الفصل 152
لم تخرج دانا من قصر الأمير كما قال إدوين.
لكن السبب كان مختلفا تمامًا عن ما تمنى هو.
بعد أن تم توزيع جرعات التطهير التي تقضي على الوحوش في جميع أنحاء الإمبراطورية بشكل مستقر، نشأت لديها رغبة جديدة.
“بينما كنتُ أزور إقليم آريا، اكتشفت أن استخدامات النباتات المطهرة أكثر مما توقعت.”
قالت ذلك لإدوين وهي تتصفح دليل النباتات المطهرة.
في الطاولة الصغيرة في غرفة النوم، انغمستْ دانا على بحثها حتى وقت متأخر من الليل.
جلس إدوين مقابلها، خارج السرير، واضعًا ذراعيه تحت ذقنه، منتظرًا أن تنظر إليه.
لقد كانت كثيرًا ما تمدحه لجمال وجهه، فقرر استخدام سحر الجمال الصغير معها.
حتى أنه ضحك على نفسه لسخافة الغيرة التي شعر بها من مجرد كتاب.
دانا لم تبدُ وكأنها تعرف شعوره، واستمرت بسرد حديثها.
“انظر إلى زهرة ريميني فقط. في القصر، تُستخدم للشفاء أو طرد الوحوش، لكن أهل إقليم آريا يغمرونها في الأحواض للإستحمام، أو يشربونها كشاي، أليس كذلك؟”
“…….”
“لذلك صنعت اليوم شيئًا جديدًا، هل تريد أن تراه؟”
أشارت إلى قارورة زجاجية صغيرة على الطاولة.
“إنه مرطب! الشماليون يعانون من جفاف الجلد والشفتين بسبب البرد.”
وقالت دانا بابتسامة فخورة إنها أضافت نباتات مطهرة ذات فعالية عالية في التجديد.
ابتسم إدوين بمرارة وهو يراقب عينيها المتألقتين.
لقد نصحها بالبحث عن حلمها، وها هي تشعر بالسعادة والإنجاز بالقيام بما تحب.
لكن ذلك لم يقلل من تعلقه بها وحنانه المبالغ فيه.
همس بصوت منخفض، عميق وخطير.
“حقًا؟ إذن هو يوضع على الشفاه.”
صوت خطر، كأنه يغري طفلًا بريئًا.
“نعم، يجعل الشفاه رطبة……”
توقفت دانا عن الحديث فجأة، إذ شعرت بجو خطير صادر عن إدوين.
لقد رأته كثيرًا في بداية زواجهما، هذا الوجه الذي يسبق أيَّ فعلٍ متهور.
لم يكن من المستبعد أن يندفع نحوها على الفور…
غطى إدوين وجهه الساحر بلمسة من الدعابة.
“لا أصدق ذلك.”
“……ماذا؟”
“يجب أن أرى بعيني.”
فتح القارورة، ومرّر إصبعه في محتواها، ثم اقترب من دانا ولمس شفتيها برفق بإبهامه.
واحدة من يديه احتضنت وجنتها، والأخرى استشعرت نعومة شفتيها.
مع كل ضغط، تحركت الشفاه الصغيرة تحت أصابعه.
أدركت دانا، وقد ارتجفت، أن نظرته الحمراء الداكنة تركزت عليها، وأغمضت عينيها بتوتر.
‘لا أعرف أين أنظر…’
كل شيء أمامها كان يربك عقلها.
خفق قلبها بقوة، وارتجف جسدها بالكامل.
“……النظر إليكِ بهذا الشكل يجعل التحمل صعبًا.”
همس إدوين بهدوء.
حينها فقط أدركت دانا أن عينها كانت موجهة نحو شفتيه.
احمرّت وجهها بشدة وحاولت أن تدير رأسها.
“كفى الآن……”
لكن إدوين لم يترك اللحظة تفلت منه.
امتزجت شفاهه مع شفاهها، معبرًا عن مشاعره، لينتشر إحساس مهيب ومُسكِر في الوقت ذاته.
***
مع اقتراب نهاية الصيف، بدأ نسيم معتدل يهبّ بطريقة مريحة.
خلال هذه الفترة، صنعت دانا عدة مستحضرات باستخدام النباتات المطهرة.
تم توزيع الجرعات والمرطبات والمراهم التي أعدتها على سكان الإمبراطورية.
كما قام إدوين بالتعامل مع بيت تشايلد، واقتلع كل أثر للسحر الأسود.
قادَ فرسان الرون في إدارة الوحوش، واتخذوا زمام المبادرة في السيطرة عليها.
أعاد الإمبراطور النظر في القوانين المتعلقة بالسحر الأسود لتصبح أكثر صرامة.
كما بذل جهدًا لاستعادة الأراضي التي دمرتها الوحوش.
“لقد حلَّ الخريف الآن. الوقت يمرُّ بسرعة حقًا.”
ابتسمت دانا لشارلوت، المصممة التي كانت تعمل معها.
كانت شارلوت تمشط شعر دانا أمام المرآة.
“عادةً، يمر الوقت بسرعة مع الأشخاص المشغولين.”
قالت ذلك مازحة، في إشارة إلى انشغال دانا في العمل طوال الفترة الماضية.
“أرجو ألاّ تعملي في شهر العسل أيضًا، صاحبة السمو الأميرة.”
ضحكت دانا عند سماع ذلك.
كان اليوم هو يوم زفاف الأمير الثالث وزوجته.
