الفصل 117
“…….”
حين بقيت دانا صامتة، قال مرة أخرى.
“لن أخدعكِ بعد الآن. أعدكِ.”
هل يمكنها أن تصدّق هذا الكلام؟
“إدوين.”
ألقت دانا السؤال الذي قد يهدّئ هذا الاضطراب.
“منذ متى وأنتَ تعرفني……؟”
لماذا تملك ذلك الديوان؟
ومن تكون أنت حقًا……؟
أجاب إدوين دون تردد.
“أنا أحببتكِ منذ زمن بعيد.”
“منذ زمن بعيد……؟”
“منذ اللحظة التي بقيتِ فيها إلى جانبي وأنا أحتضر.”
منذ تلك اللحظة التي قرأتِ لي فيها الشعر وتقاسمنا الدفء.
اهتزّت عينا دانا بعنف.
كان أمرًا لم تتوقعه إطلاقًا.
استحضر إدوين ذكريات الماضي.
وتحت سماء ليلية هادئة، بدأ بسرد القصة بهدوء.
في ذلك اليوم أيضًا، كان إدوين قد أنهى مهامه كقائد لفرسان الرون، وراح يكتب سجلّ العمل.
في الخارج، كان يُسمع صوت الفرسان المكلّفين بالحراسة ذلك اليوم وهم يتشاجرون بسخافة.
بعد “حادثة الوحوش” التي اقتحمت فيها الوحوش العاصمة، اشتدت الحراسة.
وكان قد مضى على بدء الحادثة تسعة أشهر.
قال نائب القائد دانتي وهو يتسلّم سجل العمل.
“يبدو أن الثلج يتساقط بكثرة، ربما لأننا في نهاية العام.”
“وهل هذه المرَّة الأولى؟”
الشتاء دائمًا كذلك، لكن الشمال كان نهاره قصيرًا على وجه الخصوص.
نظر إدوين بلا مبالاة إلى السماء الليلية المعتمة خارج النافذة وأجاب.
أيام تتكرر بلا انقطاع، وحوش تظهر أحيانًا، وحتى الشمال قليل البشر…….
كانت حياةً مملة.
ومع ذلك، لم يكن لديه ما يرغب فيه تحديدًا.
لو وُصفت بالألوان لكانت بلا لون، كمن يمشي في طريق فارغ بلا نهاية.
كلُّ شيء كان سهلًا ومملًا.
ولهذا لم يشتهِ شيئًا يومًا.
وكان يرى أنّ من يراهن بحياته بدافع الرغبة هم أكثر الناس إثارة للشفقة.
ها هو يوم ممل آخر ينتهي.
فكّر بذلك وهو ينظر إلى ظهر دانتي المغادر من المكتب.
ووقع الحادث عند الفجر.
الطاقة السحرية التي كانت تتدفق بانتظام حول جبل الوحوش اضطربت فجأة.
ما إن استشعرها إدوين وخرج، حتى دوّى صوت هائل.
“كرااااخ—!”
اهتزّت الأرض، ومن بعيد كان وحش من الرتبة العليا يتقدّم.
في السابق، لم تكن تنزل من الجبل سوى الوحوش الدُنيا.
شعر إدوين بأن الأجواء غير طبيعية، فأصدر أوامره للحراس.
“هناك خلل في جبل الوحوش. استدعوا الفرسان فورًا.”
بعد أن قضى بسهولة على الوحش الأعلى المندفع أولًا، صعد إدوين جبل الوحوش.
كان لا بد من معرفة سبب ما يجري.
في قمة الجبل كانت توجد نواة تمتلك أقوى طاقة سحرية، وكلما كان الوحش أقوى، عاش أقرب إليها.
لكن كلما صعد، كانت الوحوش شديدة الهيجان، وقد فقدت عقلها وهي تزأر.
كان من الواضح أن خللًا أصاب طاقة النواة، شريان حياتهم.
