خلال وصولهما إلى هذا المكان، أعطى إدوين عدة تعليمات.
1. عدم مناداته بالأمير.
2. التعامل مع المرأة التي سيتكفل بها كارل باعتبارها زوجة الأمير، وفق الأدب والإحترام الذي تستحقه.
3. عدم الإفصاح عن هذه المسألة لأي طرف خارجي.
إذن، على الأمير الثالث عدم الكشف عن نسبه الملكي، ومع ذلك يجب معاملة زوجته بما يليق بها… لم يستطع كارل فهم الفكرة بالكامل.
قبل أن يفتح باب القصر، مرت لمحة قلق على وجه إدوين، الذي لم يزل يبتسم منذ البداية. لم يغفل نظر كارل الحاد عن هذا.
تحدث إدوين بهمس.
“أتمنى ألا تتأذى زوجتي كثيراً.”
“……”
كانت كلمات غير متوقعة. عُمق نظره يكشف صدق مشاعره تجاه زوجته، خوفاً من أن تتعرض للأذى أو أن تطالها النظرات الساخطة إن انتشرت الأخبار.
أومأ كارل برأسه.
“سأبذل قصارى جهدي.”
ارتسم الرضا على وجه إدوين، وفتح الباب. في اللحظة نفسها، خفتت الهيبة المهيبة التي تحيط بإدوين، وبدا أكثر لطفًا.
لاحظ كارل، الذي اعتاد على البلاط الملكي، ذلك فوراً.
“سينباي.”
رنّ صوته دافئاً، تسارعت خطواته كأنه لا يطيق الإنتظار لرؤيتها.
خرجت امرأة رقيقة من بعيد، وابتسمت بخدود وردية.
“إدوين، أتيت؟”
تبادلت النظرات لثوانٍ مع الأمير الثالث، ثم لاحظت كارل. استقبلته بترحاب.
“سمعت أنك قريب من إدوين.”
أخفى كارل استغرابه بخفة.
“نعم، أنا كذلك.”
“يمكنك مناداتي باسمي مباشرة.”
“لا، لا يمكن!”
كيف يجرؤ على مناداة زوجة الأمير باسمها!
تبادل كارل نظرات سريعة مع إدوين، الذي أومأ برأسه ضامناً الإذن لمرة واحدة.
“حسناً… سيّدة دانا…”
ابتسمت دانا بابتسامة رقيقة.
“شكرًا لك على حضورك رغم مشاغلك… أرجو تعاونك.”
نظر كارل إليها قليلاً، شعور بالدفء والبساطة منبعث منها، لكن بعض آثار الألم الخفية شعرت بها روحه، ربما لأنها قريبة في السن من ابنته، ما جعل ابتسامة كارل تحمل جانباً أبويّاً لا شعوريًا.
قالت دانا.
“هل نبدأ الحديث معاً؟”
انتقل الجميع إلى المكان الذي أعده إدوين، وكان إدوين بجوار دانا يصب لها الشاي ويجهز الحلويات، بينما حاول كارل التغاضي عن المشهد الذي لم يعتد عليه.
بدأت دانا بسرد هادئ لما حدث.
“…هل هذه هي الأدلة؟”
نظر كارل إلى الأوراق المرتبة على الطاولة، مستاءً من تصرفات الفاعلين.
“لقد استغلوا الأمر كثيراً.”
راحت أفكاره القانونية تدور ببرودة، وبدأ بسرد التوقعات القادمة باستخدام المصطلحات المهنية، فيما شاركت دانا بنشاط في الحوار.
“لقد أوقفت معاملات البنك. لن يتمكنوا من استخدام اسمي مجدداً.”
أومأ كارل، معجباً بحكمتها.
“لقد تحررتُ من العائلة بالزواج، وأمنتُ القصر كضمان لقروضهم.”
لكن دانا لم تكتف بذلك، وأظهرت سجلات الفيديو وعقد جيمي مع الفيكونت هامبرن.
“هذه أدلة على تعاملات عائلتي والفيكونت هامبرن بشكل غير قانوني. اتفقوا على تسليمي مقابل المال.”
“تسليم الأشخاص مقابل المال محظور تمامًا بموجب قوانين الإمبراطورية.”
كانت أدلة دانا مكتملة؛ فقد ختم العقد بتوقيع كل من عائلة هارتوين والفيكونت هامبرن.
“يجب التعامل مع الأمر بهدوء ويقين.”
رفع كارل نظارته على أنفه، فقد كان رجلاً لا يضاهيه برود في أداء واجباته.
“من الآن فصاعدًا، ليست هناك حاجة لأن تلتقي السيدة دانا بعائلتها. سأقوم أنا، بصفتي محاميها، بمقابلتهم نيابة عنها.”
كانت عيناه تعكس القلق من أن تتعرض دانا لأي أذى من قبل أفراد أسرتها.
ابتسمت دانا بليـنٍ وأجابت.
“شكرًا لك، ومع ذلك أود أن ألتقي بهم مرة واحدة على الأقل.”
