الفصل 133
قضت دانا عطلةً أشبه بالحلم.
كانت غارقة في السعادة وهي تُمضي وقتها مع حبيبها الغالي إدوين.
وأكثر ما كان مميّزًا، أنها كوّنت عائلة جديدة.
دعا الإمبراطور وزوجته دانا وإدوين، وكذلك الأميرين الأول والثاني، إلى غداءٍ عائليّ.
كانت دانا متوترة جدًا لأنها المرة الأولى التي تلتقي فيها بإخوة إدوين.
لكن ما إن رأتْهم، لم تستطع منع نفسها من الضحك.
كانوا يشبهون إدوين إلى حدٍّ كبير.
هم أيضًا امتلكوا الشعر الذهبي اللامع والعيون الحمراء، دلالةً على انحدارهم من السلالة الإمبراطورية المباشرة.
استقبل الأميران دانا بسلوكٍ أنيق يليق بأفراد العائلة المالكة.
لكن مع مرور الوقت، لم يستطيعا إخفاء فضولهما تجاهها.
‘كيف التقيتِ بأخينا الصغير؟’
‘هل تعلمين أن هذا الطفل مجنون على عكس ما يبدو؟’
‘إنه مختل!’
عند سماع عبارات تطالبها بالفرار فورًا، ابتسم إدوين ابتسامةً مشرقة.
‘كأس أخي فارغ. هل أطعمكَ بنفسي؟’
لم يهدأ الأميران إلا بعد أن سمعا تهديدًا بسدّ أفواههما بالعصير إن لم يلتزما الصمت.
إدوين لا يرحم أحدًا فعلًا……
كلما عرفته أكثر، بدا لها زوجها شخصًا جديدًا.
كان الغداء ممتعاً.
الجميع رحّبوا بدانا بحرارة، وتعاملوا معها براحة.
قال الإمبراطور لكنّته.
“سمعتُ أن الإمبراطورة قررت أن تكون أماً لكِ؟”
“نعم، هذا صحيح.”
“إذًا سأكون أنا والدكِ!”
ابتسم الإمبراطور بابتسامةٍ حنونة.
“تقبّلينا كوالدين، وكعائلة.”
“شكرًا جزيلًا يا صاحب الجلالة.”
اغرورقت عينا دانا مرةً أخرى تأثرًا.
“أي صاحب جلالة؟ ناديني أبي!”
“…….”
“……هل تماديتُ قليلًا؟”
في تلك الليلة، أرسلت دانا رسالةً إلى جدّها.
أخبرته أنها بخير في القصر الإمبراطوري، وسعيدة لأن لديها عائلة جديدة.
وبما أنها ظنّت أن الماركيز قد يشعر بالغيرة، أضافت سطرًا واحدًا.
<مع ذلك، أشتاق إليك كثيرًا يا جدي.>
في اليوم التالي، نهضت دانا من السرير استعدادًا للذهاب إلى عملها.
كان إدوين، الذي جعل ذراعه وسادةً لها طوال الليل، يبدو متحسّرًا.
“تذهبين إلى العمل وتتركين زوجكِ…… أليس هذا قاسيًا قليلًا؟”
“من يراكَ يظن أننّي ذاهبة إلى الحرب.”
ضحكت دانا وهي تنظر إليه.
“سنكون في القصر الإمبراطوري نفسه، فما كل هذا الحزن؟”
“قلتُ لكِ. أشعر بابتعادكِ عني بكل جسدي.”
أشار إدوين إلى العلامة.
قالت له دانا وهي تستعد للخروج.
“على أي حال، سأقدّم استقالتي اليوم.”
“سريعٌ فعلًا.”
“في المرة السابقة، عندما قدّمت تقرير رحلة العمل…… حتى في تلك اللحظة القصيرة، شعرتُ أن الجميع غير مرتاحين لي.”
على الأرجح، لن تعود الأمور كما كانت.
قالت دانا بهدوء.
“بعدها، سأفكّر بهدوء في مستقبلي.”
أرادت أن تفكّر على مهل: ماذا تريد أن تفعل، وكيف تريد أن تعيش.
ابتسم إدوين برضًا وهو يرى ثقتها.
أيًّا كان ما ستفعله دانا، لم يكن يهمّه. المهم أن تبقى إلى جانبه.
قال بصوتٍ متحسّر.
“”ماذا سأفعل وحيداً في غيابكِ؟”
“اقرأ كتابًا. الرومانسية ستكون مناسبة.”
“إذًا عليّ أن أحضر ما في القصر.”
القصر؟ اتسعت عينا دانا وهي تتذكر المكتبة.
“لا تقل إنك…… ملأتَ المكتبة بروايات رومانسية……!”
وعندما فكّرت بالأمر، كانت كلها قصص حب مع أمراء.
“إذًا كنتَ تغسل دماغي منذ ذلك الحين!”
“غسل دماغ؟ هذا مؤذٍ.”
ضحك إدوين وهو يعانقها من الخلف.
***
“صباح الخير.”
ذهبت دانا إلى قسم إدارة الجرعات وهي تتظاهر بأنّ ما مِن شيء يحدث.
كانت تشعر بأن الجو من حولها متجمّد، لكنها تعمّدت ألا تُظهر ذلك.
“آه، أَهلاً…… صاحبة السمو الأميرة.”
الزملاء الذين كانوا يرحّبون بها بحرارة في السابق لم يعودوا موجودين.
وقفوا بتردد من أماكنهم.
بدا وكأنهم ينوون البقاء واقفين إلى أن تجلس دانا.
‘هذا مزعج حقًا…….’
كانت دانا تشعر بالحرج هي الأخرى.
لم يكن أمامها سوى أن تسرـع بالتركيز على عملها.
