الفصل 116
حين انتهى العمل تقريبًا، نزلوا جميعًا من الجبل.
كان أحد أفراد فريق التحقيق ينتظرهم أسفل الجبل، فتولّى إرشادهم إلى طريق النزل.
“تعبتم كثيرًا. لن تنزل الوحوش إلى أسفل الجبل لفترة من الوقت.”
كان الظلام قد بدأ يحلّ، وظهرت النجوم المتلألئة بوضوح في السماء.
“النجوم هُنا واضحة فعلًا.”
قالت دانا بإعجاب وهي ترفع رأسها.
بعد أن أمضت اليوم كله في زرع الزهور، لم تتح لها فرصة النظر إلى السماء، فشعرت وكأنَّها تتلقى هدية.
ابتسم إدوين وهو يرى انعكاس النجوم في عينيها الزرقاوين.
ارتسمت على وجه عضو فريق التحقيق ابتسامة راضية.
“إن سنحت لكم الفرصة، جرّبوا الصعود إلى التلّ المجاور للنزل. تبدو النجوم هناك قريبة جدًا، كأنها في متناول اليد. نحن أيضًا نشعل نارًا هناك ونتأمل السماء ليلًا.”
“فهمت.”
أومأت دانا برأسها.
عند وصولهم إلى النزل، استقبلتهم المسؤولة بابتسامة مرحّبة وأرشدتهم إلى الغرف.
“سموّ الأمير وسموّ الأميرة سيقيمان في الغرفة العليا، فهي الأوسع.”
“سنقيم في الغرفة نفسها؟”
سألت دانا بارتباك.
ضيّقت المسؤولة عينيها بابتسامة ماكرة.
“الزوجان يقيمان في غرفة واحدة، أليس كذلك؟ لستُ شخصًا عديم الفطنة إلى هذا الحد.”
ناولتهما المفتاح، ثم غادرت لتُري باقي الأفراد غرفهم.
“لنصعد، دانا.”
ألا تشعر بأن الأمر غريب؟
قال لها إدوين وهي ما تزال مذهولة.
“يجب أن أستحمّ بسرعة ثم أتلقى العلاج.”
صحيح، إدوين مصاب.
لم يكن هناك وقت لمناقشة أي شيء آخر.
كان لا بد من تنظيف الجرح كي لا يتفاقم.
“هيا بنا.”
نظر إدوين إلى دانا وهي تتقدّم، وابتسم برضا.
فتح الباب الخشبي بالمفتاح، فانكشفت الغرفة.
جوّ هادئ ودافئ، يذكّر بكوخ في قلب الجبل.
“استحمّ بسرعة يا إدوين. سأتحدث مع المسؤولة وأحضر المرهم.”
“سأجلب المرهم بنفسي، دانا، أنتِ استرخي أولًا ودافئي جسدك.”
كان قلقه منصبًّا على تعبها.
“ماذا تقول؟ المصاب يجب أن—”
وقبل أن تُكمل، جلس إدوين على الكرسي فجأة.
“لن أتحرك من هنا حتى تنتهي من الاستحمام.”
كان إدوين غالبًا ما يطيع دانا.
لكن حين يتعلّق الأمر بحالتها الجسدية، لم يكن يتراجع أبدًا.
بالنسبة له، تخفيف تعب دانا أهم من معالجة ذراعه التي خدشتها أنياب الوحش.
وكانت دانا تعرف ذلك جيدًا.
“……سأستحمّ بسرعة وأعود.”
“انقعي جسدك في الحوض على الأقل ثلاثين دقيقة—”
“كفى! لن أسمع كلامك بعد الآن!”
دخلت دانا الحمّام مسرعة.
‘سأستحمّ بسرعة ثم أُعالج إدوين.’
قرب انتهاء الاستحمام، تذكّرت أنها لم تُحضِر ملابسها.
دخلت الحمّام على عجل دون أن تأخذ ملابس داخلية.
وكان من المؤكد أن إدوين موجود في الخارج.
كيف أفعل؟
في تلك اللحظة، وقعت عيناها على رداء الاستحمام الموضوع بجانب المنشفة.
كان رداءً سميكًا وكبيرًا، كافيًا ليستر جسدها.
“إدوين، انتهيت من الاستحمام.”
خرجت دانا إلى الغرفة وقد ارتدت رداءً يكاد يكون بحجم جسدها.
كان مظهرها أشبه بمن التفّ باللحاف، مضحكًا بعض الشيء.
“……”
إدوين، الذي توقعت أن يضحك بصوت عالٍ، لم يقل شيئًا.
العينان اللتان كانتا ترسمان قوسًا ناعمًا تصلّبتا فجأة.
الدفء اللطيف ورائحة الصابون الحلوة التي تفوح منها أربكته.
شعرت دانا بالحرج فبادرت بالكلام.
“نسيت ودخلت الحمّام دون أن آخذ ملابسي. لحسن الحظ كان هناك رداء بالداخل.”
“……هكذا إذن. كان يجب أن أنتبه.”
“لا بأس، اذهب أنت واستحم.”
في نظر إدوين، الإنسان الأحمق هو من تسيطر عليه رغباته.
كان قد أقسم أن مجرد بقائه إلى جانب دانا يكفيه سعادة، ومع ذلك ارفعت رغبة أخرى في داخله.
فحاول جاهدًا كبح هذه المشاعر المتأججة.
“……ملابسكِ في حقيبة الأمتعة.”
لم يستطع مواجهة دانا أكثر من ذلك، فدخل الحمّام على عجل.
