الفصل 125
فتح ليام فمه بصعوبة.
“بخصوص الحادث…… هل يمكنكِ أن تخبريني عنه بالتفصيل؟ أي أثرٍ للعائلة مثلًا.”
“لا أعرف شيئًا. لكن، الآن وقد ذكرتَ ذلك، كنت أرتدي عقدًا يحمل اسمي وتاريخ ميلادي.”
“……عقد تقولين؟”
“نعم، حتى والدِي بالتبني لم يتذكر تفاصيل ذلك اليوم جيدًا. وقد باع العقد بسرعة.”
الفيكونت هارتوين، الذي لم تكن لديه نية للبحث عن عائلة دانا، لم يتحقق حتى من شعار الأسرة.
استعاد الماركيز ذكرى مؤلمة من الماضي.
كان قد عثر على جثتي ابنته وزوجها، لكنه لم يستطع معرفة مصير حفيدتِه على الإطلاق.
وبعد أن فتّش محيط موقع الحادث كله، وبعد مرور وقتٍ طويل، عثر على عقد الطفلة في أحد بيوت القمار.
كان ليام قد وضع آلية خاصة في ذلك العقد.
فالسلالة المباشرة لعائلة آريا ترث دم جنّية التطهير، ولذلك تُجرى لها طقوس منذ الولادة.
يحملون الطفل حديث الولادة، ويدعونه يمد يده نحو نباتات التطهير التي أُعدّت مسبقًا.
فإن كان هناك نبات يسطع بضوءٍ أقوى من غيره، دلّ ذلك على توافقٍ كبير.
منذ تلك اللحظة، يُنقش ذلك النبات والطفل في ذاكرة بعضهما البعض مدى الحياة.
وكانوا يطلقون على ذلك ‘زهرة القدر’.
زهرة القدر تكون حارسًا مدى الحياة، ورمزًا يرافق صاحبه إلى الأبد.
وفي حالة دانا، كانت زهرة الريميني.
حين تتعب مستقبلًا، يكفي أن تلمس زهرة الريميني لتستعيد قوتها، ويتبادلان الفرح فيما بينهما.
كان ليام قد حفظ بعناية بتلة زهرة الريميني التي لمستها يد دانا لأول مرة.
وضع عليها سحر حفظٍ قوي، وأودعها داخل القلادة بعناية.
كانت بتلة الريميني المنقوشة تستجيب بقوة كلما لمستها يد الطفلة.
عندما عثر ليام على العقد، الذي اعتبره بمثابة جزءٍ من دانا نفسها، شعر وكأن السماء قد انهارت فوق رأسه.
لكنه لم يفقد الأمل.
واستمر في الاحتفاظ به بعناية، وهو يتخيّل حفيدته التي لا بد أنها ما زالت حيّة في مكانٍ ما.
أنهى ليام استرجاع ذكرياته، ثم قال موجّهًا حديثه إلى دانا.
“ربما إن رأيتِ العقد مجددًا، قد تستعيدين بعض الذكريات.”
“لست متأكدة…… ذاكرتي مشوشة جدًا.”
ابتسمت دانا بابتسامة حزينة.
“لكنني، قبل كل شيء، أريد أن أجد إجابة للأسئلة التي راكمتها. كيف لي، وأنا لست من سكان إقليم آريا، أن أمتلك قوة التطهير؟”
راود دانا أملٌ صغير، لعل الأمر مرتبط بوالديها الحقيقيين.
“ربما…… مكثتُ في هذا المكان مدةً طويلة؟ فتأثرتُ بقوة التطهير…….”
“هذا غير ممكن. فقوة التطهير وراثية.”
أجاب ليام بحزم.
“إذًا…….”
شعرت دانا بأن القوة قد فارقت جسدها عند هذه الخاتمة المخيبة.
‘يبدو أن العثور على والديّ هذه المرة أيضًا كان مستحيلًا.’