كان لديها رغبة في رؤية وجوههم المملوءة باليأس، انبعث على ملامحها الرقيقة عزم ثابت، يتوعد بالإنتقام من عائلتها.
أجاب كارل بهدوء.
“سأضع ذلك في اعتباري” ثم حمل معطفه.
رافقته دانا إلى حديقة القصر، متمسكة برغبتها رغم محاولاته المتكررة لإيقافها. ومن الطبيعي أن يتبعهما إدوين في طريقهما.
قالت دانا وهي تحمل شكرها الكامل حتى اللحظة الأخيرة
“شكرًا على كل شيء اليوم. اعتن بنفسك.”
ولم تلبث أن أومأت بإشارة إلى إدوين ليلقي التحية الأخيرة.
‘لا داعي لذلك…’
كان واضحا أن إدوين المتغطرس لن يفعل شيئا مثل تحيته.
وعلى غير المتوقع، اقترب إدوين نحو كارل، ثم أمسك بيده، فأرتجف كارل مندهشًا.
رفع إدوين صوته متعمدا من أجل أن تسمعه دانا.
“عمي العزيز، شكرًا لك على اليوم.”
“……”
عمي؟
اتسعت عينا كارل، ورغب في سحب يده، لكن قوة إدوين كانت هائلة.
ربت إدوين على ظهر يده وهمس.
“فلنستمر في هذا.”
أجاب كارل.
“…نعم.”
ابتسم إدوين برضا، ثم عاد إلى جانب دانا ليودعه مرة أخرى.
“أراك قريبًا، يا عمي.”
“آ… أجل…”
فتح كارل فمه المثقل بالكاد، وأجاب.
إن كان هذا هو حال أبناء الأصدقاء… فما كان يرغب برؤيته مجددًا قط.
ومع ابتعاد كارل على عجل، التفت إدوين وسأل دانا بنبرة ودودة.
“سينباي، لا شك أنكِ جائعة الآن. هل ندخل؟”
“قبل ذلك… أرغب في إلقاء نظرة على الحديقة.”
لم تتفحّصها جيدًا قبل قليل.
ابتسمت دانا بخفوت، وسارت بين الممرات الهادئة.
راح التوتر الذي كان يخنقها سابقا، ومع انتهاء حديثها مع كارل، انقشع ثقلٌ عن صدرها.
استنشقت عبير العشب، فشعرت برأسها يصفو.
كان إدوين يتبعها بصمت.
“الحديقة جميلة حقًا، إدوين.”
التفتت نحوه، وابتسمت بابتسامة صافية.
بالنسبة له، لم يكن على وجه الأرض ما يضاهي تلك الابتسامة نقاءً وجمالًا.
“…صحيح.”
غاص بصره فيها.
العشب اليافع والكوبية البيضاء كانوا جميعًا كأنهم وُجدوا لأجلها وحدها.
ومع اقترابها، محمولةً على رائحة الأزهار الهادئة، بدا وعيه كأنه يتلاشى شيئًا فشيئًا.
“إدوين، هل يمكنني سقي الأزهار؟”
أجابها مباشرة.
“كما تشائين.”
وربما، لو طلبت أي شيء، لكان قد أومأ كذلك.
أمسكت دانا المِرش، وبدأت تسقي الزهور.
ومع تناثر قطرات الماء على بتلاتها، تورد وجه دانا بحياة خفيفة.
لم يفت إدوين ذلك التغيّر الضئيل.
كانت دانا صاحبة طبع هادئ، لا تُظهر الكثير من مشاعرها.
غير أن إدوين كان يقرأها منذ البداية… ويحفظ كل تفصيلة في قلبه.
فعلى سبيل المثال…
إذا اكتشفت شيئًا يثير اهتمامها، تتسع عيناها قليلًا.
وإن لم يرق لها أمر ما، يرتفع حاجب واحد بخفة.
وحين تتحسن حالتها، يتسلل الانشراح إلى صوتها.
وفي المواقف المحرجة، تغمض عينيها بإحكام وتنطق بصوت مرتجف.
أما حين يفاجئها باقتراب غير متوقَّع…
فتطرف بجفنين مورّدين، وفي وجنتيها حمرة خفيفة.
وفي كل مرة، كانت تلك الرعشة الصغيرة في رموشها الطويلة تعبث بقلبه.
كانت دانا دائمًا هادئة… ساكنة.
ومع ذلك، كان عالمه معها يمتلئ بالألوان.
حين ينظر في عينيها الزرقاوين المفعمتين بالمودة، يستسلم بلا مقاومة.
وحين تنادي اسمه بصوتها العذب، ينقبض قلبه من شدة الوقع.
وأحيانًا… يبلغ به الوضع حدّ أن يفقد توازنه.
عندها، كان عليه أن يزيح خصل شعرها أو يلمس خدها، ليلجم اضطرابه الداخلي.
وكما في كل مرة، كان هو من تقدم نحوها أولًا، يخفي استعجاله خلف ملامح هادئة.
التعليقات لهذا الفصل " 39"