انبعث الضوء الأبيض من القلادة بلا توقُّف، كأنها تعرّفت إلى مالكتها الحقيقية.
لم تستطع دانا إخفاء دهشتها وهي تنظر إليها.
أنا صاحبة هذه القلادة؟
“لا أذكر أن شيئًا كهذا حدث عندما كنت صغيرة…….”
“عندما تكون معلّقة في العنق فقط، لا يحدث أي تغيّر. لا بدّ من قوّتي أنا، بوصفي من ساعد في عملية النقش.”
“إذًا…….”
ارتجفت عينا دانا الزرقاوان على اتساعهما.
وبصعوبة، نطقت بما كانت تريد قوله.
“هل أنا حفيدة الماركيز فعلًا……؟”
كانت عينا ليام المقابلتان لها مغرورقتين بالدموع.
هزّ رأسه وهو يكتمها.
“دانا، نعم، أنتِ حفيدتي.”
وصلها صوته الدافئ.
كانت عائلتَهُ التي ظلّ يبحث عنها سنواتٍ طويلة.
كلما فكّر في هذه الطفلة، كان يشعر بألمٍ يسحق صدره.
هل تعيش بخير؟ هل تقاسي المشقّة في مكانٍ ما……؟
من شدّة القلق، لم يكن يستطيع النوم.
لكن أكثر ما آلمه، كان تخمينات الآخرين.
‘إن لم يُعثر عليها بعد كل هذا، فلا بدّ أنها ماتت…….’
لم يرد أن يصدّق ذلك.
ولهذا، عزل ليام نفسه تمامًا مبتعدًا عن الناس.
خوفًا من ظهور دليلٍ يثبت موت دانا، توقّف لفترة عن البحث عنها.
لكن دانا كانت حيّة، وبصحةٍ تامّة.
كبرت كطفلة طيبة ومستقيمة.
“شكرًا لكِ لأنكِ بقيتِ على قيد الحياة.”
عند كلماته الصادقة، عضّت دانا على شفتيها محاولةً حبس دموعها.
تأثّرت لأنها التقت عائلتها، ولأنها شعرت بالأسى على جدّها الذي قضى سنواتٍ طويلة وحيدًا مع ألمه.
بينما كانت تتحمّل الأوقات القاسية تحت وطأةِ ظلم زوجي الفيكونت، كان هناك جدّ يبحث عنها بيأس.
لو عاشت بسلام في إقليم آريا، لكانت دانا قد نالت الكثير من السعادة.
تحت حمايةٍ تشبه السور المتين، كانت ستعرف معنى حبّ العائلة بوضوح.
قالت دانا بصوتٍ مرتجف لليام.
“لا أستطيع أن أصدّق…….”
“كنتِ طفلة ورثتْ دم جنّية التطهير بقوة. لا بدّ أنكِ شعرتِ وأنتِ تكبرين بأنكِ مختلفة عن الآخرين. الطيور تتبعكِ بسهولة، أو النباتات التي تعتنين بها تنمو على نحوٍ استثنائي.”
عندها فقط، بدأت تفهم ماضيها.
سألها ليام بوجهٍ ممتلئ بالذنب.
“كيف كانت حياتكِ حتى الآن؟ هل مرضتِ أو تألّمتِ كثيرًا؟”
كيف يمكنها أن تجيب؟
لم تُرد دانا أن تزيد قلقه.
“أنا…….”
لكن الدموع سبقتها.
قد يكون تصرّفًا طفوليًا، لكنها أرادت أن تتدلّل قليلًا أمام عائلةٍ التقتها أخيرًا.
أرادت أن تفرغ كل ما كتمته.
“جدّي، لقد تعبت كثيرًا.”
ما إن لفظت جراحها حتى انهمرت دموعها.
عند سماعه كلمة “جدّي”، اتّسعت عينا الماركيز لحظةً، ثم ارتبك حين رآها تبكي.
