الفصل 120
بينما واصل إدوين سرد قصته، لم تستطع دانا إيقاف دموعها.
“إذًا…… ذلك الفارس كان أنتَ……؟”
كان سبب بدئها الاعتناء به بسيطًا.
في البداية، لأنّها لم تستطع ترك شخصٍ يحتضر، وبعد ذلك لأنّه كان يشبهها في عجزه.
لم يكن في حياة دانا أي أمل.
وكان هو كذلك.
حتى مع رعايتها، لم يُبدِ امتنانًا.
لأنه لم يكن يملك رغبة في الحياة.
ولأنه بدا وكأنه يشبهها، تعمّدت التحدث إليه.
وكانت تشعر بفرح كبير كلما حمَلَ صوته اللامبالي شيئًا من المشاعر.
في ذلك اليوم، كان الحصول على الأعشاب الطبية صعبًا على نحو غير معتاد.
طلبت المساعدة من الأطباء، لكن الجميع أعرض عنها بحجة الإزعاج.
وبعد أن حصلت على الأعشاب أخيرًا، عادت إلى الكوخ فوجدته فارغًا.
تشبثت دانا بالجميع وهي تبكي وتتوسل.
‘المريض الذي أعتني به اختفى! أرجوكم، ابحثوا عنه!’
‘أليس ميتًا؟ من القواعد هنا أن تُزال الجثث فورًا.’
ميت……؟
لأنني تأخرت في جلب الترياق، لأنني تركته وحده…….
اندفع إليها شعور ثقيل بالذنب، واشتياق جارح له.
كان أول شخص تفتح لهُ قلبها منذ ولادتها.
فرحت لأنها وجدت أخيرًا صديقًا يحتاجها وتحتاجه.
للمرة الأولى، أصبحت حياتها التّي كانت كالجحيم ممتعة.
ثم اختفى كل شيء في لحظة.
“كم اشتقتُ إليكْ…… كنت أفتقدكَ كل يوم…….”
لم تستطع دانا إكمال كلامها، وانفجرت بالبكاء مجددًا.
احتضنها إدوين وربّت على ظهرها.
“هل جسدكَ بخير؟ لم تعُد تتألم؟”
انتشر صوتها المتمتم من صدره.
ابتسم إدوين بحنِّية وأجاب.
“الآن أنا بخير تمامًا. لقد استعدت عافيتي خلال عام، وعدت لعملي كقائد للفرسان.”
عند سماع كلمة “بخير”، رفعت دانا رأسها.
ثم ضربت صدره بقبضتها.
“لماذا لم تظهر طوال هذا الوقت!”
“زادت وحوش الشمال مجددًا بشكل خطير. وقيل إنّها قد تصل إلى العاصمة، فخشيتُ أن تكوني في خطر.”
ما إن استعاد إدوين عافيته، حتى اضطر للعودة إلى الشمال.
ورغم عمله قائدًا للفرسان، لم ينسَ دانا لحظة واحدة.
لم يَعُد القضاء على الوحوش وحماية الشمال مملًا بعد الآن، حين اعتبر كلَّ ذلك من أجلها.
واصل حياتُه وهو يحلم باليوم الذي يراها فيه مجددًا.
“لكننا التقينا في النهاية، أليس كذلك.”
وهكذا، بعد عام من ذهابه إلى الشمال، وحين استقر وضع جبل الوحوش إلى حدّ ما، ظهر كمنتسبٍ جديد في وزارة السحر.
كانت دانا لا تزال تنظر إليه بعينين ممتلئتين باللوم.
“كان عليكَ أن تخبرني على الأقل حينها! أنك أنت ذلك الشخص.”
“لو كشفت أنني ذلك الفارس، وأنني الأمير الثالث، هل كنتِ ستحبينني؟”
“…….”
“دانا، حتى ذلك الحين، كنتِ تعتبرينني صديقًا فقط. أما أنا، فأردت أن أقترب منكِ كرجل.”
