الفصل 32
<أساليب تواصل الأزواج، 146 طريقة>
العنوان المذهب جذب النظر فوراً. أيوجد حقاً مئة وست وأربعون طريقة للحديث؟
عالم الأزواج عميق لهذه الدرجة…
مدّت دانا يدها نحو الكتاب ذي الغلاف الأحمر الفاخر. لكن طولها لم يسعفها.
وبينما كانت تكاد تستسلم بعد محاولاتها، خُيّل إليها ظلّ يعلوها من فوق.
“هذا الكتاب؟”
كان إدوين قد ظهر بجانبها دون أن تنتبه.
دفء حضوره القريب أعاد إلى قلبها خفقانه المتسارع… ومعه تلك الرائحة العذبة التي تميّزه.
“نعم، شكراً…”
خفضت رأسها عمداً وهي تفتح الكتاب؛ لم ترغب أن يدرك أنها باتت واعية لوجوده إلى هذا الحد.
ولذلك لم تعِ ما كانت تقرأه.
عندها، سقط فوقها صوته المربك.
“لماذا… هذا النوع تحديداً…؟”
رفعت بصرها إليه. كان وجهه محمرّاً حتى أطراف أذنيه. لماذا يبدو هكذا؟
حدّقت فيه بحيرة.
قال بصوت خافت مرتجف.
“…الاستعداد المسبق لا بأس به.”
ما الذي يعنيه؟ عادت دانا بنظرها إلى الصفحات.
“…!”
كانت الرسوم الصريحة التي تُظهر تداخل الأجساد تملأ الصفحة بالكامل.
إذن لم يكن يقصد بالتواصل… حديثاً، بل حديث الأجساد؟
فرغ رأس دانا تماماً.
كانت، بكل جديّة، تقف على أطراف قدميها لأخذ لهذا الكتاب…
وأمام إدوين أيضاً.
تلعثمت من شدة الارتباك.
“لـ… لا… لم أكن أعلم أن هذا هو نوع الـ… الــ… هاه…”
كلما تحدثت ازداد الأمر سوءاً.
“لا بأس، سينباي.”
“..…”
“سأبذل جهدي.”
كان لونه الأحمر قد ازداد عمقاً وهو ينهى عملية الدفع. يبذل جهده… في ماذا بالضبط؟
لكن دانا لم تستطع سؤال هذا السؤال.
أنهى الحساب، ثم أخذ بيدها وقادها إلى الخارج. ومع ذلك لم يترك الكتاب من يده.
وكان دفء كفه يزداد أكثر من المعتاد.
حاولت دانا تخفيف التوتر، فرفعت صوتها بمرح مصطنع:.
“أشعر بالجوع. ما رأيك أن نأكل شيئاً الآن؟”
“حسناً. أعرف مكاناً يشتهر بفطيرة التفاح… حجزت هناك.”
أخذ يشرح لها مواصفات المطعم الذي اختاره موافقاً لذوقها. وحين تجاوبت معه، تلاشى توتر الجو قليلاً.
لتغيير الموضوع، عادت إلى أمر سابق.
“ذهبت اليوم إلى البنك.”
“لإنهاء مسألة الرهن التي تحدثتِ عنها سابقاً؟”
“نعم، كان الأمر أسهل مما توقعت.”
لم يكن وجه دانا مرتاحاً وهي تقولها.
“سينباي، هل حدث شيء؟”
تنهدت بخفة.
“حين رأيت المتضررين غيري، شعرت بسوء… لم يكن منظراً مريحاً.”
“..…”
“لا أعلم لِمَن صُمّنت هذه القوانين. الاستمرار هكذا سيزيد المظلومين فقط.”
“…صحيح.”
أومأ إدوين ببطء.
طيف صورة والده مرّ في ذهنه، لكنه آثر الإصغاء لدانا ومشاركتها شعورها.
“آه، وهناك أمر آخر…”
“نعم، يجب أن نبدأ العيش معاً.”
كان يبتسم كأنه كان ينتظر هذه الجملة بالذات. كأن العيش معها هدفه الوحيد.
“لا تقلقي، كل شيء جاهز.”
كل شيء…؟
مجرد الانتقال إلى بيته القديم، لا أكثر.
ابتسمت بخفة.
“لو سمع شخص كلامكَ لظنّ أنك اشتريتَ قصراً جديداً.”
ابتسم إدوين أيضاً وهو يستعيد ذكرى سابقة.
***
كان بيت زواجهما قد أُعِدّ منذ زمن بعيد.
إدوين، منذ عدة أيام، كان يعمل بنفسه لأجل القصر الذي سيجمعه ودانا.
وللمفارقة، لم يكن العثور على قصر يناسب ذوقها أمراً صعباً.
فقد وجد مباشرةً بيتاً يوافق تماماً ما جمعه في ذهنه من طباعها وما سمعه منها طيلة الفترة الماضية.
غير أنّ مالكة القصر كانت شديدة العناد.
لذلك كان بيتر، مساعده، ومعه والده، يعانيان الأمرّين لإقناعها بالبيع.
