الفصل 147
كان الإمبراطور منهمكًا منذ الصباح في شؤون الحكم.
فقد كان عليه تنظيم القضايا التي ستُطرح في اجتماع النبلاء المرتقب.
وكعادته، كان يلتهم بسكويت مربّى البرتقال وهو يركّز في عمله.
كراش—!
في تلك اللحظة، اندفع كبير الخدم إلى المكتب على عجل.
“جلالة الإمبراطور، جلالة الإمبراطور!”
كح، كح!
فزع الإمبراطور وشرق بالبسكويت.
“آخ! ألم أقل لك ألا تزعجني وأنا آكل البسكويت!”
“هذا وقت إدارة شؤون الدولة، لا وقتُ أكل البسكويت!”
“ومن قال لك أن تُقرّر ذلك؟ تكلّم، ما سبب اقتحامك!”
“حدث أمر خطير! الوحوش تعيث فسادًا في العاصمة!”
“……وحوش؟”
كان في الأمر ما يثير الريبة.
فالوحوش تعيش عادة في الشمال فقط.
ولو دخلت العاصمة، لكان فرسان الحراسة على الحدود قد اكتشفوها فورًا.
فكيف تظهر فجأة دون سابق إنذار……؟
الهجوم المفاجئ أدهش الإمبراطور أيضًا.
لكن سرعان ما استعاد هدوءه وصفاء ذهنه.
“استدعِ قائد الحرس الملكي فورًا. وتحقّق أيضًا إلى أي مرحلة وصل تطوير الجرعات لدى صاحبة السموّ الأميرة.”
قالها الإمبراطور لكبير الخدم بعد أن أصدر حكمًا عقلانيًا في لحظات قليلة.
وسرعان ما وصل قائد الحرس الملكي إلى المكتب، فتلقّى الأوامر مباشرة.
“خفّض عدد الحرس المكلّفين بحماية القصر إلى الحد الأدنى، وشارك مع قوات الأمن والحراسة في قتال الوحوش.”
“نعم، مفهوم.”
“وكذلك، سأرسل فرقة تحقيق لمعرفة السبب، واحرصوا على حمايتهم أيضًا.”
انحنى قائد الحرس، ثم غادر المكتب مسرعًا لتنفيذ الأوامر.
وبعد قليل، وصل كبير الخدم إلى قصر وليّ العهد.
هناك كان يوجد مختبر الجرعات الذي أُنشئ بدعمٍ من الإمبراطور.
وعلى غير المتوقع، كان من استقبله هناك مشهد الأربعة وهم في غاية الفرح.
صاحبة السموّ الأميرة، وساحر القصر، والطبيب الإمبراطوري الأكبر، ورئيس قسم تصنيع الجرعات، كانوا يتبادلون الثناء دون تحفظ.
“أن تكتمل الجرعة بهذه السرعة، الفضل كله لصاحبة السموّ الأميرة!”
“بل بفضل مساعدتكم جميعًا……!”
عند سماع حديثهم، صاح كبير الخدم على عجل.
“هل نجحتم في تصنيع الجرعة؟”
“ما الذي جاء بك إلى هنا، أيها السيّد كبير الخدم……؟”
لكن لم يكن هناك متّسع للفرح.
“الوحوش تجوب العاصمة الآن! أسرعوا بإحضار الجرعات……!”
الوحوش……؟
تفاجأ الجميع بالموقف غير المتوقع.
وأشار الطبيب الإمبراطوري إلى الصناديق المكدّسة بجانبه.
“على الأقل، هذه الكمية……!”
تفاجأ كبير الخدم بكمية الجرعات الكبيرة، فتابع الطبيب قائلاً.
“صاحبة السموّ الأميرة اقترحت أن نُرسل الجرعات أولًا إلى الشمال، لذا…….”
وبفضل دانا، جرى تصنيع كمية كبيرة من الجرعات.
“إذًا علينا صنع المزيد فورًا!”
وعادت الثلاثة، باستثناء دانا، ليقفوا مجددًا أمام جهاز التخمير.