أراد أن يترك كل الذكريات السابقة خلفه، وأن يبدأ من جديد كعاشق.
وبالطريقة التي كانت تذكرها دائمًا: حبٌ يتسلل ببطء.
لانت عينا دانا شيئًا فشيئًا.
وانهمرت الدموع على خدَّيها بلا توقف.
“شكرًا لكَ، إدوين.”
لأنك بقيت حيًا. لأنك عدت إلى جانبي.
أمسك إدوين يدها بقوة.
“أنتِ كل شيء بالنسبة لي، دانا.”
“…….”
“لذلك، أريد أن أكرّس ما تبقى من حياتي لكِ.”
وكان ممتنًا لها.
من أنقذتْ حياته، ومن علّمته مشاعر جديدة، ومن غيّرت حياته الرتيبة—
كانتْ هي ولا سواها، دانا.
اهتزّ قلب دانا بعنف.
وصلت إليها مشاعر إدوين الصادقة كما هي بشكلٍ كامل.
ومع تراكم هذا الكمّ من الحقائق، غشاها الاضطراب.
وبعد برهة من الصمت، فتحت دانا فمها أخيرًا.
“لا أريد أن أطلبَ منكَ وحدك أن تضحّي.”
“دانا، هذا—”
“وأنا أيضًا سأعيش من أجلكَ.”
قالتها وهي تطبق عينيها المبتلتين بالدموع.
“لأننا… وجودان لا غنى لأحدهما عن الآخر.”
وحين أعادت عليه الكلمات التي قالتها يومًا في ساحة المعركة، تلألأ وجه إدوين بالفرح.
ثم تابعت دانا.
“سأحاول أن أتقبّلكَ كما أنت، بأكملِك.”
كان في نظرتها شيء مختلف.
عيناها الزرقاوان امتلأتا من جديد بالدفء والمودّة كما في السابق.
“الفارس الذي عرفتُه، وأمير الإمبراطورية الثالث… كلاهما أنت، إدوين.”
كاد نفس إدوين ينقطع.
لم يصدق أن دانا قد قبلته حقًا.
قالت وهي ترمقه بنظرة جانبية خفيفة.
“ما دمتُ أحبكَ إلى هذا الحد، فما حيلتِي؟”
“صحيح… أنا أحبكِ.”
“…….”
اتّسعت عينا دانا عند اعترافه.
وعند التفكير، لم يسبق لهما أن نطقا بكلمة ‘الحب’ صراحةً من قبل.
كرّر إدوين الكلمة الثقيلة النبيلة مرة أخرى.
“أحبكِ، دانا.”
تذوّقت دانا كلماته بصمت.
كان كلُّ شيء حلوًا.
سماء الليل المرصّعة بالنجوم، وصوت النار المتراقصة في الموقد، واعتراف إدوين.
وبعد أن احتضنت كلَّ ما يحيط بها في قلبها، نطَقت…
“وأنا أيضًا أحبكْ، إدوين.”
بدا جوابها غير متوقَّع، فاتّسعت عينا إدوين.
امتلأت عيناه الحمراوان بالابتهاج.
رفع خصلات شعرها وأزاحها خلف أذنها.
اقتربت وجوههما، وقبل أن تلتقي الشفاه، ابتسمت دانا ابتسامة خجولة.
لم يستطع إدوين التحمّل أكثر، فقبّل شفتيها.
كانت لحظة تأكيد حبِّهما من جديد.
وأمام النار المتراقصة، ظلّ دانا وإدوين طويلًا غير قادرين على إفلات أحدهما من الآخر.
***
“إدوين، إذًا… ما الذي شفاك فعلًا؟”
سألت دانا بعد عودتهما إلى السكن.
فمن غير المعقول أن يكونَ مجرد تمريضها هو السبب.
