الفصل 34
صمتٌ خاطف.
العيون التي التقت بها على حين غرّة جمّدت دانا في مكانها. قطرات باردة انحدرت على امتداد ظهرها.
“…….”
وقفت دانا عاجزة عن التفوّه بكلمة، تحدّق إلى جيمي الممدّد أمامها.
أيّ جواب يصدر عنها لن يزيده إلا وعيًا.
“…….”
“…….”
حدّقا في بعضهما بلا صوت.
ومع ثبات دانا في مكانها، أخذت نظرات جيمي تغيم شيئًا فشيئًا.
ارتعشت أهدابه كمن يحاول جاهداً أن يصمد، إلا أنّ عينيه المرتبكتين فقدتا حدّتهما.
ليته يظنّ هذا كلّه حلماً…
حبست دانا أنفاسها، تتضرّع في سرّها.
وأخيرًا تحرّكت شفتاه.
رمش ببطء… ثم غرق مجددًا في النوم.
همّت دانا بإطلاق النفس المكبوت، ثم كتمته من جديد. قلبها كان يضرب بعنف.
تأكّدت، صامتةً لثوانٍ، من أنه غفا تمامًا. وسرعان ما عاد شخيره المنتظم يملأ المكان. علامة واضحة على نومٍ عميق.
مدّت يدها إلى مفتاحَي المكتبة اللذين كانت قد فكّت عقدهما سابقًا.
كانا اثنين.
أمسكتهما معًا وخرجت من الغرفة بهدوء.
خشيت أن يكشفها ضوء المصباح السحري، فوضعته عند الباب، واكتفت بحمل مصباح صغير.
تحرّكت بخطًى محسوبة، غير متأكدة حتى من كيفية سيرها أو إن كانت تتنفس بانتظام، من شدّة التوتر.
بذلت جهداً شاقًا لتخمد وقع خطواتها وهي تمرّ بمحاذاة غرفة جيمي في طريقها إلى المكتبة.
وأخيراً—
تَشَقّق.
أدخلت دانا المفتاح في ثقب قفل المكتبة. لحسن الحظ، كان المفتاح الأول هو الصحيح.
ما إن أدارت المقبض ودخلت، حتى امتلأ بصرها بخزائن تزدحم على الجدارين.
“ها…”
أطلقت ضحكة قصيرة خاوية وهي تتفحص المكان.
ساعات مذهّبة، تماثيل، أزرار أكمام ودبابيس رصّعت بأحجار صغيرة.
ومع ذلك، لم يكن بين كل ذلك شيء ذو قيمة حقيقية؛ كلها قطع رديئة الصنع.
كانت دانا، بوصفها موظفة في وزارة السحر، قد تعاملت مراراً مع نبلاء رفيعي الشأن.
ورغم أنّها لم ترَ مجوهراتهم سوى من بعيد، إلا أنّ فخامتها كانت واضحة.
‘جيمي مجرد متظاهر.’
حدّقت بازدراء إلى ساعة بهت طلاؤها الذهبي. مالها الذي بذلت لأجله ليالي العمل وأيام العطل، لم يكن سوى وقود لهوسه الفارغ.
زفرت بتهكم، ثم بدأت تبحث عن العقد.
وكما كان متوقعًا من شخص يكره الدراسة، لم يكن في المكان كتبٌ ولا أوراق.
‘أين يخفيه…؟’
فتّشت الخزائن المزركشة طويلًا، بلا جدوى. مسحت العرق الذي تجمّع على جبينها وهي تتفحّص الغرفة كلها.
وحين سقط بصرها المتعب على المكتب، توقفت.
‘لا يعقل…؟’
اقتربت من المكتب الواقع في أعمق نقطة في المكتبة. لم تجده يومًا جالسًا أمام مكتب، طيلة حياتها معه.
ومع ذلك… وجوده هنا يعني شيئًا.
جيمي الذي لا يطيق الملل لم يكن ليترك مكتبًا كهذا بلا غرض.
كان ليضيف خزانة جديدة بدل أن يحتفظ بمكتب.
‘لا بدّ أن له فائدة ما.’
بدأت تفتّش المكتب الخشبي، لم يكن فوقه سوى ساعة ثقيلة كبيرة.
لامست يدها الدرج الصغير. انزلق الخشب بصوت خافت حين فتحته.
“لا شيء هنا.’
تنهدت بعمق واستسلمت لتعبها، تجلس على الأرض. السماء خارج النافذة ازداد ضياؤها.
مضى وقت طويل. والفجر بات وشيكًا.
‘هل عليّ أن أستسلم اليوم…؟’
كانت ترفع رأسها بتثاقل—
فجأة، طاخ!
“آه!”
اصطدم رأسها بقوة في زاوية المكتب.
صوت الحادثة كان مرتفعًا بما يكفي ليرعبها، فبادرت بتفقّد ما حولها.
أصغت خارج الغرفة… ولحسن الحظ، ظلّ كل شيء ساكنًا.
مسحت رأسها الذي ينبض بالألم، وهمّت بالوقوف…
‘ما ذاك؟’
لمع شيء تحت المكتب.
اقتربت دانا زاحفة على ركبتيها، وقرّبت المصباح أكثر.
خلافًا للواجهة الأمامية المثبّتة على أرجل، كان ظهر المكتب محاطًا بخشب صلب كثيف.
لماذا يشبه جدارًا من الخلف بينما هو مفتوح من الأمام؟
كان شكله أشبه بآلة بيانو.
تحسّست دانا الجزء السفلي من الخلف، فلامست أصابعها شيئًا.
ثقب مفتاح صغير.
