الفصل 128
بعد أن تحدّثت دانا وإدوين مع الماركيز حتى وقت متأخر من الليل، توجّها إلى الغرفة في أعلى طابق.
كانت غرفة اللّعب التي كانت دانا تستخدمها في طفولتها.
ما إن فُتح الباب ودخلا، حتى وقعت عيناها على قطع أثاث صغيرة الحجم.
سرير أبيض ناصع، ودُمى لطيفة، وحتى طاولة صغيرة جميلة.
“إنها فعلًا غرفةٌ لطفل…….”
ابتسمت دانا ابتسامة مُرّة.
لقد كبرت أكثر من اللازم لتستخدم هذه الغرفة.
قالت الخادمة التي أرشدتهما بوجه حزين.
“كان الماركيز يحرص على تنظيف هذا المكان يوميًا.”
ليام لم يتخلَّ عن الأمل حتى النهاية، وكان ينتظر دانا.
جلست على الأريكة الموضوعة إلى أحد جوانب الجدار.
كانت أريكة تتسع لجلوس شخصين بالغين.
وجلس إدوين إلى جانبها أيضًا.
ضمّها إليه وأمالها لتستند إلى كتفه.
“كيف تشعرين؟”
صمتت دانا قليلًا عند سؤال إدوين.
فقد تداخلت في داخلها مشاعر كثيرة.
“أنا سعيدةٌ لأنني وجدتُ جدي.”
“وأيضًا؟”
“أشتاق إلى والداي.”
“وغير ذلك؟”
“أريد أن أحطّم ذلك الوغد الذي جعلنا هكذا.”
“سأساعدكِ. سنجده معًا وسأقتله.”
همس بكلمات قاسية.
جلست دانا على الأريكة وأخذت تتأمل الغرفة بصمت.
“أظنني أفهم لماذا توجد الأريكة هنا.”
“صحيح، من هذا المكان يمكن رؤية الغرفة كلها.”
“يبدو أنهما كانا يجلسان هنا ويراقبانني وأنا ألعب.”
كان المحبة الموجَّه لطفلٍ واضحًا في أرجاء الغرفة.
خوفًا من أن تصطدم هنا أو هناك، كانت زوايا الأثاث ملفوفة بالقماش، وكان هناك ألعابٌ معلقة، تبدو كأنها مصنوعةٌ يدويًا.
ضحكت دانا على أشكالها المتواضعة.
“يبدو أن والديَّ لم يكونا بارعين في الأعمال اليدوية.”
شعرت بوخزة دافئة في صدرها تجاه ذكريات لا تتذكرها أساسًا.
ثم وُجِّه إليها صوت لطيف.
“دانا، هل يعجبكِ هذا المكان؟”
“نعم، يعجبني. ليس لأنه موطني فحسب، بل لأنه يجعلني أشعر بالراحة حقًا.”
“إن أردتِ، فلنَعِش هنا معًا.”
اتسعت عينا دانا عند تلك الكلمات.
“إدوين، أنتَ أمير.”
“لا بأس أن لا أعيش في القصر الإمبراطوري.”
تنهدت دانا.
“قلتُ لك من قبل، لا تُضحِّ بالكثير من أجلي.”
“لم أُضحِّ بشيء.”
“ماذا؟”
ارتسمت ابتسامة منحنية على عيني إدوين.
أمسك بيد دانا بإحكام.
“دانا، أنا لا أهتم بشؤون الحكم. ولا أرغب بحياة مقيّدة بالقصر الإمبراطوري.”
“…….”
“فلنَعِش كلٌّ منا الحياة التي يريدها. أنا كقائد لفرسان الرون، وأنتِ كمركيزة أريا.”
“هل هذه هي الحياة التي تريدها……؟”
“نعم، حياة أكون فيها معكِ.”
“لكن، بصفتك أميرًا، لديكَ مناسبات واحتفالات كثيرة و…….”
“دانا.”
ابتسم إدوين ابتسامة مازحة.
“حتَّى احتفال تأسيس هذه السنة، لم يكن أحد يعرفُ وجهي.”
الأمير الثالث لم يكن يشارك في الفعاليات لأنه يجدها مزعجة.
“لم أظهر إلا قليلًا من أجل الزواج الوطنيّ.”
لن يكون هناك ما يزعجكِ بعد الآن.
وحين صمتت دانا، أضاف إدوين شرحًا.
“لا داعي للذهاب إلى العاصمة. وإن أردتِ، حتى الفعاليات الإمبراطورية أيضًا…….”
في تلك اللحظة، ابتعدت دانا عن إدوين، ونظرت إليه ثم انفجرت ضاحكة.
رمش إدوين بعينيه مندهشًا من ردّة الفعل المفاجئة.
“إدوين، تعال إلى هنا.”
فتحت ذراعيها وهي تبتسم على اتساعها.
وبرغم ذهوله، احتضنها إدوين بإخلاص، ضامًّا إياها إلى صدره.
دفء ناعم تسلّل إلى صدر إدوين.
فتحت دانا فمها بصوت مفعم بالضحك.
