الفصل 114
عند الحدود بين إقطاعية آريا وجبل الوحوش في الشمال، انشغل الجميع بأعمالهم.
كان فرسان الرون ينقلون الأصُص، بينما كان أهل الإقطاعية ودانا يعيدون غرسها، وتكرّر العمل لفترة طويلة.
ومن بين أهل الإقطاعية كان هناك رجل مسن يُدعى أودونيل، وهو أكثر من اعتنى بنباتات التطهير لفترة طويلة.
كان حساسًا جدًا لهالة التطهير، ويعرف حالة النباتات أكثر من أي شخص آخر.
وبينما كان يتفقد بالتناوب ما إذا كانت أزهار تورسه قد زُرعت جيدًا، قال بدهشة.
“هوه، هذا غريب حقًا.”
كانت الزهرة التي زرعتها دانا.
“عندما تلمسها يد صاحبة السمو الأميرة، تكون هالة التطهير أقوى بوضوح. هذا مدهش فعلًا.”
قال إنّه سمع القصة من آنسي، لكنه لم يتوقع أن يكون الأمر إلى هذا الحد، واتسعت عيناه دهشة.
ليس فقط أنّ النباتات تصبح أكثر حيوية، بل حتى هالة التطهير تزداد قوة، فانبهر الجميع.
“هذا عجيب. كنا نعلم أن هالة التطهير تقوى فقط عندما تلمسها أيدي أهل الإقطاعية.”
“بل إن توافقها أفضل بكثير منّا.”
بدأ حتى أهل الإقطاعية يبدون حائرين الآن.
أما تساؤلات دانا فكانت تكبر أكثر فأكثر.
‘هل يمكن أن أكون مرتبطة فعلًا بإقطاعية آريا؟ على الأقل أحد أسلافي ربما…….’
عند التفكير بالأمر، منذ صغرها كانت النباتات تنمو بشكل ملحوظ كلما لمستها.
‘هل اسألُ الماركيز وأقصُّ عليه قصَّتي……؟’
ربما يكون ذلك عونًا كبيرًا في العثور على نسبها.
في تلك اللحظة، اقترب أحد الفرسان وسأل أودونيل.
“أين نضع هذا الدواء؟”
“آه، إنه جرعة مغذية. سنرشها على الأزهار قُرب انتهاء العمل. ضعوها جانبًا.”
خشية أن تجد أزهار تورسه صعوبة في التأقلم مع البيئة الجديدة، جُهّزت أشياء كثيرة.
لم يُحضَر فقط تراب الإقطاعية، بل أيضًا جرعات مغذية للنباتات.
وبعد أن بدأت الأزهار تستقر في أماكنها، شرح أودونيل للفرسان.
“هالة التطهير التي تطلقها أزهار تورسه تمنع الوحوش. فهي غير متوافقة معها، فتضعف قوتها وتطهر اندفاعها الشرير.”
“هل تنجح حتى مع الوحوش العليا؟”
عند سؤال هاريوت، أومأ برأسه.
“في المرة السابقة، الوحوش التي اقتحمت إقطاعية آريا لم تتحمل هالة أزهار تورسه وهربت، أليس كذلك؟ وبفضل ذلك، تمكن سمو الأمير من القضاء عليها.”
“آها!”
“حتى إن لم تستطع إيذاء الوحوش العليا مباشرة، فهي على الأقل تكسبنا وقتًا لإيقافها مؤقتًا.”
وتلك اللحظة القصيرة هي ما تصنع فرصة القضاء على الوحوش.
وفي وضع تكون فيه كل ثانية حاسمة، سيكون استخدامها مفيدًا للغاية.
“لو أُجريتْ المزيد من الأبحاث، فقد تكتسب قدرة أقوى مما هي عليه الآن…….”
في تلك اللحظة، ومع ضجيج خافت، اقترب أشخاص يرتدون زيًا أزرق داكنًا.
“إنها فرقة التحقيق في جبل الوحوش.”
تعرّف إدوين بسرعة على كونهم سحرة القصر الإمبراطوري، فتقدم إلى الأمام.
