الفصل 113
ما إن نزلت دانا وإدوين، حتى نزل سكان الإقطاعية وفرسان فرقة الرون تباعًا من العربات الأخرى.
تمدّدوا وهم يتمطّطون، محاولين إرخاء أجسادهم المتيبّسة بعد الرحلة الطويلة.
“تعبتم كثيرًا!”
“سنبدأ قريبًا بنقلِ الأمتعة، فلنحرّك أجسادنا جيدًا!”
بعدها وصلت العربة الضخمة المحمّلة بالأصص.
وحين اقتربت دانا وسكان الإقطاعية، أوقفهم فرسان الرون.
قال هاريوت بوجه مشرق.
“اتركوه لنا. الأشياء الثقيلة كلّها.”
اتّسعت عيون سكان الإقطاعية عند سماعهم أن عليهم الراحة.
“لكن هذا مُحرج لنا…….”
“لا أبدااا. القائد أثنى علينا أيضًااا. قال إن الشيء الوحيد الذي نجيده هو بذل القوةةة.”
هذا لا يبدو مديحًا……
ابتلعوا كلماتهم وهم يتبادلون النظرات.
فرسان الرون لم يكترثوا، وراحوا يرفعون الأمتعة وينقلونها بسهولة.
كان المشهد مثيرًا للإعجاب وهم يحملون الأصص الكبيرة بخفّة.
“كما يُتوقّع من فرقة تواجه الوحوش في الخطوط الأمامية.”
“نحن بالكاد نحمل أصيصًا واحدًا بشخصين…….”
كُوم، كُوم—
في تلك اللحظة، دوّى صوت عالٍ من مكان ما.
كان ماكس، الذي لا يستطيع استخدام سوى يد واحدة، يُسقط الأصيص مرارًا.
أمَّا يده الأخرى فكانت تعانقُ دمية أرنبٍ باهتمام بالغ.
“أيُّها الفارس، ضع الدمية جانبًا للحظة…….”
“ميريدا ليست دمية، إنها أختي!”
همف!
توجّهت الأنظار إلى ماكس الذي بدا متجهّمًا بصوته الخشن.
ومع ذلك، لم يستسلم، وحاول مجددًا حمل الأصيص بيد واحدة.
“إذا تضرّر نبات التطهير بسبب هذا…….”
وحين حاول أحدهم إيقافه بحذر—
“ألم أقل لا تُثيروا ضجيجًا؟”
كان إدوين قد اقترب دون أن يشعروا، وابتسم لماكس ابتسامة مشرقة.
“يبدو أن في الجبال أماكن نائية كثيرة…… هل نلعب ‘لعبة’ بيننا؟”
في مكان لا يرانا فيه أحد.
كانت الكلمات غير المنطوقة حلوة على نحو يبعث القشعريرة.
ألقى ماكس ميريدا بسرعة تحت شجرة.
ثم حمل الأصيص بكلتا يديه وبدأ بالتحرّك.
كان وجهه الشجاع قد شحب تمامًا.
ابتسامة إدوين لم تختفِ.
“ما الذي تنظرون إليه؟ هل ترغبون بلعبِ ‘لعبةٍ’ معي أيضًا؟”
عند كلام القائد، تحرّك الفرسان على عجل.
أخفى ماكس ميريدا أولًا خلف شجرة وغطّاها ببطانية دافئة.
لأنه لم يكن يعلم ما الذي قد يفعله به إدوين.
وبالطبع، لم يكن حجمها ليسمح بإخفائها تمامًا.
راقبت دانا كل ما جرى، وشعرت بشيء غريب.
الآن فقط أدركت أن إدوين، الذي بدا رقيقًا وبريئًا، هو قائد كتيبة الرون.
كان يحرّك فرسانًا ضخامًا بكلمة واحدة فقط.
‘هل هذه هي شخصية إدوين الحقيقية……؟’
بدأ إدوين العمل بجدية هو الآخر.
بعد نقل بعض النباتات، خلع سترة بزته العسكرية وكأنها تعيقه.
ظهر بتلك الملابس الخفيفة، بقميصه فقط، مما جعل دانا تبدي تعبيراً قلقاً.
فرغم أنه فصل الصيف، إلا أن الشمال كان قارس البرودةَ.
“ما الأمر؟ هل تشعرين بعدم ارتياح في مكان ما؟”
سألها بعدما لاحظ تعبير وجهها.
“لا، فقط… يبدو لباسكَ خفيفًا جدًا……”
لم تستطع دانا أن تقول صراحة إنها قلقة لأنه يبدو باردًا عليه.
إدوين، وهو يرتدي قميصًا خفيفًا، رفع أكمامه أيضًا.
“أنا لا أشعر بالبرد. قدرة النار تحافظ دائمًا على حرارة جسدي مرتفعة.”
“قدرة النار……”
تأكدت مرة أخرى من كونه من العائلة الإمبراطورية.
وكذلك الشائعة التي تقول إن الأمير الثالث وُلد بقدرة النار.
واصل إدوين حديثه.
“إن شعرتِ بالبرد في أي وقت، أخبريني. أستطيع أن أدفئك.”
كانت قدرته أعظم مما تصورت.
أن يكون قادرًا على نقل الحرارة إلى شخص آخر، كان أمرًا مدهشًا.
اتجه إدوين نحو عربة الأمتعة، ثم رفع أصيصًا ثقيلًا.
اتسعت عينا دانا وهي تراه ينقل اثنين في آنٍ واحد.