“لا داعيَ لأن تقول كل هذا.”
“…….”
“أنت خائف الآن، أليس كذلك؟ خائف من أن أرحل.”
“……نعم.”
كان إدوين يواصل الشرح خشية أن تفزع دانا مرة أخرى من مكانتها.
أنَّ منصب الأميرة لن يؤذيكِ يا دانا.
“أحبكَ يا إدوين.”
اعتراف دانا جعل وعيه يبتعد عنه.
تلك الكلمات التي تبقى حلوة مهما سُمعت.
“أعني أنني أحبكَ بكل ما أنت عليه، أيًّا كان شكلكَ.”
“هل تقبلينني كما أنا بالكامل؟”
“نعم، إدوين، أنتَ بذاتك.”
لذا، لا داعي لأن تُجهد نفسك أكثر.
كلمات دانا هدّأت قلب إدوين القَلِق.
“منذ اللحظة التي قررتُ فيها أن أكون معكَ، فكّرتُ كثيرًا. أدركتُ أنه لا يمكنني الهروب من الواقع إلى الأبد.”
ابتعدت دانا قليلًا عن حضنه ورفعت رأسها.
شعر إدوين بفراغٍ مفاجئ، فارتسمت خيبة على وجهه.
“تعرف، إدوين.”
لمست دانا خده برفق.
وكأن شيئًا ما انكسر، لانَ بصر إدوين على الفور.
“نعم، دانا.”
“لنعد إلى العاصمة غدًا.”
“غدًا؟”
اتسعت عينا إدوين.
كان يظن أنها ستقضي وقتًا أطول مع العائلة التي وجدتها أخيرًا.
“لا أستطيع تأجيل عملي في قسم إدارة الجرعات أكثر من هذا. وفوق ذلك…….”
أظلم تعبير دانا.
“تصرفي في الحفل كان متهورًا جدًا، بصفتي أميرة.”
“ذلك كان بسببي…….”
هزّت دانا رأسها.
“أريد أن ألتقي بجلالة الإمبراطور وجلالة الإمبراطورة وأعتذر لهما. وسأؤدي على الأقل واجبي كأميرةٍ من الآن فصاعدًا.”
من أجل أن أكون معكَ.
أنهت دانا كلامها وابتسمت.
لم يستطع إدوين أن ينطق بكلمة لبرهة.
كانت دانا قد عانت كثيرًا لأن منصب الأميرة كان عبئًا ثقيلًا عليها.
لذا كان يدرك كم من التفكير احتاجته لتصل إلى هذا القرار.
“شكرًا لكِ، دانا.”
قالها إدوين من قلبه.
“علينا أيضًا أن نناقش أمر الزفاف.”
“……الزفاف؟”
لمعت عينا إدوين بوضوح.
قالت دانا بنبرة استسلام.
“على أي حال، إنه زواجٌ وطني، أليس من الطبيعي أن نقيم حفل زفاف؟”
أن يُعلَنا أنهما زوجان أمام الجميع.
خفق قلب إدوين بحماس.
***
في صباح اليوم التالي، غادرت دانا وإدوين قصر الماركيز حاملَين حقائب السفر.
حاول ليام توديعَهما متظاهرًا بالهدوء.
“ألستَ حزينًا؟”
لكن آنسي سألت بصوتٍ عالٍ بلا مراعاة.
“حزين؟ ومن قال ذلك!”
“كلُّ شيء مكتوب على وجهك.”
وعندما دوى الحوار، اقتربت دانا من ليام.
“سأعود قريبًا يا جدي. لنقضِ وقتًا طويلًا حينها.”
“أنا بخير حقًا. لا تقلقي.”
لا يبدو كذلك…….
رمقته آنسي بنظرة جانبية.
”انتبهي لنفسكِ هناك، وتناولي طعامكِ جيداً، وإذا ضايقكِ أحد فأخبري هذا الجدّ……”
“سأتولى أنا هذا الأمر.”
قالها إدوين وهو يظهر من الخلف، واضعًا ذراعه حول كتف دانا.
ابتسامته المشرقة تحت ضوء الشمس لم تُعجب ليام إطلاقًا.
“سافرا بسلام…….”
أجاب ليام بشفتين مقطبتين.
داخله كان يغلي، بينما الأمير هادئٌ دائمًا.
مهما نظر إليه، كان صهرًا مُزعجًا.
“اعتنِ بنفسك، جدي.”
قالت دانا بصوتٍ دافئ.
وحين رأى عينيها الزرقاوين المشابهتين لعينيه، لان قلبه على الفور.
“عودا بسلام.”
ودّعتهما آنسي وسكان الإقليم أيضًا بأسف.
***
بعد وصولهما إلى وزارة السحر عبر البوابة، افترقا.
توجّه إدوين إلى القصر الإمبراطوري قائلًا إن لديه ما يفعله، بينما ذهبت دانا إلى مكتب قسم إدارة الجرعات.
تقدّمت مباشرة إلى توني وسلّمته تقرير المهمة.
“آه… أحسنتِ…… يمكنكِ الانصراف…….”