الغريب أنه كلما اقترب من القمة، تعثّرت قدماه بشيء مرارًا.
وكان فجرٌ أزرق مائل يقترب كلما اقترب من القمة.
ومع انقشاع الظلام، اتّضح ما تحت قدميه.
لم تكن حصى، بل كرات سوداء.
كانت أشبه بأسلحة مكثّفة من السحر الأسود.
“سيدي القائد!”
“أين أنت، لنذهب معًا!”
لا تأتوا!
قبل أن يتمكن إدوين من الصراخ، تدحرجت عشرات الكرات السوداء إلى الأسفل.
بوم، بوم—!
ثم انفجرت واحدة تلو الأخرى، ناشرة دخانًا أسود.
وباعتباره من نسل التنانين، لم يكن ليقع ضحية للسحر الأسود.
لكنّ التابعين…….
“ما هذا، الرؤية مظلمة…….”
“أشعر بأن القوة تفارق جسدي…….”
بلوف-
سقط من تبعوه أرضًا بلا حول.
بدا وكأنه سحر يُدخل الناس في النوم ويجعلهم عاجزين.
أسرع إدوين ليتفقد رجاله، لكنهم كانوا قد غطّوا جميعًا في النوم.
كان الوضع خطيرًا لدرجة لا يمكن التدخل فيها.
أدرك إدوين أنه سيضطر للقتال وحده.
وأدرك أيضًا أن عدوًا كبيرًا غير متوقّع قد ظهر.
وصل نائب القائد دانتي متأخرًا وهو يراقب الوضع من بعيد، فشهق عند رؤية المشهد.
“سيدي القائد، ما الذي يحدث…….”
حين ثقلت جفون دانتي، صرخ إدوين به على عجل.
“اسمع جيدًا، أخبر الفرسان أنني ذهبتُ إلى العاصمة. من أجل رفع تقرير عن الوضع.”
“تقرير…… إلى العاصمة…….”
“إن لم يصلك أي خبر عني بعد شهر، فتولَّ أنت منصب القائد التالي.”
“ماذا؟ سيدي القائد، ما الذي…….”
وقبل أن يُكمل، غرق دانتي هو الآخر في النوم.
أخرج إدوين قارورة صغيرة كانت معلّقة في عنقه.
كانت عصارة شجرة العالم، التي حصل عليها الإمبراطور بطلب من كبير الكهنة.
‘ستحميكَ من الوحوش.’
نثر إدوين عصارة شجرة العالم على رجاله دون تردد.
لم يكن عدد من تبعوه كبيرًا، كما أنهم كانوا متكدسين فوق بعضهم، لذا كان رشّها سهلًا.
لبعض الوقت، لن تقترب الوحوش من الفرسان بسبب الانزعاج الناتج عن القوة المقدسة.
وبعد أن اطمأن على سلامة رجاله، صعد إدوين الجبل مجددًا.
ولم يمضِ وقت طويل حتى واجه كائنًا غريبًا.
“……ما هذا؟”
لم يكن من وحوش الشمال التّي اعتاد رؤيتها.
كان معلِّقًا رأسًا على عقب على شجرة، خفاشًا بحجم إنسان.
“كُوِييييك—”
انتشر صراخه المشقّق في الأرجاء.
طَقّ—
انفك القيد السحري الذي كان في قدمي الخفاش.
لا بد أن أحدهم جلبه عمدًا.
اندفع الخفاش نحو إدوين وهو يرفرف بجناحيه.
لمعت أنيابه الكبيرة بحدة.
كأنها ستخترق عنق إدوين في أية لحظة.
“خفاش مصّاص دماء؟”
لكن إدوين كان أعظم فرسان الإمبراطورية.
حين اخترق إدوين عنق الخفاش بسيفه الطويل، توقفت حركته.
سْررر—
ما إن سحب السيف، حتى انتفض جسد الخفاش بعنف وحدّق في إدوين.
وقف إدوين بهدوء ينتظر أن ينقطع نَفَسه.