وحين سمع إدوين ذلك، قصد القصر بنفسه. كان بيتر ووالده ما يزالان يتجادلان مع المالكة.
‘أعرض عليكِ ضعف سعر القصر!’
‘هاه، لا ولن أبيع!’
كانت العجوز ذات الشعر الأبيض تستعرض ذكريات عمرها، مصرّة على ألا تتخلى عن البيت.
‘ولدتُ هنا، وعشتُ مع عائلتي…’
‘هذه المرة الرابعة والثمانون التي نسمع فيها هذا الكلام!’
تابع إدوين الحوار الذي لا ينتهي، ثم قال بنبرة هادئة.
‘يبدو أنكِ لن توافقي… ولو عرضتُ عشرة أضعاف الثمن.’
تجمد فم العجوز.
عشرة أضعاف؟
لمع بريق مفاجئ في عينيها.
‘…كنتُ بانتظار هذا. سأرتّب أغراضي حالاً.’
اختفت في الداخل خلال لحظة، وبدأت في حزم حقائبها.
‘يا لها من امرأة طيبة القلب.’
تمتم إدوين بإعجاب صادق وهو يرى هذا التغير الفجائي.
تلاقت نظرات إدوين المشفقة مع وجه بيتر الخالي من التعبير.
***
“ما الذي يشغلك؟ تبدو سعيداً.”
سألت دانا وهي ترى ابتسامته الراضية.
“لا شيء. أنهينا مشكلة الرهن. هل تبقى ما يجب فعله؟”
“أفكر أولاً في مقابلة محامٍ.”
“محامٍ؟”
“أحتاج إلى إجراء يمنع أفراد عائلة الكونت من الاقتراب مني. وأريد أيضاً الحصول على التعويض الذي أستحقه عن كل ما فعلوه.”
أصغى إدوين لكلامها باهتمامٍ كامل. فالأمر الأول يمكنه حلّه هو شخصياً.
بعد التحقيق في عائلة هارتوين، تبيّن أن الكونت وابنه لم يتلقيا أي تدريبٍ قتالي فعلي.
وإن تجرّآ على الاقتراب من دانا…
‘سأضطر لقطعهم نصفين لا غير.’
عبرَت تلك الفكرة ذهنه بوجهٍ خالٍ من التعابير، ثم التفت إليها بابتسامة لطيفة.
“وماذا تقصدين بالتعويض؟”
“المال… والحرية.”
ارتسم على شفتيها ابتسام خفيف مائل.
“مهما تظاهرت زوجة الفيكونت بالتوبة، فهي ليست صادقة. ثم إن الماضي المليء بالألم لن يزول.”
أرادت أن تنتزع منهم أكثر ما يقدرون.
قالت دانا بصوت ثابت.
تربّوا منذ الصغر على البذخ المقرف.
حتى في هروبهم بسبب الديون، كانوا يعلقون على أعناقهم وأيديهم مجوهرات لا تنتهي.
المال كان كلَّ شيء في حياتهم: غايتهم، وقيمتهم، والسلاح الذي استغلّوا به دانا.
ومع ذلك لم يعملوا يوماً بيديهم.
سيكون مشهداً لائقاً حين يُطرَدون من القصر ويصبحون بلا شيء.
ارتسم انحناء لطيف في عيني إدوين.
لم يعد يجد فيها أسيرةً للشفقة، بل شخصاً يمضي إلى الأمام بثبات. وذلك ملأه بالفخر.
قال بصوت رخيم.
“إذن نحتاج إلى محامٍ بارع وذو لسان بارع.”
أمالت رأسها باستغراب.
“أوه؟ كنتُ سأطلب من أخت كيرا أن تتولى الأمر…”
هز إدوين رأسه.
دانا، من حيث لا تدري، قد أصبحت زوجة أمير. وأي خطوة صغيرة قد تتحول إلى شائعة جارحة تلتهمها.
وكان عليه حمايتها بكل طريقة ممكنة.
وكانت هذه الخطوة تحتاج إلى سرية… وإلى محامٍ يفوق الجميع مهارة.
“أعرف محامياً ممتازاً.”
ثبتّ إدوين نظراتها كي لا يتشتت انتباهها.
“إنه أحد معارف والدي، ويمتلك معرفة واسعة بالقانون.”
“لكن أخت كيرا أيضاً…”
“الخبرة لا يمكن تجاهلها.”
كانت كلماته واضحة ونافذة، فرفعت دانا عينيها بدهشة.
“ألهذه الدرجة هو بارع؟”
“لم يخسر قضية واحدة.”
اتخذ ملامح الطمأنة. كلامٌ كهذا لا يُقال إلا عن شخص بالغ الندرة.
“لكن… أليس مشغولاً جداً؟”
“لا، في الغالب تجديه يقتل الوقت بلعبة شطرنج.”
محامٍ… وشطرنج؟
أي علاقة بينهما؟
‘أهذا نوع من تمارين الدماغ؟’
هزّت برأسها إعجاباً.
“حسناً، سأعتمد عليك.”
“سأحضره بأسرع ما يمكن.”
التعليقات لهذا الفصل " 32"