كان الجميع يعامل دانا بتحفّظٍ على غير العادة.
“سأنهي الأعمال المتراكمة ثم أذهب.”
ركّزت على العمل دون أن تقول شيئًا.
حتى من كانوا يراقبونها بحذر في البداية، عادوا إلى أوراقهم بعد أن رأوا موقفها.
لم يكن أحد يجرؤ على إثارة الضجيج أمام أميرةٍ حازمة.
بعد ساعات، نهضت دانا وقالت للجميع.
“سأنصرف الآن.”
“أه! آه، نعم……!”
وقبل أن تغادر المكتب، ابتسمت دانا لكيرا.
“لنتحدث لاحقًا.”
“دانا…….”
وحين خرجت دانا، غمر كيرا شعور بالكآبة.
ظلّت صورة دانا الأخيرة عالقة في ذهنها.
شعرت وكأنها جرحت صديقة.
سارت دانا في الممر الطويل.
‘إلى أين ذهب إدوين؟’
وبينما كانت تفكر، رأت إدوين واقفًا أمام المدخل الرئيسي لوزارة السحر.
بدا وكأنه جاء لاستقبالها بعد أن أنهى عمله.
تقدّم إدوين أولًا وأمسك بيد دانا بإحكام.
“إذًا، سنذهب الآن إلى القصر الإمبراطوري؟”
فزعت دانا عند كلماته.
الآن؟ فورًا؟ أنا لست مستعدة نفسيًا بعد…….
كانت قد استعجلت العودة إلى العاصمة بسبب العمل المُؤجَّل.
ثم كانت تنوي التفكير بكيفية الاعتذار لأفراد العائلة الإمبراطورية.
“إدوين، انتظر قليلًا…….”
برغم حديثها الواثق أمس، إلا أن الواقع حين حضر جعل قلبها يرتجف.
كيف أعتذر لجلالة الإمبراطور وجلالة الإمبراطورة……؟
“إدوين، لم أكن أنوي مقابلة جلالتهما بهذه السرعة…… ليس الآن. قلبي سيتوقف.”
“دانا، كلما كان الأمر أصعب، كان من الأفضل إنجازه بسرعة.”
واصل إدوين استعجال الذهاب إلى القصر.
في رأسه لم يكن هناك سوى الزفاف.
“اصعدي.”
“مـ-ما هذا؟!”
كانت عربةٌ فاخرة بانتظارهم أمام وزارة السحر.
متى أعددتَ هذا؟!
“هل هذا ما كنتَ تحضّره؟”
كانت عربة بالغة الفخامة.
الآن؟ نذهب الآن؟
شهقت دانا.
“لِمَ العربة؟”
“مَن الذي سيركبها؟”
همس الموظفون المحيطون عند رؤية العربة الفاخرة.
وحين شعرت دانا بنظراتهم، احمرّ وجهها وصعدت بسرعة.
“كان بإمكاننا الذهاب سيرًا…….”
“القصر الإمبراطوري بعيد نوعًا ما.”
إذًا، ماذا عن الموظفين الذين يمشون دائمًا…….
وبعد أن جلسا، انطلقت العربة.
“علينا العودة إلى منزلنا الآن.”
“هـ-هم؟ آه…….”
“اتفقنا أن نحيّيهم بشكل رسمي في المنزل.”
ابتسم إدوين لدانا ابتسامة مشرقة.
شعره الأشقر كأنه مغموس بالعسل، وعيناه المنحنيتان برقة، وأنفه الحاد وفكّه القوي…….
كان وسيمًا على نحوٍ لافت اليوم.
‘وسيم كعادته…….’
“هل يعجبكِ وجهي إلى هذه الدرجة؟”
ما قطع سلسلة أفكار دانا كان سؤال إدوين البريء.
“أعجبني… لا، هذا ليس ما عنيته!”
فتحت دانا نافذة العربة.
ظهر القصر الإمبراطوري المهيب.
أحتاج فقط… قليلًا من الاستعداد النفسي!
“هاها… إدوين، هل يمكن أن نؤجل الأمر ليوم آخر؟”
“لا يمكن، دانا.”
قالها وهو يحتفظ بابتسامة حانية عند شفتيه.
“وعدتِ بأن تقبليني بالكامل، أليس كذلك؟”
“……”
“منذ اللحظة التي رأيتكِ فيها، كنتِ دومًا لي.”
نظراته المثبتة عليها كانت تغلي بهوس مكبوت.
ثم وبكلِّ ثقة، ابتسم وهو يقول:
“هيا نعود إلى المنزل.”
“المنزل؟ تقصدُ القصر الذي كنا نعيش فيه؟”
هاها…….
تعلّقت دانا بأملٍ واهٍ.
“مستحيل.”
دهست العربة آمالها وتوقفت أمام القصر الإمبراطوري.
قُلتَ إننا ذاهبون إلى المنزل، فلماذا نتجهُ إلى القصر الإمبراطوريّ!
كادت دانا أن تبكي.
التعليقات لهذا الفصل " 128"