الفصل 135
كان إدوين يتلقى التقارير في مكتب العمل بقصر الأمير.
كانت الوثائق التي قدّمها له المساعد بيتر متنوعة.
تقارير أعمال فرقة فرسان الرون، مستجدات جبل الوحوش، وحتى معلومات تتعلّق بدوقية تشايلد…… كان بيتر ينقّب في كل زاوية بدقة متناهية.
بعد أن أمضى وقتًا طويلًا يبدّده في الخربشات بلا فائدة، شعر أخيرًا أنه أُسند إليه عملٌ حقيقي، ولهذا كان بيتر يعيش أيامه بسعادة.
وقد أصبح الآن معروفًا في قصر الأمير الثالث بأنه مدمن عمل.
قدّم بيتر تقريره الموجز وهو يسلّم الملفات.
“كما أمرتَ يا صاحب السموّ، أرسلنا فرسان القصر الإمبراطوري إلى جبل الوحوش. ستشتدّ الحراسة هناك.”
“حسنًا.”
“وأيضًا، ألم توكل مهمة إلى نائب قائد الحرس؟ يبدو أن قائد الحرس يحسده بسبب ذلك.”
إذ أدرك أنه أُقصي عندما رأى تصريح التحقيق الإمبراطوري الذي مُنح لمرؤوسه.
“لا يعرف قدر نفسه.”
بدلًا من التأمّل في أخطائه، لجأ إلى المضايقة، فارتسمت سخرية خفيفة على شفتي إدوين.
“أوقف قائد الحرس عن العمل. لا حاجة لشرح السبب، أليس كذلك.”
“نعم، مفهوم.”
“أبلغ نائب القائد أننا سنحقق اليوم في دوقية تشايلد.”
“تقصدُ القصر الموجود في العاصمة؟”
“نعم، سأذهب بنفسي.”
وبما أنها عائلة سحرة، لم يكن يعلم ما نوع الآليات أو الفِخاخ الموجودة.
ولهذا كان من الأفضل أن يرافقهم هو، لِما يملكه من قوة سحرية كبيرة.
“إذًا، سأتوجّه حالًا و……”
“انتظر لحظة.”
تجمّد تعبير إدوين، الذي كان هادئًا طوال الوقت، فجأة ببرودة حادّة.
“…….”
وفي لحظة، غمر القلق وجهه.
حتى بيتر، الذي كان على وشك أن يسأل: ‘هل حدث أمر ما؟’، أغلق فمه.
كان الأمير الثالث يبدو وكأنه على وشك أن يفقد صوابه من التوتر.
“……أين ذهبت دانا؟”
دانا هو اسم زوجة الأمير.
‘يقطع عمله فجأة ويسأل عن سموّ الأميرة؟’
تسلّل الشك إلى بيتر لوهلة، هل يعاني سيّده من الهوس المرضي؟
أمر إدوين بيتر قائلًا.
“الأميرة القرينة ابتعدت كثيرًا عن نطاق دائرة وزارة السحر. توجّه فورًا إلى الحرس الإمبراطوري.”
لحسن الحظ، بعد وضع العلامة، كان قادرًا على استشعار المسافة بينه وبين دانا.
وكان نطاق تحركاتها محدودًا وبسيطًا.
إذ لم تكن تذهب إلا بين المنزل ووزارة السحر.
لكن دانا كانت تبتعد بسرعة متزايدة.
سأل بيتر بحذر.
“ألا يمكن أنَّ الأميرة تتجوّل في القصر الإمبراطوري؟”
هزّ إدوين رأسه نفيًا.
كانت دانا ذات طبع حذر ومهذّب.
ولو كان لديها فضول تجاه مكانٍ ما، لطلبت الإذن أولًا من الإمبراطور أو الإمبراطورة.
وفوق ذلك، كانت حاسة إدوين الشبيهة بغريزة الحيوان تخبره بشيء واحد.
أن زوجته في خطرٍ كبير.
كان القصر الإمبراطوري واسعًا للغاية، ويضمّ الكثير من الأماكن المغلقة التي لا يرتادها أحد.