وحين تلاشى ذلك الأمل الضئيل، فقدت الرغبة في الطعام.
لاحظ الماركيز ذلك، فأمر بإحضار الشاي.
ضمّ إدوين يد دانا بين يديه.
“لا بأس، دانا.”
وبلغها عزاؤه، فحاولت أن تبتسم.
عندها، قال ليام بوجهٍ جاد.
“في اليوم الذي تعرّضت فيه عائلتي للحادث.”
“حين تقول عائلتك…… هل تقصد ابنتكَ وزوجها؟”
اتسعت عينا دانا.
فحتى الآن، كان الماركيز لا يذكر سوى الذكريات السعيدة عن عائلته.
كانت هذه أول مرة يستحضر فيها ذكرى سيئة.
“أثناء قدومهم إلى إقليم آريا، تعرّضوا لحادث عربة. وُجد صهري جثةً فوق الجرف، بينما سقطت ابنتي وحفيدتي إلى أسفل الجرف.”
كان صوت الماركيز هادئًا.
ولا بد أن جراحه قد تحوّلت إلى عشرات الآلاف من الندوب، حتى يتمكن من التحدث عن ذلك بهذا الثبات.
استمرّ حديثه.
“كان يبدو كأنهم كانوا مُطارَدون من قِبل أحد. لكننا لم نعثر عند الجرف على أي أثرٍ لشخصٍ آخر.”
“يبدو أن الجاني كان ذا مهارةٍ عالية.”
قال إدوين وهو يستمع إلى القصة.
أومأ الماركيز برأسه.
“قيل لي إن ابنتي كانت متصلبةَ الجسد، وهي تعانق شيئًا بإحكام.”
“…….”
أمام هذه القصة المأساوية، لم تستطع دانا أن تنبس بكلمة.
“كنت متيقنًا. الشيء الوحيد الذي حاولت ابنتي حمايته حتى اللحظة الأخيرة كان واحدًا فقط.”
“حفيدتكْ…….”
وبين الأسى، بدأت الشكوك تتفتح في ذهن دانا.
فالوضع الذي وصفه الماركيز كان يتطابق تمامًا مع ذاكرتها.
‘لكن حفيدة الماركيز كانت ذات شعرٍ ورديٍّ واضح……’
افتراضٌ غير معقول.
ومع ذلك، بدأ قلب دانا يخفق بعنف.
تابع ليام حديثه.
“كان ذلك في صيف العام 484 بحسب تقويم الإمبراطورية.”
“……!”
كان ذلك العام الذي تبنّاها فيه البارون هارتوين.
“أعتقد أن سموّ الأميرة قد تكون حفيدتي التي فقدتها.”
عند كلمات ليام، شهقت دانا دون أن تستطيع إخفاء دهشتها.
لم تستطع ترتيب أفكارها على الإطلاق.
أنا… من عائلة الماركيز؟
نهض ليام من مكانه وتقدّم نحو دانا.
ركع على إحدى ركبتيه وأمسك بيدها.
حاولت دانا النهوض بفزع، لكنه هزّ رأسه نافيًا.
كان وجه ليام، الذي لطالما بدا صلبًا، على وشك الانهيار.
عندها أدركت دانا.
طوال حديثه، كان الماركيز بالكاد يصمد.
“مرّةً واحدة فقط، أرجوكِ… من أجل هذا العجوز، مرّةً واحدة فقط…….”
وصلها صوته، وقد كبح فيه رجاءه بكل ما أوتي من قوة.
“هل يمكنكِ التأكد؟ من أجل أملِي الأخير.”
“…….”
في تلك اللحظة، لامس كتفها دفءٌ كبير.
كان إدوين يربّت على كتف دانا ببطء.
هل كنت أرتجف هكذا……؟
بدأ ارتجافها يهدأ بفضل لمسة إدوين.
فتحت دانا فمها بحذر.