“أليس ثقيلًا؟”
تفوهت بقلق دون أن تشعر.
كانت دانا في حالة ارتباك شديد.
أن يكون إدوين المبتدئ البريء والضعيف الذي تعرفه هو نفسه الأمير الثالث القوي الذي أمامها……
ابتسم إدوين بلطف وأجاب.
“ليس ثقيلًا. دانا، اذهبي واستريحي.”
توقف إدوين وهو يهمّ بالمرور بجانبها.
وقال وعيناه تلمعان.
“هل تقلقين عليّ؟”
عندها احمرّ وجه دانا خجلًا.
كانت خطتها لتجاهله تنهار مرة تلو الأخرى.
خفضت رأسها المحمر بشدة، ثم اتجهت بين سكان الإقليم.
لم يعد إدوين يُخفي ما يملكه.
وأظهر بلا تردد قدراتِه بصفته الأمير الثالث.
كان يفي بوعده بأن يُظهر كل شيء، وألا يُخفيَ شيئًا.
شعرت دانا مع مرور الوقت بإحساس غريب.
‘لقد عشتُ مخدوعة حقًا لفترة طويلة.’
صورتا إدوين اللتان تعرفهما كانتا تتصادمان باستمرار في رأسها.
ومن ناحية أخرى، كان الأمر مثيرًا للحيرة.
كيف استطاع إخفاء ذلك كله؟
***
وصلت رسالة مجهولة إلى دوقية تشايلد.
أخذها الخادم كالمعتاد، وتوجه إلى غرفة ديريك.
كان ديريك، كالعادة، ينظف الدمى الخزفية بمنفضة الغبار.
ومع طرق منتظم، فتح الخادم الباب.
“وصلت رسالة من ‘أولئك’.”
وُضعت الرسالة على الطاولة.
“بهذه السرعة؟”
لمعت عينا ديريك باهتمام.
مد يده نحو الخادم، فوُضع سكين الورق في راحة يده.
وبشغف لرؤيةِ المحتوى بسرعة، مزّق ديريك ظرف الرسالة بعنف.
كانت تلك اللحظة التي ضاعت فيها وظيفة سكين الورق، المصمم لفتح الرسائل برقيّ.
تحركت عينا ديريك بجنون فوق الرسالة.
تجاوز عبارات التحية المملة، وانتقل مباشرة إلى صلب الموضوع.
ارتفع طرف فمه بابتسامة خبيثة.
<من الصعب نقل نواة حجر المانا فورًا. لذلك نقوم حاليًا بتحليل النواة ببطء.>
كان في جبل الوحوش أنواع متعددة من أحجار المانا.
ومن بينها، حجر المانا المزروع في المركز، ‘النواة’، الذي يمتلك طاقة سحرية قوية تقود الوحوش.
<سنحرص على ألا نكرِّر الخطأ السابق. التفكير في أن هذه الطاقة السحرية القوية ستنجح في إحياء اللورد تاران يجعلنا في غاية السعادة.>
عندها ابتسم ديريك برضا.
في الحقيقة، كان سبب غزو الوحوش لإقليم آريا هو ديريك نفسه.
إذ دسّ شخصًا في إدارة جبل الوحوش، ودفعهم للتلاعب بالنواة.
ومع اختلال توازن طاقة جبل الوحوش، اضطربت الوحوش وهاجت.
وكان من الطبيعي أن تعجز الوحوش الدنيا عن تحمل غضب الوحوش العليا، فتهيم خارج الجبل.
إضافة إلى ذلك، حصل على إذن الإمبراطور، وشكّل فريق تحقيق من أفراد عائلة تشايلد.
ما سيجعل الوصول إلى النواة أسهل.
كل شيء كان مثاليًا.
وفي وقت قريب، سيمتص طاقة هائلة ويُعيد إحياء سلفه، تاران.
الآن، لم يبقَ سوى جعل جنية التطهير ملكًا له.
ظهرت دانا في ذهنه.
كان هوس الأمير الثالث بها أمرًا مذهلًا.
‘هل كانت تلك المرأة فعلًا من أنقذت حياة الأمير الثالث؟’
إن كان الأمر كذلك، فلا يمكن التفريط بها أبدًا.
سوف يحقق أخيرًا أمنية العائلة القديمة بيديه.
كان ديريك يبتسم برضا، ثم تنهد فجأة.
هاه—
قال بصوت يملؤه الأسى.
“هل يعلم أخي الأكبر…… أن أخاه الأصغر يبذل كل هذا الجهد من أجله؟”
كان سيدريك، الذي استُخدم كوعاء لتاران، يزداد تمردًا في الآونة الأخيرة.
حتى وهو مغمض العينين، بدا أن جزءًا من وعيه ما زال حيًا، فكان يرفض الطاقة السحرية.
استعاد ديريك ذكرى من الماضي.
‘هذا خطأ! إنه عمل يخلّ بتوازن العالم!’
تذكر صورة أخيه الأكبر وهو يصرخ باسم ‘الخير’.
أوقف الدوق والدوقة سيدريك عندما حاول فضح كل شيء.
وفي ذلك الوقت، اقترح ديريك الصغير بصوت بريء.
‘ما رأيكم أن نجعل أخي وعاءً للسيد تاران؟’
حتى الآن، كان يراها فكرة ذكية.
“أخي المسكين.”
تنهد ديريك بهدوء.
“ساذج فعلًا.”
لم يكن في عينيه، وهو يقول ذلك، أي أثر للشفقة.
التعليقات لهذا الفصل " 113"