“المواد كافية، لذا أرجو منكم تولّي تصنيع الجرعات.”
قالت دانا لهم بهدوء، ثم نظرت إلى كبير الخدم.
“سأمرّ أولًا على مكانٍ ما، وبعدها سأتوجّه إلى الميدان.”
“الميدان؟ هل تنوين التدخّل بنفسك يا صاحبة السموّ الأميرة؟”
اتّسعت عينا كبير الخدم دهشة.
***
كانت العاصمة في حالة فوضى عارمة بسبب الوحوش التي ظهرت فجأة.
انشغل الحرس في كل منطقة، ومعهم فرسان القصر الإمبراطوري، بصدّ الوحوش.
وأثناء مراقبة الوضع، مال فريق التحقيق في الوحوش برؤوسهم باستغراب.
“حجم الوحوش صغير جدًا.”
“وفوق ذلك، شكلها مختلف على نحوٍ غريب عن باقي الوحوش. كأنها عُدّلت قسرًا.”
وبعد مراقبة تحت حماية الفرسان، توصّل فريق التحقيق إلى أن الوحوش تظهر من مكانٍ واحد محدّد.
“علينا تحديد الموقع بدقّة، لكن…….”
الهجمات الشرسة للوحوش حالت دون الاقتراب.
كان مواطنو الإمبراطورية يصرخون وهم يفرّون، هربًا من الوحوش.
والفرسان كانوا يقاتلون بكل ما لديهم.
لكن أحد الوحوش التي لم يتمكّنوا من صدّها لمح طفلًا في وسط الساحة.
“نـ، النجدة……!”
ارتجف الطفل بجسده كله وهو يطلب النجدة.
كأن قدميه قد التصقتا بالأرض، لم يستطع التحرّك، واكتفى بالبكاء.
يبدو أنه صُدم بشدّة من هذا الكائن الغريب الذي يراه للمرة الأولى.
زأر الوحش بلا تردّد واندفع نحو الطفل.
أسرع فارس كان بعيدًا نسبيًا بالاندفاع نحوه، لكن المسافة لم تكن كافية ليصل سيفه.
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت انفجار.
كوااانغ—!!
غطّى دخان أبيض كثيف الوحش.
“قنبلة!”
“من الذي رمى القنبلة!”
مهما كان الهدف القضاء على الوحش، كيف يُرمى سلاح باتجاه طفل!
غضب مواطنو الإمبراطورية.
من هذا؟!
ومن بين الدخان الأبيض، ظهر ظلّ إنسان.
كان ظلّ امرأة نحيلة.
كواك-!
وفي تلك اللحظة، سُمع صوت ارتطام الوحش الذي كان يهاجم الطفل وهو يسقط أرضًا.
ومع انقشاع الدخان تدريجيًا، ظهر الطفل سالمًا دون أذى.
ثم دوّى صوتٌ صافٍ وواضحٌ موجّهًا إلى المواطنين.
“اطمئنّوا، المكوّنات غير مؤذية للبشر!”
كان مصدر الصوت هو المرأة التّي ظهرت قبل قليل.
وكما قالت، لم يخلّف الانفجار أيّ أذى للناس.
ومع انكشاف الرؤية، بدأ الفرسان بمهاجمة الوحش الساقط.
أُبعد الطفل بسرعة إلى مكانٍ آمن، وبقيت المرأة ذات الشعر الأسود واقفة بثبات.
“من تكون تلك؟”
“هي من رمت القنبلة.”
“تلك المرأة……؟”
وفي تلك اللحظة، اندفع من الخلف فرسان يرتدون دروعًا تحمل شعار القصر الإمبراطوري.
“يا صاحبة السموّ الأميرة، التقدّم وحدك خطر!”
الأميرة……؟
تلوّنت وجوه المواطنين بالصدمة.
عادةً، عندما يتم زواجٌ ملكي، يزور أفراد العائلة الإمبراطورية العاصمة ويتلقّون التهاني من الشعب.
