الفصل 111
قال إدوين كلامًا أقرب إلى التوسّل.
كانت مشاعره أعمق مما كانت عليه في آخر مرة رَأته فيها.
عيناه المرتجفتان طعنتا قلب دانا بحدّة.
‘إدوين… ما زلتُ أتألم بسببك.’
وأخيرًا نطقت بصعوبة.
“……لا أستطيع أن أعيش كأميرة.”
حصلت دانا على الحرية التي تمنتـها طوال حياتها.
لم تعد تريد أن تعيش مقيدة أو تتحمل مسؤوليات تُفرض عليها.
“أعني أنني لا أملك القدرة على تحمّل كل ذلك. ولا أريد ذلك أيضًا.”
“سأتخلى عن كل شيء.”
ماذا……؟
شكّت دانا في أذنيها.
لكن صوته الذي تلا ذلك أكد أن الأمر لم يكن وهمًا.
“سأتخلى عن كل شيء. مهما كان ما يقف بيننا.”
“ما الذي تقصده؟ أنتَ أمير الإمبراطورية…….”
“دانا، سأعيش لأجلكِ وحدكِ. لا داعي لأن تفعلي شيئًا.”
أقسم إدوين بأنه لن يضعها في موقف مؤلم بعد الآن.
“عيشي فقط من أجل سعادتكِ. بجانبي.”
“إذًا… ماذا عنكَ أنت……؟”
الابتعاد عن شؤون الحكم يعني أيضًا التخلي عن سلطته كأمير.
لماذا؟ من أكون أنا حتى تفعل كل ذلك من أجلي……؟
ذلك الحب الأعمى جعل عقلها يفرغ تمامًا.
ابتسم إدوين بلطف.
“دانا، الناس نوعان.”
“…….”
“من يعيشون كما تجري الحياة، ومن يملكون هدفًا واضحًا في حياتهم.”
تابع إدوين حديثه.
“والنوع الثاني أكثر خطورة. لأن الهدف قد يصبح كل حياتهم.”
“…….”
كانت دانا هي القوة التي تدفعه للعيش، وفي الوقت ذاته مصدر خسارة لا تُحتمل.
لم يستطع أن يخبرها، لكن إدوين كان مستعدًا للتخلي عن حياتِه إن فقدها.
“دانا، أنا لا أحاول أن أضع عبئًا عليكِ.”
قال وهو يكبت صدقه.
“إن كان سبب رغبتكِ في تركي هو ذلك، فلا داعي للقلق.”
اهتزت عينا دانا.
“منذ زمن طويل، كان هدف حياتي أنتِ. إنها الحياة التي اخترتها أنا.”
لذا، لا تشعري بالذنب. ولا تتألمي.
‘هل هذا هو الصواب؟’
هل من الصحيح أن تشاهد أمير الإمبراطورية يتخلى عن سلطته؟
وهل يمكنها أن تعيش معه طوال حياتها وهما ينظران إلى بعضهما فقط……؟
اهتز قلب دانا بلا مقاومة.
فتح إدوين فمه وهو يحمل اعتذارًا عميقًا.
“لم أفكر فيكِ بعمق من قبل.”
لقد قضيتِ حياتكِ كلها تحت ضغط عائلة الفيكونت، ثم تألمتِ بسببي مرة أخرى.
أثناء غياب دانا، ظل إدوين يفكرُ فيها مرارًا وتكرارًا.
كان يبحث عن الطريقة التي تجعلها سعيدة.
“لم أفكر يومًا بجدية في ما تريدينه حقًا، ولا إن كنتِ راضية عن وضعك الحالي.”
كان يجب أن تكون دانا هي سيدة حياتها.
واصل كشف مشاعره الصادقة.
“سأكيّف كل شيء ليناسبكِ. ومن الآن فصاعدًا، دعينا نبحث معًا.”
عن الطريق الذي يجعلكِ سعيدة.
“…….”
لم تستطع دانا أن تقول شيئًا للحظات.
كلام إدوين أحدث صدىً عميقًا في قلبها.
حتى وقت قريب، كانت تريد أن تعيش حياة هادئة وبسيطة كزوجتِه.
كانت تفكر فقط في اجتياز الواقع المظلم الذي قيّدها، ولم تفكر قط في ماهية الحياة التي ترغب بها حقًا.