“……”
لم يكن ممكنًا أن دانا لم تلاحظ اضطراب عينيه.
لأول مرة منذ زمن، قرأت في وجه إدوين رغبة.
رغبة متجهة إليها وحدها.
“……سأرتدي الملابس أولًا.”
فتحت دانا حقيبة أمتعة إدوين.
وجدت ملابس منزلية سميكة نسبيًا مقارنة بملابس الصيف.
كلها كانت جديدة عليها.
حين تخيلت أنه اختارها واحدةً واحدة بيده قبل المجيء، ارتسمت ابتسامة على شفتيها.
“كم عدد هذه أصلًا……”
بدت أكثر من ضعف عدد ملابس إدوين.
وبينما كانت تُخرج الملابس واحدة تلو الأخرى، توقفت فجأة.
كان هناك شيء مألوف يرحب بها.
في قاع الحقيبة تمامًا كان هناك…….
“هذا…… ديوان شِعر شِين.”
لم يكن ممكنًا أن تنساه.
لماذا أحضره معه؟
لم تستطع فهم الموقف إطلاقًا.
عادت إلى ذاكرتها محادثة قديمة مع إدوين.
‘تلقيته هدية من شخص عزيز. شخص أنقذني.’
‘منقذ حياة…… مثلًا؟’
‘أكثر من ذلك.’
كانت قد شعرت بالغيرةِ آنذاك، بشكل أخرق.
لأن الحزن العميق المتسرّب من صوته آلم قلبها.
‘إذا كان قد أحضره حتى هنا، فلا بد أنَّه شيء ثمين جدًا……’
من يكون منقذه إذن؟
كلّ غرض عزيز يحمل قصة.
أيّ ذكرى يحملها هذا الكتاب بالنسبة لإدوين؟
‘وبالمناسبة، كان يحمل أيضًا الإصدار الجديد لشِين.’
شعرت بانقباض في صدرها.
فضحكت على نفسها بسخرية.
لأن حقيقة أنها ما زالت تحمل مشاعر تجاه إدوين كانت واضحة.
لو استطاعت، لأعادت الكتاب إلى مكانه وكأن شيئًا لم يكن.
لكن يدها اتجهت إلى الصفحة الأخيرة.
في الإمبراطورية، كانت هناك عادة بكتابة اسم الشخص المُهدى إليه في الصفحة الأخيرة.
ماذا كُتب هنا؟
“إلى إدوين العزيز”؟
داخلها تصارعت مشاعر لا حصر لها.
في النهاية، فتحت دانا الصفحة الأخيرة وأغمضت عينيها بإحكام.
“أنا آسفة……”
اعتذرت فورًا لشخص لا تعرفه حتى.
“سألقي نظرة واحدة فقط، أعتذر حقًا.”
بعد أن كررت الاعتذار عدَّة مرات، فتحت عينيها ببطء.
ثم……
لم تستطع أن تنطق بكلمة.
لم يكن اسمًا، بل خربشة.
***
كان عقلها في فوضى.
الأفكار المتدفقة لم تنتظم.
لماذا هذا الديوان مع إدوين……؟
كانت تلك الخربشة خربشتها هي.
حين كانت في الشمال، قبل أن تلتقي بإدوين بوقت طويل.
‘عندما تتعافى، سأهديك ديوانًا شعريًا أحبه. وسأكتب اسمك في الصفحة الأخيرة.’
‘هل تعرفين اسمي؟’
سأل الرجل المغلف بالدخان ببرود.
ابتسمت دانا بمزاح ورسمت شكله.
خطوط متعرجة ملأت صفحة كاملة.
نعم، كان ذلك الديوان الذي قرأته لذلك الفارس الذي التقت به في الشمال.
لم يكن ممكنًا أن تنسى تلك الخربشة السخيفة.
شعرت وكأن المشاعر المتشابكة تطوقها.
لم تحتمل دانا ذلك وخرجت من النزل.
عادت إلى ذاكرتها فراقها المؤلم في الشمال.
الفارس الذي كان معها طوال الوقت اختفى في لحظة.
قال الناس إنه مات، وبكت دانا طويلًا وكأنَّ قلبها يتمزق.
سارت بلا وعي، بلا وجهة، لفترة طويلة.
وأخيرًا، صعدت التل وجلست على الأرض في الحقل بلا قوة.
كانت النجوم المتلألئة في السماء الليلية تتلألأ كأنها ستنهال.
لم تستقر أنفاسها، سواء من الصدمة أو من كثرة المشي.
في تلك اللحظة، لامس كتِفها إحساس ناعم.
“ستصابين بالبرد.”
شعرت بلمسة إدوين ومعطفه وهو يضعه عليها.
حينها فقط، استعادت دانا وعيها.
متى وصلت إلى هنا؟
كان الحقل الأخضر قد أظلم بعد حلول الليل.
وبجانبها كانت هناك أغصان مكدسة، كأنها بقايا موقد نار.
مدّ إدوين يده نحوها، فاشتعل اللهب.
نظرت دانا بصمت إلى النار الملتهبة كأنها ترقص.
كانت الأغصان الملامسة للنار تسودّ ببطء.
“في ذلك الوقت، لم يكن الأمر مختلفًا عن هذا.”
“ذلك الوقت……؟”
التفتت دانا إلى إدوين.
أخرج شيئًا من بين ذراعيه.
كان ديوان شِين الشعري الذي أربكها.
“دانا، اسألي ما تشائين.”
“……”
“لقد وعدتُكِ. أن أكون صادقًا معك.”
التعليقات لهذا الفصل " 116"