الفصل 33
إبتسم إدوين بلطف.
“كل شيء سيجري على ما يرام، سينباي.”
تموّج صوته بنعومة، وانحنى طرفا عينيه قليلًا.
وبعد وقت قصير، وصلا إلى المطعم.
منذ عبورهما المدخل وحتى جلوسهما إلى الطاولة، تولّى إدوين مرافقة دانا بخفة وثبات، كمن تلقّى هذا النوع من التعليم منذ الصغر.
وأدركت فجأة أنه يحمل دائمًا في حركاته مسحةً أرستقراطية.
سواء أكان يأكل، أو يحتسي الشاي، أو يمشي، لم يكن في هيئته أي اضطراب.
‘في أي بيئة نشأ إدوين يا ترى؟’
حتى جيمي، الذي حصل على دعم كامل من والديه، لم يحمل مثل ذلك الحضور.
حين رمقت دانا إدوين بنظرة حذرة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة.
“أهناك ما تودين قوله؟”
“أم… كنت أفكر… ألا يجب أن أقدّم التحية لوالديك؟”
خشيت دانا أن يكون الحديث عن أسرته ثقيلًا عليه. وهنا تصلّبت ابتسامته التي كانت دومًا هادئة.
فمقابلة عائلته تعني الكشف عن مكانته الحقيقية. وتسرّبت إلى قلبه تلك الهواجس القديمة.
لكنه سرعان ما استعاد ملامحه.
“حسنًا… سنلتقي بهم في مهرجان التأسيس.”
ثم تابع وهو يقطع لها قطعة اللحم.
“سيأتي أشخاص كثر، لذا سأطلب منهم ترتيب وقت قصير للقاء.”
“هل قصدت أن عدد الزوّار كبير؟”
“شيء قريب من ذلك.”
ألهم مطعم؟ ازدادت الأمور التباسًا.
ثم ناداها إدوين بنبرة أكثر رصانة من المعتاد.
“سينباي…”
“نعم؟”
“ما عليكِ سوى أن تتذكري أمرًا واحدًا.”
“ما هو؟”
“أيًّا كانت مكانيتي، فمشاعري تجاهكِ صادقة.”
انعقد صوته بجدّ لم تعهده، وانطوت نظرته على عمق لا يخفى. وامتد القلق فوق وجه دانا.
‘هل وضعه أسوأ مما أظن؟’
ربما كانت ظروفه أعقد بكثير.
سألتْه بصوت منخفض.
“أيًا يكن الأمر… لا يمكنك التحدث عنه الآن، صحيح؟”
“نعم…”
كان إدوين دائم المبادرة إلى طمأنتها. كل ما حيّرها كان يسارع لشرحه.
لكن حين يتعلّق الأمر بعائلته، كان الحاجز واضحًا.
هيئته الأرستقراطية، لغته الرقيقة، أسرته التي لا تُظهر له ودًا…
ومض في ذهنها استنتاج واحد.
‘أترى… هل هو ابن غير شرعي لأحد النبلاء؟’
ومع هذا الاحتمال، توضّحت كل الأشياء المتشابكة.
وربما… عاش حياة أشد عتمةً مما عاشته هي.
‘الآن جاء دوري كي أواسي إدوين.’
كانت تريد أن تعيد له ما منحها إياه من أمان.
رفعت وجهها بابتسامة مطمئنة.
“إدوين، انظر إليّ.”
ما إن رفع رأسه حتى اصطدمت عيناه الزرقاوان بنظرتها الثابتة.
“لا بأس. أيًّا كانت الظروف… أنت زوجي إدوين.”
“…”
“لا تخش شيئًا وأخبرني كل ما تريد. نحن زوجان الآن.”
اهتزّ الهواء بنبرة صوتها الواضحة.
“نقتسم كل شيء، وعلاقتنا لا تنقطع أبدًا.”
ثم ابتسمت له ابتسامة دافئة.
لا تنقطع أبدًا…
ردد إدوين كلماتها في أعماقه بصمت.
“أشكركِ.”
وانفرجت شفتاه بابتسامة، وقد امتلأت عيناه الحمراوان بدانا وحدها.
***
في وقت متأخر من الليل، كما اعتاد كل يوم، أوصلها إدوين حتى بوابة القصر.
وقبل أن تفارق يده يدها، بدا عليه التردّد.
“…هل ستكونين بخير حقًا؟”
“نعم، سأذهب غدًا إلى منزلك.”
“أنا لا أقصد الغد… بل الليلة.”
كانت دانا قد قالت له إنها قبل أن تغادر بيت عائلتها، ستأخذ وثائق القروض غير القانونية التي صُنعت باسمها، إضافة إلى بطاقتها الشخصية التي استُغلّت.
وهذا يعني أنها ستفتح خزنة شقيقها.
في هذا القصر، لم يكن لدانا مؤيّد واحد.
وفي اللحظة التي تُكشَف فيها، سيقع الخطر عليها حتمًا.
“لا تقلق.”
أخرجت دانا زجاجة النبيذ القوي. كانت قد طلبتها من المطعم الذي تناولا فيه عشاءهما.
“ما دام الشراب غاليًا… يهرعون إليه بلا تفكير.”
“……”
“اذهب الآن، لديك عمل غدًا.”