اندفعت المرارة المكبوتة طبقةً فوق طبقة دفعةً واحدة.
“تألّمتُ كثيرًا، مرارًا وتكرارًا. أردت أن أُحَبّ. كنتُ أحتاج إلى شخصٍ أستند إليه.”
كنتُ وحيدة جدًا.
وبعد تلك الكلمات، انفجرت دانا بالبكاء بصوتٍ عالٍ.
انسابت الدموع بلا توقف على وجهها، حتى بات التنفّس صعبًا.
نهض ليام من مكانه وضمّ دانا إلى صدره.
ربّتت يداه المتجعّدتان على ظهرها.
“لقد مررتِ بالكثير.”
كان ذلك بسببي.
أنا آسف… سامحيني.
أمام هذا العزاء الحنون الذي يوحي بأنه سيتقبّل أي شيء، لم تتوقف دموع دانا.
واصلت دانا البكاء، بينما ظلّ ليام يعتذر بلا نهاية.
كان عزاءً لطيفًا إلى حدٍّ يذيب القلب.
عامل ليام دانا كما لو كانت طفلة صغيرة، متقبّلًا دلالها.
نعم، ابكي كما تشائين.
افرغي كل مافي قلبكِ لي.
“دانا، هذا الجدّ يَعِدكِ، بأنكِ لن تتألّمي بعد الآن.”
صوته الحزين واسى دانا.
“يا صغيرتي الحبيبة، من الآن فصاعدًا لن يكون أمامكِ سوى أيام مليئة بالسعادة.”
“وأنا أيضًا سأكون حفيدةً صالحة، جدّي.”
هزّ ليام رأسه على كلمات دانا.
“لا أرجو منكِ شيئًا. فقط تقبّلي كل ما أقدِّمُه لكِ وتكوني سعيدة.”
كان حبًا غير مشروط، لا يطلب أيَّ مقابل.
هل هذا هو معنى العائلة الحقيقي؟
امتلأ صدر دانا بشعورٍ جارف وهي تختبر لأول مرة هذا الدفء العائلي.
مسح ليام دموعها وقال.
“لقد اشتقتُ إليكِ كثيرًا يا دانا. طعامكِ المفضّل، زهور الريميني، غرفتكِ…… كلما رأيتُ شيئًا منها كان قلبي يتمزّق.”
“جدّي…….”
“كنتُ أظنّ أن حياتي ستنتهي دون أن أراكِ. لكنني سعيد جدًا لأنني وجدتكِ أخيرًا، ولو متأخرًا.”
حتى إنّ هذا المشهد بدا وكأنه حلم لا يُصدّق.
ابتسمت دانا بصعوبة ووجهها لا يزال مبتلًا بالدموع.
“جدّي، هذا ليس حلمًا. لقد وجدنا العائلة التي اشتقنا إليها طويلًا.”
احتضن الاثنان بعضهما مرةً أخرى.
وبعد ذلك، ظلّت دانا وليام يذرفان الدموع طويلًا.
وبعد حين، هدّأ إدوين دانا التي أنهكها البكاء.
مسح دموعها بمنديل، وجعلها تشرب بعض الماء.
وبدلًا من دانا التي كانت لا تزال متأثرة، بدأ إدوين يسرد قصتها.
عن المعاملة التي لاقتها من زوجي الفيكونت، وحتى عن قيامهما يغسل دماغهاعبر السحر الأسود.
برزت عروق الغضب على جبين الماركيز.
لم يكتفوا باستغلال طفلة، بل تجرؤوا على استخدام السحر الأسود معرّضين حياتها للخطر…….
أناس لا يمكن أن يُغفَر لهم أبدًا.
لو لم ينالوا عقاب العائلة الإمبراطورية، لكان هو من ألحق بهم أقسى العذاب.
تدفّقت في ذهن ليام أساليب العقاب القاسية التي يعرفها.
