بعد أن تأكد إدوين من أن دانا أصبحت مرتاحة، توجّه إلى المطبخ.
أعدّ لها كوبًا من الشاي الدافئ، وصبّه بحركة رصينة، ووضع الكوب أمامها.
رائحة الأعشاب الزكية هدأت قلبها المذهول.
“شكرًا.”
قبضت على الكوب بكلتا يديها، فانتقلت حرارة السائل إلى جسدها.
حدّقت في البخار المتصاعد لفترة طويلة.
الموجة العاتية التي كانت تهيمن على قلبها هدأت أخيرًا، واستقرّت روحها.
“سينباي.”
فتح إدوين فمه وهو يراقبها بعناية.
“في التسجيل السابق…”
“تقصد بخصوص أنني فقدت الذاكرة؟”
لقد توقعت دانا ما سيقوله بدقة. أومأ إدوين برأسه بحذر.
كان الفيكونت مرتاحًا لأن دانا فقدت ذاكرتها. من المؤكد أن حادثًا ما جعل ذاكرتها غير كاملة.
‘كيف أفسّر ذلك…’
نظرت دانا إلى داخل نفسها، محاولة ترتيب أفكارها، وكأنها لم تفهم الأمر بعد.
“في الحقيقة، لا أذكر شيئًا قبل أن أتمّ ست سنوات. تقول عائلتي إنني تعرضت لحادث عربة وأصبت برأسِي. عشت على هذا الاعتقاد.”
“وماذا عن ذكريات الحادث نفسه؟”
“لا أدري، كنت صغيرة حينها، لذا تبدو الذكريات ضبابية. عندما استعدت وعيي، كنت في القصر، وقال لي والدي إنني ابنته.”
كانت دانا الصغيرة عاجزة عن تقدير الموقف.
وبالإضافة إلى ذلك، كانت رأسها تؤلمها إذا حاولت التفكير في الحادث.
لم يكن أمامها خيار سوى طاعة من يُسمّى والدها. لكن ما حصلت عليه لم يكن سوى التجاهل والبرود.
تابع إدوين بأسئلة مريبة.
“إن كانت تلك الأقوال كاذبة، أليس من الممكن أن يكون عمرك مزيفًا أيضًا؟”
“لا أظن ذلك، كان هناك تاريخ ميلادي محفورًا على قلادتي.”
توقفت دانا فجأة وكأن شيئًا قد خطّ بداخلها.
“إدوين، ألا تعدّ هذه القلادة دليلًا على هوية والديّ البيولوجيين؟”
حسب ما تذكره، كانت القلادة تبدو ثمينة جدًا. لم يكن من المنطقي أن يشتريها لها الفيكونت البخيل.
‘بل كنتُ أملكها منذ أول ذكرى أتذكرها.’
كانت ذكرياتها مقطّعة، كقطع أحجية متفرقة، حدودها ضبابية.
“أين هي الآن؟ تلك القلادة.”
اسودّت ملامح دانا عند سؤال إدوين.
“ربما قاموا ببيعها. كانوا بحاجة للمال.”
اختفت القلادة فجأة ذات يوم.
تذكرت الأيام التي قضتها تبكي عليها. حتى طلبها باسترجاعها، رفض الزوجان النبيلان وأزاحاها ببرود.
أمال إدوين رأسه جانبًا.
كان وجهه الجاد ينم عن التفكير العميق. ثم فتح فمه ببطئ.
“من الأفضل التحقيق في تلك الحادثة بعمق. فقد يكون الأمر إختطافًا، وحينها ستختلف القصة تمامًا.”
إختطاف…
عادت دانا لتستحضر أصوات التسجيل.
‘كان يجب أن نتركها في الشارع! لماذا التقطنا طفلة لا نعرف أصلها وربّيناها…’
‘لا تقولي مثل هذا الكلام! من حسن الحظ أنها فقدت ذاكرتها…’
‘كيف استفادوا من فقدان ذاكرتي؟’
غرقت دانا في التفكير. لم يُرِد إدوين أن يزعجها، فجلس صامتًا.
“استريحي. سألتقي بالمحامي وأعود.”
ربت على ظهرها.
“شكرًا لك، إدوين.”
ابتسمت دانا بابتسامة مشرقة.
مهما كانت الظروف، فإلى جانبها الآن إدوين، زوجها، عائلتها.
همست دانا لنفسها وهي تراقب إدوين يبتعد.
حتى لو خدعها العالم بأسره، أو أولئك الذين ظنّت أنهم عائلتها…
إدوين سيبقى صادقًا معها دومًا.
هكذا آمنت دانا.
***
في داخل القصر الإمبراطوري الشاسع، كان الخدم منشغلين بأداء واجباتهم.
أما الإمبراطور، فكان يستريح في غرفته، مستمتعًا ببضع لحظات هادئة وسط جدول أعماله المزدحم، لحظات ثمينة للغاية بالنسبة له.
توجّه نظره إلى رقعة الشطرنج الموضوعة على الطاولة، ووضع قطعة الشطرنج مع تذمّر.