ربّتت بخفة على ظهره، ثم ابتسمت مطمئنة.
“…حسنًا. انتبهي لنفسك.”
أجابها على مضض، وبقي ينظر إليها حتى اللحظة التي دخلت فيها القصر.
‘لو أنني أستطيع فقط إحراق كل شيء…’
لفّ رأسه خاطر مخيف. ولوّحت دانا بيدها مطمئنة وكأنها أحسّت باضطرابه.
فتخلّص سريعًا من الفكرة.
كان هذا أمرًا يجب على دانا أن تحسمه بنفسها. ما لم تطلب منه التقدّم، فإن تدخّله سيكون تجاهلًا لرغبتها.
لوّح لها مبتسمًا، وردّت التحية ثم استدارت. وعبرت بوابة القصر، متجهة عبر الحديقة.
بدت ساكنة، لكنها كانت متوترة مثل وتر مشدود. ربما لفرط توترها، بدا صوت العشب تحت خطواتها عاليًا على غير عادته.
وحين فتحت باب القصر… ابتلعت ريقها بلا وعي. ارتجاف خفيف وصل إلى قلبها، فبدأ يخفق بقوة.
في تلك اللحظة، دوّى صوت عالٍ من جهة قاعة الطعام.
“هاهاهاها!”
“جيمي، حديثك بديع حقًا!”
كالعادة… ضحكات العائلة.
لم يكن لعودتها المتأخرة من العمل أي أهمية عندهم.
دخلت دانا القاعة.
“ما الأمر؟ إن كنتِ عدتِ من العمل فادخلي بهدوء.”
تمتم جيمي بوجه عابس. كان منذ طفولته يحمل تجاه دانا نفورًا خالصًا،
نظرة كأنه يرى دخيلة لا ينبغي أن تكون هنا.
تخطّت دانا ردّة فعله المعتادة، وأخرجت زجاجة النبيذ.
“اشتريتها لكم. تفضل.”
اتّسعت عينا الوالد عند قراءة الملصق.
“أليس هذا شرابًا باهظًا؟”
وعند كلماته، اندفع الجميع لتجربة الزجاجة الجديدة. وسرعان ما بدأت قوة الشراب تنال من وعيهم.
لم تستطع دانا النوم حتى الفجر. ظلت تصغي إلى الأسفل حتى صمتت ضحكاتهم، وحتى عاد كل منهم مترنّحًا إلى غرفته.
كانت تسترق السمع نحو الطابق السفلي.
“أوهه…”
وصوت خطوات جيمي يصعد السلم.
فتحٌ لباب غرفته، ثم صوت ارتطام جسده على السرير…
بسلوكه الخالي من الحذر، صار تتبع خطواته سهلًا.
حبست دانا أنفاسها.
وفي الظلام، مع ضوء مصباح صغير، ركّزت كل انتباهها على حركة جيمي.
وبعد وقت طويل، لم يبقَ سوى صوت شخيره. فخرجت دانا بحذر إلى الممر.
كان قد غرق في النوم، ولم يكلّف نفسه حتى إغلاق باب غرفته.
اقتربت من جهة غرفة جيمي.
وباستثناء غرفتها الصغيرة القابعة في أقصى زاوية الطابق الثاني،
كان كل شيء ملكًا له: غرفة النوم، غرفة الملابس، والمكتب.
أما مكتب جيمي، فكان مختلفًا عن مكاتب النبلاء. فالرفوف التي تملأ الجدران لم تكن تحمل كتبًا، بل ممتلكات فاخرة للإستعراض.
لم تعرف دانا كامل ما يوجد هناك؛ فهو لم يسمح حتى لأفراد الأسرة بالدخول.
وكان يحتفظ بمفتاح المكتب دائمًا عند خصره.
‘العقد موجود هناك بلا شك.’
لم يكن هناك مجال للخطأ.
مهما حدث الليلة، يجب أن تحصل على عقد القرض غير القانوني…
الوثيقة التي تكشف استغلالها.
تصلّبت كتفا دانا، وشرعت تتحرك ببطء نحوه.
كان جيمي على السرير، غارقًا في النوم، يشخر، ما يزال بثيابه التي خرج بها؛ لم يغتسل على الأرجح.
وبدا المفتاح عند خصره. مدّت دانا يدها نحوه بحذر.
في الغرفة المظلمة، لم يكن هناك سوى خيط من ضوء القمر يرشدها.
“أوهه…”
تحرك جيمي بتململ، فمال جسده، وانتقل المفتاح إلى الجهة الأخرى.
اقتربت دانا أكثر، مستندة إلى السرير بحذر شديد، خشية أن يلحظ ثقلها، خشية أن يلمسها شيء منه، خشية أن يشعر بوجودها.
حتى أنفاسها كبحتها.
وفجأة لامست أصابعها المفتاح الذهبي.
وبأقصى توتر، بدأت تفكّ الحلقة المربوطة حول خصره.
‘يا له من حذر… حتى العقدة محكمة.’
وحين أوشكت على حلّ آخر خيط وسحب المفتاح…
“…ماذا تفعلين؟”
وكانت عينا جيمي مفتوحتين عليها مباشرة.
التعليقات لهذا الفصل " 33"