الفصل 37
لم يكن ذلك المفتاح قد فارق جسده يوماً.
راح يتحسّس جسده مراراً، ثم انفلتت منه شتيمة.
“من الذي…!”
عاد دوار السُكر ينهال عليه بقسوة.
هوى مترنّحاً على السرير، محاولاً استعادة ما فُقد من ذاكرته.
في تلك اللحظة، طفا وجه دانا ضبابيّاً مع عتمة الفجر الرمادي.
اللعنة، ألم يكن ذلك… ليس حلماً؟
الجهة التي امتدّت إليها يد دانا، بذاك الوجه المتصلّب، كانت بالتأكيد…
“هاه، هل فقدتُ صوابي….”
عينا جيمي اتّسعتا بوحشية.
كيف تجرأت على لمس ما يخصّه؟ يبدو أنه دلّلها أكثر مما ينبغي مؤخراً.
وبينما كان يطحن أسنانه ويهوي بقبضته على السرير—شعر بصلابة معدنية تحت يده.
كان المفتاح يلمع، يفضح وجوده تحت ضوء الشمس.
ربما ما رآه في الحلم لم يكن إلا وهماً.
أسمك المفتاح، وخرج إلى الردهة وهو يميل برأسه بتردد.
وفي طريقه إلى المكتبة، وقد ساوره احتمال بعيد، توقّف فجأة.
اندفع الصداع، وفاض الغثيان، وبدت كل الأشياء مزعجة.
“صحيح، هي ليست من النوع الذي يرتكب حماقة كهذه.”
ضغط جيمي على رأسه، وتجاوز المكتبة متوجهاً إلى الدرج.
أما غرفة دانا المغلقة بإحكام فلم يكن لها في نفسه أدنى اهتمام.
فدانا لا يمكنها أبداً مغادرة بيت هارتوين.
***
في تلك الأثناء، كان إدوين يقلب أوراق دانا وملامحه تتعقّد.
“……لقد نهبوا الكثير.”
أوراق قروض لا حصر لها، جعلته يكتم شتيمة.
دانا هارتوين، دانا هارتوين.
كل القروض كانت باسم دانا وحدها.
كانت حياة دانا محض استغلال.
“صحيح، إنها أكثر بكثير مما كنت أعرف.”
وفوق ذلك، وجد داخل الخزنة بطاقة هويتها أيضاً.
بإمكان عائلتها استخدامها للحصول على القروض بسهولة.
“قلتُ لك من قبل إنه قانون غريب. حتى في مكتب أخت كيرا للمحاماة توجد ضحية أخرى مثلها.”
“…… وجود قانون كهذا غير معقول.”
“أعرف، وأتمنى زوال مثل هذه القوانين الهشة.”
أومأ إدوين، فكل ما تتمناه دانا يجب أن يتحقق.
قلبت دانا الأوراق، وراجعت ما سجلته الأداة السحرية.
بمجرد طقّة خفيفة، ظهر المشهد الذي تجمّعت فيه أسرتها.
والبلور، لحسن الحظ، سجّل أصواتهم بوضوح تام.
كانت تسجيلات الاعترافات التي انتزعتها دانا سابقاً من الخدم.
وبعد مغادرتها المكان، ظلّوا يتحدثون عنها لوقت طويل.
[لماذا تتصرّف هكذا؟ هل لأنني لم أوبّخها هذه الأيام؟]
[لقد دلّلتها كثيراً. أعلنا لها كل شيء لأنها تكسب المال.]
[دعونا نرسلها سريعاً إلى الفيكونت هامبرن وننهي الأمر.]
استمرّت الإهانات الموجّهة إلى دانا لفترة.
‘ليس أمرًا مستغربًا.’
استمرّت الجروح، فكونت على قلبها حاجزًا صلباً.
لم تعد أي جراح صغيرة قادرة على ترك أثر. رسمت دانا ابتسامة ساخرة.
في تلك اللحظة، صدر صوت فرقعة، وانكسر قلم الحبر الدائم الذي في يد إدوين.
تدحرجت القطع المحطمة على الأرض.
“إدوين، ماذا حدث؟”
نظرت دانا إليه بقلق.
كان في يده نصف القلم فقط.
“……آسف، القلم كان متآكلاً كثيراً.”
انحنى وأزال بقايا القلم المبعثرة.
أدرك إدوين أن المعاملة التي تلقّاها دانا داخل بيت أولائك الأوغاد كانت أشد بكثير مما كان يعرف.
لو أمكنه، لما تردّد في العثور على أهل المنزل وإحراقهم أمامها،
ليجعلهم يذوقون أقسى العذاب، ويجثوا على ركبهم أمام دانا.
توجّه غضبه نحو القلم البريء.
فالقدرة النارية للطاقة تصدر حرارة حسب مشاعر صاحبها، وقد بدا أثر الدخان على القلم.
سرعان ما محا آثار ذلك.
لحسن الحظ، كانت دانا مشغولة بالأوراق. أمالت نظرها إلى ظرف قديم، وأمالت رأسها بتساؤل.