“لم تبتعد كثيرًا. ليبحث نصف الحرس بالقرب من القصر، والنصف الآخر داخل القصر.”
وما إن أنهى كلامه حتى اندفع إدوين خارج قصر وليّ العهد ركضًا.
سارع بيتر بدوره إلى ترتيب الوضع.
‘سنؤجّل تفتيش دوقية تشايلد، والأولوية الآن للعثور على سموّ الأميرة.’
رغم قصر مدة خدمته، كان بيتر مخلصًا لإدوين من أعماق قلبه.
مقتنعًا بأنّ سيّده لن يقلق بلا سبب، أسرع هو الآخر إلى التحرّك.
***
مكانٌ ضيّق، جسدٌ منكمش، وصوت عجلاتٍ تَصطكّ…….
‘يبدو أنها عربة صغيرة.’
كلّ شيء كان يرهق دانا.
وفوق ذلك، لم تختفِ موجات النعاس المتدفقة إطلاقًا.
كأن قماشًا سميكًا غُطّي به جسد دانا، حتى إنّ التنفّس صار شاقًا.
ومع ذلك، حاولت تقييم الوضع.
استعادت أولًا آخر ذكرى لها مع كيرا.
‘ظهر فارسٍ غريب، ثم غُصتُ في النوم في لحظة…….’
ثم جرى اقتيادها إلى مكانٍ ما.
لقد اختُطفت.
هل ما زالت داخل القصر الإمبراطوري؟ أم نُقلت إلى مكانٍ بعيد أثناء نومها؟
في تلك اللحظة، سمعت من الخارج حديث رجال.
“هيه، إلى أين تجرّ هذا؟ هذا ليس اتجاه ساحة التدريب.”
“…….”
“هذا مريب، تعال إلى هنا.”
عند سماع كلمة ‘ساحة التدريب’، شدّت دانا نظرها.
لحسن الحظ، لم يغادروا القصر الإمبراطوري.
كان عليها أن تبقى واعية وتفرّ من هنا مهما كلّف الأمر.
لكن النعاس عاد ليزحف إليها مجددًا.
حاولت دانا أن تصرخ بكل ما أوتيت من قوة.
أنقذوني!
“ممف— ممف!”
عندها فقط أدركت أن فمها مسدود بشيءٍ ما.
كما أن ذراعيها كانتا ملتويتين خلف ظهرها، ومعصماها مقيّدين.
ثم سمعت صوت رجلٍ آخر.
“يا رجل، إنه ذاهب للتخلص من الأسلحة القديمة.”
راح يتحدّث عن وجود مكانٍ في أطراف القصر تُرمى فيه الأسلحة.
“من الواضح أن السيف قديم. عمل شاق، بالتوفيق.”
“…… شكراً لك.”
لا، لستُسيفاً، أنا هنا!
حين حاولت دانا إرسال إشارات بجسدها كله—
سرنغ—
صدر صوت احتكاك نصلٍ معدني.
كان تهديدًا واضحًا: أي حركة إضافية ستقابَل بهجوم فوري.
حاولت الصمود، لكن موجات النعاس التي اندفعت كالسيل أغرقتها مجددًا في النوم.
كم من الوقت مرّ؟
فتحت دانا عينيها مرة أخرى.
كان جسدها ثقيلًا كقطنٍ مبتل، ورأسها مشوشًا كأنه مغطّى بالضباب.
لحسن الحظ، لم يعد النعاس كما كان من قبل.
وصلت إلى أنفها رائحة العشب على فترات.
عندها فقط أدركت أنها ممدّدة فوق العشب.
كانَ معصماها مقيّدين خلف ظهرها، فلم تستطع حتى النهوض.
وكذلك كاحلاها.
أطرافها الأربعة كانت مقيّدة، ولا تستطيع فعل أي شيء.
في تلك اللحظة، دخلت قدمُ شخصٍ ما إلى مجال رؤيتها الضبابي.
“استيقظتِ؟”
كان الصوت الممزوج بالضحك مزعجًا للغاية.
جثا صاحب القدم على ركبةٍ واحدة، ثم أمسك بجذع دانا ورفعها بعنف.