“جئت بأمر من العائلة الإمبراطورية. أنا قائد فرسان الرون.”
انحنوا له باحترام.
“لقد تلقينا الإخطار أيضًا. تشرفنا بلقاء سمو الأمير الثالث. بعد انتهاء العمل، يمكنكَ المكوث في مقرّنا.”
“حسنًا، كيف تسير التحقيقات؟”
“كما توقعتْ العائلة الإمبراطورية تمامًا. تدفق المانا في جبل الوحوش غير طبيعي.”
“بسبب نواة حجر المانا؟”
“يبدو ذلك. فقد تغيّر التدفق بشكل كبير لدرجةٍ أثارت الوحوش.”
“والسبب؟”
“ذلك لم يتضح بعد…….”
لمعت عينا إدوين بحدة.
إن لم يلاحظوا هذا التغير المفاجئ، أفلا يعني ذلك وجود عدو من داخل صفوفنا؟
يجب قلب الأمور رأسًا على عقب.
من دون أن يدركوا أفكار إدوين، تابع أحد أعضاء فريق التحقيق بحذر.
“بحسب نتائج التحقيق، ومع تحركات الوحوش الكبيرة، تشكّل طريق يسمح لها بالانتقال من جبل الوحوش إلى السهل. يجب زرع نباتات تطهير هناك أيضًا.”
“ولذلك؟”
قال إدوين بحزم.
“لم يتبقَّ لدينا الكثير من أزهار تورسه. أعطني الكمية الدقيقة.”
كان هذا أمرًا لم يكن في الحسبان.
عندما شرح فريق التحقيق المساحة التي انفتحت، سارع أودونيل إلى رفع تقرير بعدد نباتات التطهير المطلوبة، وطريقة غرسها، والتأثير الناتج عن ذلك.
“لحسن الحظ، قمنا بزراعة زهور تورسه بوفرة، لذا فهذه الكمية متوفرة.”
بعد تفكير قصير، قال إدوين موجّهًا كلامه إلى سكان الإقطاعية.
“سيكون الأمر خطيرًا إن لم يكن المُنفِّذ مدرَّبًا جيدًا. سيدخل فرساننا أولًا، لذا علّمونا طريقة غرس الزهور.”
عند كلمات إدوين، ارتسمت على وجه أودونيل ملامح حازمة.
“النباتات المطهِّرة الحساسة التي تنمو في إقطاعية آريا لا يمكن غرسها بأمان إلا بأيدي سكان الإقطاعية. حالة سموّ الأميرة القرينة نادرة جدًا. سأذهبُ معكم.”
عندها تقدّمت دانا، التي كانت تستمع بصمت.
“إذًا سأذهب أنا أيضًا.”
“لكن يا سموّ الأميرة، الطريق وعر جدًا بالنسبة لكِ…!”
حتى إدوين أراد أن يثنيها.
فجبل الوحوش، لقلة ارتياده، كان طريقه بالغ الوعورة.
وفوق ذلك، قد يهجم وحش فجأة فيصيب دانا بأذى.
لكن دانا بدت وقد عقدت عزمها.
“قلتم إن زهرة تورسه شديدة الحساسية، أليس كذلك؟ وكلما تعمّقنا في جبل الوحوش، من يدري أيَّ تأثير قد تتعرض له؟”
“…….”
“قد تضعف قوة التطهير التي تمتلكها الزهور. وإذا كان لا بد من الذهاب، أليس من الأفضل أن أذهب أنا، صاحبة التوافق الأعلى معها؟”
كل ما قالته كان صحيحًا.
لم يستطع أحد كسر إرادة دانا، حتى إدوين.
‘يجب أن أبقى إلى جانبها طوال الوقت.’
عازمًا على حمايتها، أومأ إدوين برأسه.
“هاريوت، ماكس. أنتما أيضًا ستذهبان معنا.”
“نعم.”
“حاضر.”
عند الذهاب إلى مكان خطير، كان من الأسهل اصطحاب أولئك السريعين في التصرف.