“اليوم كان مرهقًا جدًا. لماذا يُلقى كل العمل عليّ وحدي؟”
“لأنك الإمبراطور.”
أجاب الجالس مقابله بنبرة هادئة.
“جوابك هذا ممل، أريد من يواسيني.”
“الراحة تقدم فقط لمن يستحقون الشفقة.”
“هم، أنت ثابت على طريقتك كما عهدتك.”
“شكرًا لك.”
توالت الحركات على رقعة الشطرنج عدة مرات، ومع كل تطور غير مناسب للإمبراطور، تلبد وجهه بالغيوم.
“…دعنا نمرّ على هذه المرة.”
“لا يمكن.”
“أرجوك، كارل رويدن… ألسنا أصدقاء منذ زمن طويل؟ حين كان والدك، الكونت رويدن، معلّمي… بنينا صداقتنا منذ ذلك الحين! حضرنا الدروس معًا، وقرأنا الكتب، وأدّينا الواجبات…”
بدأ الإمبراطور يناشده بعاطفة.
“بالضبط، لقد نسخ جلالتك واجبي حين ذهبت إلى المرحاض.”
لذا، تلقيت أنا تأنيبًا شديدًا.
تذكّر كارل تلك اللحظات ببرود.
“دور جلالتك الآن.”
“و… وأنت أصبحت مستشارًا قانونيًا مخلصًا للإمبراطورية! لذلك أرجو أن تتغاضى عن هذه المرة.”
أشار كارل بوجه جاف، موضحًا له أن يتوقف عن الكلام الفارغ ويواصل اللعب بصمت.
نقض الإمبراطور شفتيه بغرابة، ثم أشار بأصابعه نحو النافذة.
“آه، حمامة!”
حاول الإمبراطور تحريك قطعة الشطرنج في تلك اللحظة، فالتقى بعيون كارل، نظرة مليئة بالازدراء.
مسح الإمبراطور عرقه المتصبب بقلق، وأطلق تنهيدة خافتة، ثم عاد إلى رقعة الشطرنج متمتمًا.
“آه، إدوين!”
“لن أنخدع.”
“ماذا تفعل هنا، يا إبني الأصغر؟”
“قلت لن أنخدع.”
فجأة، خيم ظل ثقيل وموحش فوق رقعة الشطرنج، شعور بالرهبة لا يُقاوم.
رفع كارل رأسه، مستحضرًا حضورًا مهيبًا.
“…سمو الأمير الثالث.”
كان إدوين حقًا هناك، الأمير الثالث، كما رآه طوال السنوات الماضية، ما زال يفيض جمالًا وسحرًا.
لكن كارل كان يعرف أنه يجب توخي الحذر من ابتسامته المشرقة، إذ تحمل هدفًا خفيًا.
حاول كارل القيام للتحية، لكن إدوين أوقفه.
“لا داعي لهذا بيننا.”
“…..”
بيننا؟ وما علاقتنا؟
كتم كارل دهشته بصعوبة، رغم سنواته الطويلة في الخدمة الإمبراطورية، فلم يكن له تواصل مباشر كثير مع إدوين.
ابتسامة الأمير الثالث كانت مريبة، تحمل بلا شك نية خفية.
تابع إدوين.
“كارل رويدن، أنت محامٍ كفؤ، مخلص للإمبراطورية منذ زمن طويل.”
“…شكرًا.”
“حتى أنكَ درستني القوانين الإمبراطورية لبعض الوقت.”
ابتسم إدوين بابتسامة أعمق.
“هل تود أن تأتي معي؟”
الآن؟ إلى أين بالضبط…؟
كارل، الذي شهد الكثير داخل القصر الإمبراطوري ولم يفزع لأي أمر، بدا مرتبكًا أمام شخصين يثيران القلق دائمًا: الإمبراطورة وإدوين.
لم يدرس إدوين سوى لفترة قصيرة، ومع ذلك ظلت محفورة في ذاكرته إلى حدّ الساعة.
كان كل شيء فيه يبدو محسوبًا ودقيقًا، بعين تفتقد البراءة التي يمتلكها إخوة الأمير الآخرون.
“هيا، لنذهب.”
مد إدوين يده بود، كما لو كان يصطحب نبيلة أرستقراطية.
التفت كارل نحو الإمبراطور، طلبًا للمساعدة من صديق قديم.
التقيا العيون، فذهل الإمبراطور.
حاول الإمبراطور تحريك قطعة الشطرنج خلال ذلك.
أدرك كارل أن عليه ألا يتوقع شيئا من هذا الإمبراطور.
هدأ من روعه وتحدث بأدب.
“سمو الأمير الثالث، يجب أن تشرح لي ما الأمر قبل أن أستعد.”
“سأشرح في الطريق.”
أشار إدوين بعين نحو الإمبراطور، فأدرك كارل أن الأمر سرّ عن الإمبراطور نفسه.
“…حسنًا.”
اختيار إدوين له من بين كل المستشارين كان قرارًا حكيمًا؛ فكارل لن يفشي أسرار القصر مهما حدث.
التعليقات لهذا الفصل " 38"