“أنا لا أملك معرفة طبية، كل ما فعلتُه هُو أنني صنعت دواءً من نباتات التنقية التي قيل إنها مفيدة.”
“إذًا أنتِ من عالجتِني.”
قالها إدوين بثقة.
“هذا غير منطقي! أطباء الشمال لم يعلّموني شيئًا، كنتُ أتصرف وحدي!”
كل ما فَعلتْه أنها تعلّمت استعمال أدوات التحضير أثناء عملها كمساعدة طبية.
لم تكن تعرف مكوّنات ترياق حقيقي، فكانت تسأل عن نباتات التنقية المفيدة وتجمعها واحدًا واحدًا.
ابتسم إدوين بلطف.
“دانا، أنتِ من أنقذتِني.”
“…….”
“حتى طبيب القصر أقرّ بذلك. قال إنني كنت سأموت لولا علاجكِ.”
“……غريب فعلًا.”
بدت دانا لطيفة وهي تميل برأسها غير مصدّقة.
لم يستطع إدوين كبح مشاعره الجيّاشة، فاحتضنها.
طرقت دانا صدره بخفة لتفلت من بين ذراعيه.
“كنتُ أفكّر… ألا يمكن أن تكون لديكِ قدرة خاصة؟”
ثم أعاد إدوين ما حدث قبل قليل.
“حين رميتِ زهرة التنقية على الوحش، انتشر ضوء أبيض، أليس كذلك؟”
حتى أودونيل بدا مندهشًا حينها.
‘يجب أن أسأل الماركيز أولًا.’
فحاكم أريا قد يكون على علم بشيء ما.
وربما يكون للأمر علاقة بوالديها الحقيقيين…
لكن دانا أجّلت التفكير في قدرتها وغيّرت الموضوع.
“ومن أين جاء الوحش الذي جرحك؟ ذاك النومانِي الذي امتصّ طاقتك.”
“لم نتمكّن من معرفة ذلك في النهاية. ليس بـوحشٍ يعيش في الإمبراطورية. فتّشنا كلّ سفن التجارة في تلك السنة، ولم نجد أثرًا واحدًا.”
“ألم يكن يستهدفكَ شخصيًا؟”
لم يكن الهجوم وحده مريبًا، بل امتصاص الطاقة أيضًا.
اشتدّت ملامح دانا.
ثم إن العبث بنواة جبل الوحوش يشبه ما يحدث الآن.
ربما الفاعل واحد؟
أومأ إدوين.
“بعد فترة من الهدوء، بدأ تدفّق الطاقة في جبل المخلوقات يضطرب مجددًا مؤخرًا. أنوي التحقيق في الوافِدين الجدد.”
كان يشكّ بالأمر منذ مدة.
“الخصم ماهر جدًا… ومتقنٌ للسحر.”
وقد يكون صاحب مكانة عالية، إلى درجة تمكّنه من محو سجلات التجارة.
“سنبدأ التحقيق من الغد.”
وكان لا بد من الشكّ أولًا في المقرّبين.
“أنتِ متعبة اليوم، أليس كذلك؟ صعدتِ جبل الوحوش.”
“ألا تعتقد أنني سأتعب بسببكَ أكثر؟”
ضحك إدوين عند قولها.
ثم ربت على المكان الفارغ بجانبه على السرير.
“تعالي، استلقي.”
“…….”
مرّ وقت طويل منذ أن نامت دانا معه في سرير واحد.
شعرت بالتوتر وأدارت وجهها.
“أنا… سأقرأ كتابًا ثم أنام.”
“إذًا، ما رأيكِ بهذا؟”
نهض إدوين وأمسك بيدها.
أجلسها برفق على السرير ووضع في يدها ديوان شين الشعري.
“اقرئي لي عند رأسي… كما في السابق.”
“غريب… ذلك الفارس كان بريئًا إلى حدّ لا يُصدّق.”
ضحك إدوين عند كلماتِها.
التعليقات لهذا الفصل " 120"