عندما فتحت الملفات متظاهرة بأنها لم ترَ شيئًا، جلس الجميع في أماكنهم وهم يراقبونها بحذر.
احتوت الملفات على تفاصيل دقيقة عن مكوّنات الجرعات التي صُنعت هذه المرة ونِسَبها.
مرّت دانا على المحتوى بسرعة.
بسبب إدارتها للجرعات يومًا بعد يوم، أصبحت معرفتها النظرية لا تقل عن معرفة المختصين.
بعد إخضاع الجرعات المصنَّعة في قسم التصنيع لرقابة صارمة، كانت تُسلَّم إلى السحرة لإضافة سحر الحفظ، وبذلك ينتهي الأمر.
وبحكم كونها حلقة الوصل في منتصف العملية، كانت على دراية لا بأس بها بطرق التصنيع والحفظ أيضًا.
‘إنّه أمر مريح فعلًا. سهل الحمل وسهل التخزين لفترة طويلة.’
توقفت دانا عن الحركة وهي تراجع الملفات وتفكّر في الجرعات.
كيف لم يخطر لي هذا من قبل؟
كانت قد شعرت بالغيرة من الإمبراطورة وإدوين بالأمس.
لأنهما قادران على تنفيذ هجوم جسدي مباشر بقوتهما.
‘لكن بهذه الطريقة…… لا يمكن حماية سوى من هم قريبون.’
لو أمكن إذابة قوة التطهير داخل جرعة، فسيكون بالإمكان حماية عدد أكبر من الناس.
وفوق ذلك، كان هذا مجالًا تعرفه جيدًا، على عكس فن المبارزة.
لكن الأمر لن يكون سهلًا…… هل أستطيع فعل ذلك حقًا؟
إن حبس قوة التطهير غير المرئية داخل جرعة سيكون مهمة شديدة الصعوبة.
‘لكنني أريد مساعدة الناس.’
ما إن تخيّلت أنها تستطيع مساعدة الكثيرين بقوتها، حتى شعرت بسعادة غامرة.
‘حقًا، لا وجود لتجربةٍ بلا فائدة.’
عملها في إدارة الجرعات من أجل لقمة العيش لم يذهب سدى.
كانت نباتات التطهير حسّاسة للغاية، لذلك لم يُورَّد إلى القصر الإمبراطوري سوى عدد قليل منها.
لكن إن لمستها يد دانا، فستتمكن نباتات التطهير من إطلاق قوة أكبر.
تخيّلت أن الناس في الأقاليم الأخرى سيتمكنون من الاستعداد للوحوش بسهولة أكبر، فشعرت بالحماسة.
أن تعتني بالنباتات التي تحبها وتساعد الآخرين في الوقت نفسه…… مجرد تخيّل ذلك كان أمرًا مُجزيًا.
ومع قدوم هذه السعادة غير المتوقعة، أدركت دانا شيئًا.
‘آه، هذا ما أريده حقًا…….’
منذ صغرها، كانت تشعر بالحماس والسعادة على نحو خاص كلما رأت الطبيعة.
ربما كان قدرها محددًا منذ البداية.
‘جدي كان يعلم ذلك بالفعل.’
من المؤكد أن الماركيز فكّر في مستقبلها قبلها.
ولهذا لم يتردد حين قال إنه سيورّثها لقب الماركيز.
كان أمامها الكثير مما يجب فعله.
وكان حماسها للمستقبل القادم أكبر من خوفها.
***
في التوقيت نفسه، دخل رجل واحد إلى سجن القصر الإمبراطوري.
كان ذا مظهر ذكي وملابس أنيقة.
“محامي دوقية تشايلد، آدم بوتون.”
تحقق الفارس من بطاقة هويته ثم فتّش جسد المحامي.
لم يُعثر على أي سلاح أو أداة سحرية مريبة.
“تفضل بالدخول، سأقودك.”
قاد الفارس الرجل نحو غرفة ديريك.
فُتح الباب المغلق بإحكام، كاشفًا عن ديريك الممدد على السرير.
في الآونة الأخيرة، كان يقضي وقتًا أطول في النوم.
ومثلَ حال أولئك الذين استسلموا، بدا عليه الخمول.
“محامي دوقية تشايلد، آدم بوتون.”
كرر المحامي العبارة نفسها تمامًا.
تثاءب ديريك ونهض بتمهّل.
“أخيرًا جئت.”
جلس الاثنان متقابلين وبينهما طاولة واحدة.
وقف الفارس عند الباب ليتأكد من أن السجين لن يقوم بأي تصرف أحمق.
“هل ستبقى واقفًا هناك؟”
سأل ديريك الفارس، فأجابه بوجه جامد.
“هذا واجبي.”
“عنيد.”
لنبدأ.
أشار ديريك إلى المحامي.
أخرج المحامي ورقة وقلم حبر من الحقيبة التي أحضرها.
بدا وكأنه سيكتب ملابسات القضية.
في تلك اللحظة، أخذ ديريك الورقة وغطّى بها وجهه.
تشوّهت الورقة ثم التصقت بوجه ديريك.
كانت تغطي أنفه وفمه بإحكام.
“ما هذا……!”
عند المشهد المريب، اندفع الفارس إلى داخل الغرفة.
في اللحظة نفسها، فتح المحامي غطاء القلم.
فوووس-
لم يكن ما في رأس القلم سنّ، بل دخانًا أسود.
شعر الفارس بأن القوة تسحب من جسده.
كان الدخان قنبلةً منوّمةً شديدة الفعالية.
حاول الفارس مقاومة النوم حتى احتقنت عيناه بالدم، لكنه سقط في النهاية.
مدّ ديريك يده نحو جسده الملقى على الأرض.
التعليقات لهذا الفصل " 133"