وفي الوقت نفسه، اجتاحه حزن لا يمكن وصفه بالكلمات.
أن تتعرّض حفيدته، أغلى ما في الدنيا، لمثل هذا…….
شعر وكأن كل ذلك خطؤه هو.
طمأنت دانا ليام الذي لم يستطع السيطرة على مشاعره.
“أنا بخير الآن.”
لأنني التقيت بأشخاصٍ طيبين.
ابتسمت وهي تنظر إلى إدوين.
“لولا إدوين، لكنتُ أعيش الحياة نفسها حتى الآن.”
كان إدوين منقذًا لحياةٍ غمرها الظلم.
عندها، قال ليام كلامًا غير متوقّع.
“يبدو أن السحر الأسود قد انحلّ بفضل سموّ الأمير الثالث.”
“ماذا تقصد بذلك؟”
هل انحلّ غسيل الدماغ بفضل إدوين؟
اتّسعت عينا دانا.
وعند التفكير، تبيّن أن اليوم الذي قررت فيه الابتعاد عن عائلتها هو نفسه اليوم الذي التقت فيه بإدوين حين كان موظّفا جديدًا.
‘إذًا لماذا لم ينحلّ في ساحة المعركة……؟’
تولّد سؤال آخر.
شرح ليام لدانـا بلطف.
“في الماضي البعيد، كان هناك عقد بين التنين وجنّية التطهير. وهذا أمر لا يمكن الحديث عنه إلّا بإذن الطرفين.”
لمعت عينا إدوين باهتمام.
“هل تقصد جلالة الإمبراطور والماركيز؟”
“نعم. أنا لا بأس لديّ، لكن من الأفضل أن تسمع الأمر مباشرة من جلالة الإمبراطور.”
عن الصلة القديمة بين السلفين.
“ألا يمكنك أن تشرح لنا الآن؟”
سألت دانا غير قادرة على كبح فضولها.
هزّ ليام رأسه مبتسمًا.
“في زمنٍ سحيق، عقد الاثنان اتفاقًا لا يخصّ إلا بعضهما. هذا كل ما يمكنني قوله.”
“هل تقصد قوة التنين السحرية وقوة التطهير التي تملكها الجنية؟”
سأل إدوين بحماس.
“إذًا، هل علاج دانا لي كان مرتبطًا بذلك أيضًا؟”
كان إدوين يعلم.
بمعرفة دانا الطبية وحدها، لم يكن من الممكن شفاء جرحٍ قاتل.
إن كانت لدى دانا قوة خاصة، وإن كانت تلك القوة قد وصلت إليه…….
فقد كان كلٌّ منهما منقذَ الآخر.
ابتسم ليام ابتسامةً غامضة.
لكنّ دانا وإدوين استطاعا أن يفهما أنها إشارةُ موافقة.
‘أنا أنقذتُ إدوين، وإدوين أنقذني…… فهل كانَ ذلك قدرًا؟’
ربما كانت رابطةً ممتدة منذ زمن سحيق، زمنِ الأسلاف.
امتلأ صدرها بشعورٍ مُبهج.
وفي تلك اللحظة أيضًا، ظلّ العقد في يد دانا يشعّ بلا توقف.
نظر ليام إليه وسأل بحذر.
“دانا، هل تسمحين لي أن أضع لكِ هذا العقد؟”
أراد أن يعلّق لحفيدته، كما في صغرها، قلادةً لا مثيل لها في العالم.
كانت قلادة صنعها بعناية طويلة من أجل هذه الطفلة الثمينة.
“بالطبع، جدّي.”
لن أضيّعها مرةً أخرى.
على كلمات دانا، غشا الضباب بصر ليام.
كانت عيناه تبتلّان من جديد.
لقد كبرت حفيدته كثيرًا.
لم يستطع إلاّ أن يأسف لأنه لم يرَها تكبر بهذا الجمال.
التعليقات لهذا الفصل " 126"