف.
واجهت ماضيها مباشرة، دون أن تهتزّ.
التعليقات لهذا الفصل " 49"