وفي تلك اللحظة، غيّر الخفاش اتجاهه واندفع نحو حيث يرقد التابعون.
قد تنفع القوة المقدسة ضد الوحوش، لكنها لا تؤثر في الحيوانات أو الوحوش الهجينة.
لم تكن شجرة العالم لتحمي الفرسان من الخفاش.
وحين لوى إدوين جسده محاولًا حماية رجاله—
“……!”
شعر بألم يمزّق أحشاءه.
خرج وحش من بطن الخفاش وغرس مخالبه فيه.
كان “نوماني”، وحشا من الرتبة العليا يمتص طاقة السحرة.
يتخذ هيئة خفاش، بينما يخفي جسده الحقيقي عميقًا في جوفه.
لا تعيش نوماني في الإمبراطورية.
لا بد أن أحدهم جلبه من بلاد أجنبية.
كانت نوماني تغرس مخالبها في إدوين، وتتشبث به ملتصقة بجسده.
وبسبب الطاقة الهائلة، بدأ جسدها ينتفخ بشدة.
الطاقة التي ملأت إدوين منذ ولادته، هبة التنين المتدفقة، بدأت تتسرب ببطء.
وهو يشعر بنوماني الملتصقة به، سقط إدوين أرضًا.
لامس ظهره التراب البارد.
ارتجفت يده بصعوبة.
ثم التقط سيفه وغرسه بقوة في ظهر نوماني الملتصقة به.
“كيااااخ—!”
توقفت نوماني عن امتصاص الطاقة، وراحت تتلوّى من الألم المفاجئ.
ثم نفثت الوحش دخانًا سامًا من فمه.
كان دخانًا سامًا يخنق الإنسان تدريجيًا.
شعر إدوين بأن الرؤية تظلم.
ضاق نَفَسه، ولم يعد قادرًا على تحريك جسده.
حتى لو كان من نسل التنين، فإن من يتعرض لإصابة قاتلة كهذه لا يستطيع استخدام طاقته.
أدرك إدوين أنه لم يعد يشعر ولو بقدر ضئيل من الطاقة.
‘هل هذه النهاية؟’
بدا أن حياته ستنتهي هكذا.
لم يكن يأسف على حياة مملة كهذه.
***
“……يمكنني أنا أن أعتني به!”
لا يدري كم من الوقت مضى، لكنه فتح عينيه على صوت مرتفع.
“وبأي طريقة؟”
“قلتَ إن هناك احتمالًا للنجاة إن تناول الترياق! سأعتني به أنا!”
“ألا ترين الدخان السام؟ ستموتين أنتِ أيضًا!”
وماذا لو أصابنا سوء الحظ نحن أيضًا!
ارتفعت الأصوات.
لم يشعر إدوين بالاطمئنان لكونه حيًا، بل شعر أنَّ كل شيء مزعج.
كان صوت المرأة القريب مزعجًا للغاية.
“اذهبوا وأكملوا التحقيق، سأقوم أنا بتمريضه.”
“لن نساعد في شيء!”
“قلتُ إنني فهمت! سأقوم بنقله بنفسي، أليس هناك كوخ مهجور؟”
سُمع أصوات الناس تبتعد وهم يتمتمون بأنها غريبة الأطوار.
بعد ذلك، أخذ يفقد الوعي ويستعيده مرارًا.
وفي إحدى المرات، شعر بشيء يضرب رأسه.
“آه، أنا آسفة!”
بسبب الدخان السام الذي غلّف جسده، كانت حواسه بليدة.
الشيء المؤكد أنه كان يُسحب إلى الأسفل.
سحح— طَخ! سحح— طَخ!
كانت المرأة قد وضعته فوق قطعة قماش وتجرّه على الأرض.
اصطدم جسده بكلّ صخرة على الطريق.
كانت هذه أغرب إجراءات علاجية مرّ بها في حياته.
التعليقات لهذا الفصل " 117"