أمر إدوين بقية الفرسان بمساعدة سكان الإقطاعية.
***
تسلّق خمسة أشخاص جبل الوحوش، من بينهم دانا وإدوين.
تحسّبًا لظهور وحش مفاجئ، تقدّم إدوين في المقدمة، وتبعته دانا وأودونيل.
أما الخلف، فكان ماكس وهاريوت يتوليان حمايته.
‘هل هذا الوضع آمن حقًا…؟’
اتجهت نظرة دانا القلقة نحو إدوين.
على عكس الفرسان المدرّعين، كان يرتدي قميصًا خفيفًا فقط.
وفوق ذلك، كان يحمل دائمًا سيفًا ضخمًا بالكاد تستطيع دانا رفعه بكلتا يديها.
“هنا مناسب.”
قال إدوين وهو ينظر إلى بقايا الصخور المنهارة.
يبدو أن وحشًا هائجًا أسقط الصخور، ففتح طريقًا للنزول من الجبل.
أودونيل أيضًا أومأ موافقًا على حكمه.
عندما أنزل الفرسان الأحواض التي جلبوها، تولّت دانا وأودونيل ترتيبها.
كانت تربة جبل الوحوش أخشن وأقسى من تربة إقطاعية آريا.
ارتدت دانا القفازات وشرعت في غرس زهور تورسه بجدّ.
يبدو أن ملء المساحة التي انهارت فيها الصخور سيكون كافيًا.
“ألا تشعرين بالبرد؟”
سألها إدوين بقلق.
لو قالت إنها تشعر بقليل من البرد، لرفع حرارتها فورًا.
“أنا بخير.”
وما إن أجابت دانا، حتى—
دويّ—
شُعر باهتزاز في الأرض.
ما هذا؟
دويّ—!
اشتد اهتزاز الأرض.
شعرت دانا بأن الأمر غير طبيعي، فنهضت من مكانها.
من الخلف، صرخ ماكس في وجه هاريوت وهو ينقل التراب.
“يا هذا، توقف عن القفز! ستَفزع ميريدا!”
“لست أنا! لا بد أنك أنت من كان يرقص.”
تجادلا وتدافعا، يلقي كل منهما اللوم على الآخر.
ومع دويّ جديد، انتشر صوت هائل.
ومع القوة التي بدت تقترب أكثر فأكثر، توترت دانا.
“إن صعب عليكِ الثبات، اتكئي عليّ.”
اقترب إدوين إلى جانبها.
“ما الذي يحدث بالضبط؟”
ابتسم لها بلطف عند سؤالها.
“لا شيء مهم. مجرد وحش يقترب.”
قالها بنبرة هادئة، كما لو كان يقول. “فطور اليوم فطيرة تفاح.”
بل هو أمر خطير فعلًا!
عادت إلى ذاكرتها صورة الوحش الذي واجهته سابقًا في إقطاعية آريا.
وحين ارتجفت كتفاها، تغيّر وجه إدوين إلى الجدية.
لأنه اعتاد مثل هذه الأمور، لم يراعِ مشاعر دانا.
“اذهبي واحتمي هناك. سأنهي الأمر بسرعة.”
“…….”
“يمكنك إغماض عينيكِ. فكّري بأشياء جميلة فقط. إلى أن أناديكِ.”
كالزهور، أو اليراعات.
ابتسم إدوين بخفة محاولًا طمأنتها.
اهتزت الأرض مجددًا.
كان ماكس وهاريوت قد توقفا عن الشجار منذ وقت.
سحبا سيوفهما الطويلة من أغمادها عند خصريهما.
وعلى عكس خفّتهما السابقة، بدَوَا الآن كفرسان مكتملين.
اتخذ الثلاثة وضعية الهجوم بشكل طبيعي.
تمركز ماكس وهاريوت على جانبي إدوين.
استهدافَا للجزء السفلي من جسد الوحش، لتسهيل هجوم القائد.
وسرعان ما، ومع زئير مدوٍّ، ظهر الوحش.
التعليقات لهذا الفصل " 114"