اتّسعت عينا دانا حين واجهت وجه الرجل.
ديريك تشايلد……!
وزير وزارة السحر، والشخص الذي كان يخضع للتحقيق بتهمة العبث بنواة جبل الوحوش.
ما الذي يحدث؟ هل هرب من السجن؟ لا، قبل ذلك…….
‘لماذا اتخطفني……؟’
حدّقت دانا في ديريك بحدّة.
“آه، هل كنتُ عنيفًا أكثر من اللازم؟”
فأنتِ زوجة الأمير، بعد كل شيء.
أجلسها ديريك فوق جذع شجرةٍ مقطوع.
كانت دانا على وشك الصراخ: ما الذي تفعله؟ لكنها توقّفت.
كان فمها مكمّمًا بقطعة قماش.
“يبدو أن لديكِ الكثير لتقوليه، سأفكّه لكِ.”
ضيّق ديريك عينيه بابتسامة مستمتعة.
ما إن أزيل الكمّام حتى صرخت دانا بكل اتجاه.
“أنقذوني! هذا المجنون خطف إنسانًا!”
“تعيشين مع مجنون حقيقي، فما هذا الهراء.”
نظر ديريك إليها بتعبيرٍ ساخر.
“سموّ الأميرة، مهما صرختِ فلن يفيدك شيء. هذا مكان حرق الأسلحة.”
“إنه مجنون لدرجة أنه فقد عقله تمامًا!”
“لا تصغين أبدًا.”
سِرِنغ—
أخرج خنجرًا وهو يراقب دانا التي لا تتوقف عن الصراخ.
وصل نصل السكين إلى ما أمام عينيها مباشرة.
كان يكفي تحرّكٌ بسيط ليطعن عينيها.
“اسمعي جيدًا، سموّ الأميرة. هذا محرقة الأسلحة. يأتي الناس هنا مرة في الأسبوع لحرق الأسلحة البالية.”
“…….”
“عدا ذلك، لا يزور هذا المكان أحد. إطلاقًا.”
في الماضي البعيد، كان أفراد العائلة الإمبراطورية وكبار النبلاء يطلقون الحيوانات هنا ويمارسون الصيد للمتعة.
لكن الإمبراطور الحالي رأى أن الصيد لا ينبغي أن يكون لهوًا، فأغلق الغابة، ومنذ ذلك الحين تحوّلت إلى محرقة للأسلحة الخطِرة.
“أخيرًا، تؤدي الغابة دورها بعد زمن طويل.”
أشار ديريك بذقنه نحو دانا.
شعرت دانا بإهانةٍ شديدة لكونها تُعامَل كفريسة.
راحت عينا دانا تتحركان بسرعة.
خلف ديريك، رأت دروعًا وسيوفًا ملقاة.
لا شك في الأمر. كانت مطابقة لدرع الفارس الذي ظهر أمامها وأمام كيرا.
‘تنكّر في هيئة فارس، وجلبني إلى هنا.’
اهدئي، في مثل هذا الموقف يجب أن أكون باردة الأعصاب.
تماسكت دانا.
“ما سبب اختطافكَ لي؟”
عندها ابتسم ديريك ابتسامةً خبيثة.
“لأنكِ جنّية التطهير.”
“……!”
خفق قلبها بعنف.
كيف عرف أساسًا بوجود جنّية التطهير……؟
“تفاجأتِ؟”
ضحك ديريك بصوتٍ عالٍ.
“لديّ عيونٌ وآذان في كل مكان. لا تتخيلين كم انتظرتكِ طويلًا.”
“…….”
من أين، ومن مَن، وما نوع المعلومات التي حصل عليها ديريك؟
وكم يعرف عنها؟
ابتسم ديريك لِدانا.
“سيصل رجالي إلى هنا قريبًا. حتى ذلك الحين، كوني مطيعة.”
“……جنّية التطهير؟ ما الذي تعنيه بذلك؟”
تظاهرت دانا بالإنكار أولًا.
قال ديريك وهو يدور بابتسامةٍ بطيئة.
“ألم تكوني أنتِ من أنقذتِ الأمير الثالث؟”
التعليقات لهذا الفصل " 135"