‘مكتب يخفي خزنة…؟’
أسرعت تضيء أسفله، ثم أدخلت المفتاح المتبقّي الذي أخذته من جيمي.
طَق.
دارت الآلية المعدنية، ولم يستغرق فتح الخزنة وقتًا طويلًا.
وأخيرًا، انفرج باب الخزنة الصغيرة.
ظهرت بطاقة هويتها. ورُصَّت عدة أظرف فوق بعضها.
‘وجدتها أخيرًا…!’
لم يدم انفعالها طويلًا؛ تحرّكت يداها بسرعة. كان عليها الخروج قبل أن يستيقظ جيمي.
أيّها من بينها؟
كان عليها العثور على عقد الفيكونت هامبرن دون تأخير. الوقت يمرّ.
الفجر ينقشع.
‘سآخذها كلها.’
لم يستغرق القرار ثوانٍ.
جمعت كل الأوراق، واتجهت مسرعة إلى غرفتها. أخرجت حقيبة سفر كبيرة كانت تستعملها في المهام الخارجية.
وضعت الأوراق في القاع، ثم دفنتها تحت ثيابها.
‘سيلاحظ جيمي قريبًا. يجب أن أغادر.’
لم يكن جيمي ولا أحد من آل الفيكونت ليتركها وشأنها.
كانوا ممن يقتحمون مكان عملها طمعًا في المال. والعمل…
هؤلاء قادرون على افتعال فوضى داخل وزارة السحر نفسها.
كان عليها أن تختفي لحين توكيل محامٍ.
‘سآخذ أول إجازة في حياتي.’
ابتسمت بمرارة.
لم تكن تملك أمتعة كثيرة، لذا أتمّت تجهيز الحقيبة بسرعة. عائلتها المخمورة لن تستيقظ قبل العصر.
ولم يبقَ لها وقت طويل.
‘أخيرًا سأغادر.’
لم تكن تشعر بأي ذرة حنين لمن تُركوا خلفها. كان من المفترض أن يغمرها الارتياح…
ومع ذلك، تدفقت مرارة حارقة عند طرفي عينيها. لم يكن السبب اشتياقًا لعائلة، بل شفقة على ذاتها الصغيرة القديمة…
الطفلة التي كانت تجوب هذا القصر، تكنس وتلمّع أركانه.
“…لا. انسِ ذلك.”
هزّت دانا رأسها بقوة. ثم فتحت باب القصر.
اجتازت العشب الذي دغدغ كاحليها، مسرعة نحو الحديقة، واتجهت إلى البوابة الكبيرة.
دفعتها بكل قوتها.
ومع انفتاحها ببطء، بدا الخارج أمامها— شمس الصباح التي أعلنَت يومًا جديدًا…
وزقزقة عذبة…
كلها كانت مناظر متوقعة.
لكن هذا الرجل الذي ظهر أمام ناظريها…
“…إدوين؟”
قدّم لها لحظة لم تكن في الحسبان.
اتّسعت عينا دانا من الذهول. الجسد الذي تيبّس بالبرد والتوتر بدأ يذوب.
يكفي أن تراه كي يهدأ قلبها.
“هل أنتِ بخير؟”
ركض إليها إدوين ما إن لمحها. تفحّصها بقلق شديد.
“هل تعرضتِ لأذى؟ هل ضايقك أحد…؟”
كان يرتدي الثياب نفسها التي كان يرتديها بالأمس. وشعره دائم الانضباط بدا مبعثرًا.
رفعت دانا بصرها إليه وقد أدركت الأمر.
“إدوين…”
ثم أسندت جبينها إلى صدره.
“أتراك… انتظرت هنا طوال الليل…؟”
“…….”
لم يكن مجرّد انتظار.
ظلّ يجوب محيط القصر طوال الليل، يخشى أن تقع في خطر.
حركاته الصامتة، وسمعه الحاد، كانا موجَّهَين نحوها حتى الفجر.
مستعدًا للاندفاع إليها في أي لحظة.
لم يتفوّه بكلمة.
فقط ضمّها إليه.
***
“ألست متعبًا؟”
سألت دانا وهي تقف أمام بوابة وزارة السحر، بنبرة غارقة في القلق.
“هل تستطيع الذهاب إلى العمل؟”
“أنا بخير تمامًا.”
كان يبدو فعلًا بحالة ممتازة، بعيون يقظة لا تشبه شخصًا سهر الليل.
لكن دانا تذكّرت أنه أجّل بدء عمله شهرًا كاملًا بسبب تدهور صحته.
كان واضحًا أنه يتظاهر بالصلابة كي لا يقلقها، وهذا ما أثار شفقتها.
“أنتِ أيضًا سهرتِ الليل كله.”
“اعتدتُ على هذا. لكن أنت…”
“وأنا معتاد كذلك.”
قاتل الوحوش الليليّة مرارًا، وسهر ليالٍ متتابعة دون أن يتأثر.
كان يملك قدرة بدنية فطرية تجعله يصمد ثلاثة أيام بلا نوم.
لكن دانا، التي لم تعرف ذلك، ظلّت تنظر إليه بعين مشفقة حتى دخلا الوزارة، مرورًا بقسم إدارة الجرعات.
وقبل أن تدخل مكتبها، أمسكت بيده.
“سأبدأ إجازتي من اليوم.”
“هذا رائع.”
استقبل إدوين الخبر بارتياح بالغ. كان يأمل أن تستريح بهدوء في منزله، بعيدًا عن كل خوف.
“وإن جاء أفراد عائلتي يلاحقونني…؟”
“لا تقلقي. سيهتمّ الفرسان بالأمر.”
الفرسان؟ بدت دانا وكأنها لم تفهم ما يعنيه.
التعليقات لهذا الفصل " 34"