لكن بما أنّ زفاف الأمير الثالث لم يُقم بعد، كان كثير من المواطنين يجهلون زواجه أصلًا.
فإذا بالأميرة التي لم يكونوا يعرفون بوجودها تواجه الوحوش بنفسها من أجلهم…….
وبينما الجميع مذهولون يحاولون استيعاب الموقف، صاحت دانا في الفرسان.
“هذه قنابل تشلّ حركة الوحوش! صُنعت باستخدام نباتات التطهير، وهي آمنة على البشر!”
وبدأ فرسان القصر الذين جاؤوا معها بتوزيع القنابل على الفرسان المحيطين.
وبحسب تعليماتها، أخذ الفرسان يرمون القنابل نحو الوحوش.
وعندها، أصبح القتال أسهل بكثير.
فكلما انفجرت قنبلة، كانت الوحوش التي تصيبها تتلوّى ألمًا، ويقضي عليها الفرسان بسرعة.
كان هذا هو السلاح الذي كانت دانا تطوّره طوال تلك الفترة.
قنبلة لا تتطلّب سوى سحب الحلقة ورميها، ويمكن استخدامها حتى دون مهارات قتالية خاصة كالمبارزة.
ومع إمداد فرسان الحرس السريع بالقنابل إلى مواقع القتال، هدأت المعارك في أرجاء العاصمة إلى حدٍّ كبير.
ومع استقرار الوضع، وصل الطبيب الإمبراطوري، وساحر القصر، ورئيس قسم تصنيع الجرعات، متّبعين الفرسان.
وبدأوا بتوزيع زجاجات الجرعات التي صنعوها على المواطنين.
“انثروها حول منازلكم أو في المناطق المزدحمة! ستحمي الناس من الوحوش!”
“هذه جرعات صُنعت بالتعاون مع صاحبة السموّ الأميرة!”
أخذ المواطنون زجاجات الجرعات وهم يقدّمون الشكر.
“شكرًا جزيلًا، يا صاحبة السموّ الأميرة!”
ثم صاح أحدهم متأثرًا.
“إذًا لهذا السبب أجّلتِ حفل الزفاف، لتطوير هذا!”
هاه؟!
تخمينٌ واحد متسرّع وَلَّد سوء فهمٍ كبيرًا.
“أن تتنبّئي بمثل هذا الوضع وتؤجّلي حتى الزفاف……!”
“سنراكِ في يوم الزفاف القادم!”
لا، لا! ليس هذا السبب!
أصيبت دانا بالذعر.
‘السبب هو هروبي الطائش من قاعة الحفل!’
لكن وسط هتاف الناس، لم تجد فرصة لتوضيح الأمر.
وهكذا، دون أن تشعر، أصبحت دانا بطلةً في نظر شعب الإمبراطورية.
***
وبعد أن هدأت الأزمة إلى حدٍّ ما، توجّهت دانا إلى القصر الإمبراطوري.
كان عليها أن ترفع تقريرًا عن الوضع والأسلحة.
قادها كبير الخدم إلى قاعة الطعام.
“دانا، صغيرتي!”
ما إن فُتح الباب، حتى كان أول من استقبلها هو مركيز آريا.
كانت تتوقّع أن تُوبَّخ لخوضها موقفًا خطيرًا مرة أخرى، لكنَّ ما سمعته كان كلماتٍ دافئة.
“أنتِ حقًا تشبهين أمّك. هانييل أيضًا كانت، كلما حدث أمر سيّئ في الإقطاعية، أول من يندفع إلى الأمام.”
ابتسم وهو يضحك بعينين دامعتين.
“يبدو أنني لم أعد أستطيع منعكِ. حفيدتي الشجاعة.”
“……جدي.”
تعانق الاثنان.
ومن مقعده، ابتسم الإمبراطور برضا.
“دانا، يا كنتي! أنتِ حقًا مذهلة!”
كان واحدًا من القلّة الذين يعرفون خطة دانا مسبقًا.
التعليقات لهذا الفصل " 147"