“وإن لم أكن…… حفيدة الماركيز، فماذا نفعل؟”
ارتسم الحزن في عيني دانا.
“عندها سنُصاب كلانا بألمٍ شديد.”
كان ذلك صحيحًا.
الماركيز الذي اشتاق إلى حفيدته طويلًا، ودانا التي كانت تبحث بيأس عن عائلتها، كان كلٌّ منهما أمل الآخر.
‘ربما لن يحتمل الماركيز ذلك.’
ما كانت دانا تقلق بشأنه هو ليام.
فقد خسر عائلته كلّها، ولم يبقَ له سوى انتظار حفيدته.
فإن لم أكن حفيدته حقًا……؟
هل سيتمكّن من تحمّل هذا الألم؟
لديّ إدوين.
لكن الماركيز سيعود ليُحبس داخل القصر، يبتلع حزنه من جديد.
“أنا بخير.”
قال ليام بصوتٍ ثابت.
بدا وكأنه قد حسم أمره بالفعل.
“قلبي تآكل واهترأ منذ زمن، وقد اعتاد الألم.”
رفع رأسه.
عينان زرقاوان تشبهان عيني دانا التقتا بنظرةٍ مستقيمة.
“أريد التمسّك ولو بأملٍ صغير. حتى لا أشعر بالخجل حين ألتقي عائلتي لاحقًا.”
كان ليام قد عاش فترة طويلة في برود.
ترك كل شيء، وحبس نفسه داخل الإقليم.
لكن بعد حديثه مع الإمبراطور، حين راوده احتمال أن تكون دانا حفيدته، شعر بالخجل من السنوات التي قضاها.
لم يكن ليجرؤ على مواجهة عائلته بعد الموت.
كأنه يسمع صوت ابنته تعاتبه: لماذا لم تبحث أكثر؟
وقد فهمت دانا عزيمته، فأومأت برأسها.
“ماذا عليّ أن أفعل؟”
“فقط المسِي القلادة معي. حين يضع الشخص الذي ساعد في النقش وصاحبة الزهرة أيديهما معًا ويلمسان القلادة، ينبعث نور التطهير.”
دليلٌ على أنها تعرّفت إلى مالكتها.
“هل أنتَ من ساعد في النقش، حضرةَ ماركيز؟”
“نعم. حملتُ حفيدتي حديثة الولادة، وجعلتها تلمس نباتات التطهير واحدًا تلو الآخر.”
وبعد أن أنهى كلامه، ذهب ليام ليجلب القلادة من غرفة مكتبه.
راقبت دانا ظهره وهو يبتعد، وشعرت بالتوتر.
“إدوين، أشعر بشيءٍ غريب.”
“متوترة؟”
“أكثر من التوتر…… الخوف. أخشى أن يحزن الماركيز كثيرًا إن لم أكن حفيدته.”
كانت دانا لا تزال تقلق على الماركيز.
لأنها كانت تعرف جيدًا كم كانت حياته مؤلمة.
ضمّ إدوين كتفها.
“قد يكون هذا نوعًا من الإهانة له.”
“……صحيح. كنتُ متهوّرة.”
تنظيم مشاعره، وتحمل تبعات اختياره، كان أمرًا يعود إلى الماركيز وحده.
لم يكن من حق دانا أن تحسم الأمر نيابةً عنه.
وبعد قليل، عاد ليام حاملًا القلادة.
نظرت دانا إلى القلادة، لكن لم تطرأ أي ذكرى واضحة.
ومع ذلك، كما حدث حين رأت لوحة عائلة القصر لأول مرة، اجتاحها شعورٌ غامض.
مدّ ليام يده أولًا ولمس القلادة الموضوعة على الطاولة.
ثم مدت دانا يدها نحو القلادة.
وحين تلامست يدها مع يد ليام، تسلّل نورٌ أبيض من القلادة الصغيرة.
التعليقات لهذا الفصل " 125"