“ما هذا؟ لا يبدو كأنه أوراق قرض…”
كانت آثار الزمن واضحة على الورق القديم. واصلت الإهانات على شاشة التسجيل تصويرها.
[لا تعرف حتى من أنقذها! وقحة!]
[كان يجب أن نتركها في الشارع! لماذا التقطنا طفلة لا نعرف أصلها وربّيناها…]
توقفت دانا عند تلك الكلمات.
أفقدها محتوى التسجيل تركيزها.
إلتقطوها؟ ربّوها؟ هي؟
لم تتوقف أصوات الزوجين.
[لا تقولي مثل هذا الكلام! من حسن الحظ أنها فقدت ذاكرتها…]
طرقت الشاشة بأصوات كهربائية، ثم انطفأت. انتهى التسجيل هنا بسبب نفاد السعة.
وقفت دانا ممسكة بالأوراق، تحدّق بعينيها الفاغرتين.
‘أنا… لست ابنتهم البيولوجية؟’
عبرت ذكرياتها السابقة أمام ذهنها.
تلك اللحظات التي شعرت فيها بالعزلة والإقصاء من قبل عائلتها.
الوحدة التي تعذّبت بها مراراً.
لماذا لم تكتشف الأمر سابقاً…؟
بدأت تفهم كل التفرقة التي عانت منها مع جيمي.
“..…”
أعادت دانا ترتيب أحداث الماضي في رأسها بصمت.
أحياناً خرجت منها ضحكة مفاجئة، كما لو أن الموقف أثار استغرابها.
ثم، وجّهت نظرها نحو الظرف القديم المفتوح جزئياً. فتحت دانا الظرف ببطء وأخرجت الورق.
<سجل العائلة>
كان سجل العائلة لبيت هارتوين. ربما أعدّه جيمي لأغراض القرض.
كان سجلها المدني يبدأ من السنة 484 من الإمبراطورية.
هذا… كانت في السادسة من عمرها أنذاك.
قالت شاشة التسجيل إن الزوجين التقيا بها في الشارع، وليس في دار أيتام.
‘إذن، أين والداي البيولوجيان…؟’
أدّى التفكير في ذلك إلى دوار في ذهنها.
هل تخلوا عنها؟ أم كان هناك سبب ما…؟
أسقطت دانا الورق على الطاولة، فقدت القوة في جسدها. وفي تلك اللحظة، أحاط دفء يديها.
كان إدوين.
“لا بأس.”
التقت عيناها بعينيه.
“كل شيء بخير.”
صوته الدافئ احتضنها. كانت يدها المرتجفة تلتقي بيده بحركة صغيرة.
وصلت عيناها الزرقاوان المرتعشتان إلى نظره. تبادلا النظر بهدوء.
تحرّكت شفتاها المذهولتان مراراً. شعرت وكأنها واقفة وحيدة في صحراء خالية.
الريح المحمومة تشتت كل طريق، وكل شيء كان غريباً.
حتى لو كانت عائلتها جافة تجاهها، لم تشك في صلتها بهم. ربما لهذا، بدأت الأسئلة تنهال كسهام متتالية.
‘أين عائلتي الحقيقية…؟’
كيف وجدت نفسها تعيش في بيت الفيكونت؟
أم، الأهم…
‘لو كنت مع عائلتي الحقيقية… هل كنت سأكون سعيدة؟’
وصل التفكير إلى ذروته، وامتلأت عيناها بالدموع.
كانت تتوق إلى هذا: نظرة حب موجهة إليها، لمسة حانية على جبينها في الليالي الساخنة، حضن دافئ بلا سبب.
حينها، شعرت بالدفء على خدّها.
مسحت يد إدوين دموعها برفق. استعادت رؤيتها الواضحة، وخرجت من دوامة التفكير.
كان في عيني إدوين الحمراوتين كلّها مخصّصة لها وحدها.
عرفت دانا معنى تلك النظرة.
حب لا حدود له، حنان، قلق ورعاية موجهة لشخص واحد. حين نظرت إليه، أدركت أن كل ما كانت تبحث عنه موجود هنا.
أي شيء يزعجها الآن لم يعد مهماً.
فزوجها الوحيد، وعائلتها الوحيدة، هو إدوين.
“……إدوين.”
نادته بصوت مرتعش.
أومأ برأسه بابتسامة هادئة، وكأنّه يقول: قولي أي شيء. مدّت دانا ذراعيها بدلاً من الكلام، ونظرت إليه بارتياح.
احتضنها إدوين.
جسده الكبير والصلب احتضنها، وهدأت مشاعرها.
كانت تحتاج أكثر من أي كلمات، إلى هذا الدفء.
“احتضنني بقوة أكبر.”
استجاب لإرادتها، وملأ صدرها بقوة، مدّ يده على ظهرها.
كان تعزيته الهادئة تتغلغل في جسدها.
التعليقات لهذا الفصل " 37"