اليوم الذي ستعلن فيه رسميًا أنها الأميرة، وتتعهد بحبها لإدوين أمام الجميع.
“بعد انتهاء مراسم الزفاف… علينا ركوب العربة في موكب…”
بعد مراسم الزواج، كان عليهم القيام بجولة حول القصر الإمبراطوريّ وسط تصفيق الشعب.
“أنتِ متوترة، أليس كذلك؟”
قالت شارلوت وهي تطمئن دانا.
كانت الأميرة كما كانت في أول لقاء، لا تزال بريئة ونقية.
“لقد انتهى كل شيء. الآن حان وقت تثبيت التاج…”
بينما كانت شارلوت تبحث في صندوق المجوهرات، جاء صوت مفاجئ.
“جلالة الإمبراطورة هنا.”
حضرت الإمبراطورة على غير المتوقع.
وقفت دانا من أمام الطاولة لترحب بها، وانفتحت حافة فستان الزفاف الفخم.
“جميلة جدًا، يناسبك الفستان تمامًا.”
ابتسمت الإمبراطورة وهي تنظر إلى دانا بعينين حنونتين.
“أشكركِ يا صاحبة الجلالة الإمبراطورة.”
ابتسمت شارلوت بسعادة بعد سماع مدحها لفستان الزفاف الذي صممته.
كان الفستان بقصة صدر على شكل قلب مكشوف الكتفين، يلتف بإحكام حول الجذع العلوي، مزين بخيوط فضية وألماس صغير، وأسفله حاشية بيضاء كالزهور.
التصميم كان أنيقًا وعتيق الطراز، يناسب الأميرة تمامًا.
استدعت الإمبراطورة خادمة كانت بجانبها، وظهر صندوق مجوهرات فاخرٌ أمام دانا.
“هذا التاج. أردت أن أمنحه لكِ اليوم.”
“تاج؟ هذا مخصص فقط للإمبراطورة…”
تساءلت دانا بدهشة.
أومأت الإمبراطورة برأسها وأضافت.
“نعم، فقط إمبراطورة الإمبراطورية يمكنها ارتداء هذا التاج، لكن هناك استثناءات.”
حملت التاج ووضعته على رأس دانا.
تألقت الألماسات البيضاء على شعرها الأسود بشكل مذهل.
“الإمبراطورة تسمح لابنتها المحبوبة بارتدائه عند زفافها.”
“… صاحبة الجلالة الإمبراطورة.”
“أنا أعتبرك ابنتي من أعماق قلبي.”
كوني سعيدة، دانا.
بدأت دموع دانا تتجمع في عينيها.
الشعور الدافئ الذي اجتاح صدرها كان يملأ قلبها بالراحة.
“أوه، لم أقصد أن أجعلكِ تبكين.”
مسحت الإمبراطورة دموعها بلطف.
في تلك اللحظة، سمعوا صَخبًا خارج غرفة الملابس.
“يا صاحب السمو، لا ينبغي لكَ رؤية العروس قبل الزفاف! وإلا ستصبح حياتكما الزوجية غير سعيدة…”
“خرافة، هذه مجرد خرافة.”
كان الصوتان للماركيز والأمير الثالث.
واصل إدوين الحديث مؤكّدًا أن الأمر مجرد خرافة.
“كشخص يحبُّ دانا أكثر الجميع، هل من الخطأ أن أراها قبل الزفاف؟”
“هاه، أنا أحب دانا أكثر من أي أحد!”
أنهت الإمبراطورية الضجيج بدعوتهما للدخول.
“كفى، تعالوا الآن.”
تقدم إدوين بخطوات واثقة، وما إن رأى العروس أمامه، حتى فقد القدرة على الكلام.
“……”
كانت إطلالة دانا ساحرةً، ما مِن كلماتٍ تعبّر عن جمالها.
و بـفستانها ناصع البياض، ابتسمت دانا.
“أعتقد أنني أبدو جيدة اليوم.”
شعر إدوين أن وصفه بالكلمات غير كافٍ.
‘جيدة’؟ لا، هذا أقل من الحقيقة.
الفستان المتلألئ وابتسامتها المشرقة قلبا رأسه بالكامل.
غاص إدوين في إعجابه بها لدرجة أنه فقد القدرة على التفكير.
“أوه، آه! هه…”
كسر صمت اللحظة صوت بكاء الماركيز.
“حفيدتي تتزوج….”
“جدي، لقد أتممنا تسجيل الزواج منذ فترة طويلة.”
نظر الماركيز إلى دانا المحرجة واستمر في البكاء، مما جعل دموع دانا تتلاشى تمامًا.
“الزفاف سيبدأ قريبًا! استعدوا بسرعة…!”
صرخت شارلوت مسرعة، وتابعت تعديل مكياج دانا والتأكد من تفاصيل الفستان.
“ماذا تفعل؟ ألن تأخذ العروس؟”
قالت الإمبراطورة، مشيرة لإدوين أن يرافق دانا بما أنه جاء إلى هنا بالفعل.
أخذ إدوين عروسه المنتظرة، وفاضتْ عيناه بمشاعر الحب تجاهها.
“….”
نظر الماركيز الذي بقي وحيدًا إلى النافذة المفتوحة.
تأمل السماء الزرقاء وتخيل ابنته.
‘هانييل، ابنتكِ المحبوبة تقيم زفافها اليوم.’
أتمنى لكِ السعادة والبركة.
اليوم، شعرَ برغبةٍ شديدة برؤية ابنته التي رحلت عن العالم.
التعليقات لهذا الفصل " 152"