في تلك اللحظة، سُمع طرقٌ على باب غرفة دانا.
“إن كنتِ تشعرين بتوعّك، هل نحضر الطعام إلى الداخل؟”
سألت الخادمة بحذر.
لم تكن مصابة أو مريضة، بل كانت فقط متفاجئة للحظة.
ولأنها لم تُرِد أن تُقلق الماركيز بلا داعٍ، نهضت دانا من مكانها.
فهم إدوين قصدها وتحدث بدلًا عنها.
“سننزل لتناول الطعام. مع زوجتي.”
“أمركَ.”
هل سنتناول الطعام جميعًا معًا؟
اتسعت عينا دانا.
فقد جرحت إدوين منذ وقتٍ قصير فقط.
وكانت لا تزال تشعر بالحرج من مواجهته.
وكأنه لاحظ ما تفكر فيه، ابتسم إدوين لها بلطف.
“انزلي على مهل. سأغتسل ثم آتي.”
كانت آثار قتاله مع الوحش لا تزال واضحة عليه.
لم يكن يستطيع الجلوس مع دانا بهذه الهيئة.
رفع ركبته ونهض من مكانه.
“إدوين.”
نادته دانا بصوتٍ خافت.
وبعد أن فتحت فمها بصعوبة، قالت.
“هل أنت بخير؟”
لا يزال في قلب دانا إدوين البريء والضعيف ذاك.
حتى وإن كان قائد فرسان رون، لم تستطع إلَّا أن تقلق عليه بعد أن قاتل الوحش بنفسه.
أشرقت عينا إدوين بسبب قلقها.
أراد في تلك اللحظة أن يتكئ عليها.
أراد أن يعانقها وهو يشكو من تعبه.
حتى لو كان ذلك لكسب تعاطفها والبقاء بجانبها.
لكنه اعتبر ذلك تصرفًا جبانًا.
ابتسم وكأنه بخير تمامًا.
“أنا بخير.”
بدت وجنتا دانا محمرّتين قليلًا، وكأنها تشعر بالخجل لأنها قلقت عليه.
“فقد كنتِ قلقة عليّ.”
وكان ذلك وحده كافيًا ليُرضيه.
ابتسم إدوين مغمورًا بالرّضا وغادر الغرفة.
***
بعد قليل، عندما أُعلن أن الطعام أصبح جاهزًا، نزلت دانا إلى غرفة الطعام.
يبدو أنه اغتسل جيدًا، إذ كانت تفوح من إدوين رائحة الزهور.
وتنازل الماركيز بشكلٍ طبيعي عن المقعد الرئيسي لإدوين.
وعندما حاول ليام الجلوس في المقعد المقابِل، أوقفه إدوين.
“لا أنوي الطمع في مقعد الماركيز.”
“ألم تقل إنكَ ترغب أن تُعامل كأحد أفراد العائلة الإمبراطورية؟”
“لأن لدي عملاً أكثر أهمية من ذلك.”
وبعد أن قال ذلك، جلس إدوين طبيعيًا بجانب دانا.
بدت دانا مرتبكة.
أمسك أدوات الطعام بحركة أنيقة وبدأ يقطع اللحم.
ثم نقل القطع المرتبة إلى طبق دانا.
كانت المهمة الخطيرة التي تحدث عنها إدوين هي الاعتناء بوجبة دانا.
شعرت بالحرج لدرجة أنها لم تستطع رفع رأسها.
فهمست له بصوتٍ منخفض لا يسمعه سواه.
“هناك…….”
انتقل إلى مقعد آخر!
“هناك؟”
مال إدوين رأسه باستغراب، ثم نهض.
“إذن تريدين الخبز الموجود هناك.”
وبوقاحة، نقل الخبز إلى مكانه.
بدت دانا وكأنها تتدلل أمام الماركيز.
ولم تجد ما تفعله سوى الصمت.
فلو انتقلت من مكانها، بدا وكأنه سيتبعها.
وُضع أمام دانا شاي مهدئ.
فشكرت الماركيز.
“شكرًا لاهتمامكم.”
“لا داعي لذلك. لكن هل أنتِ بخير؟”
سأل ليام بصوتٍ قلق.
“يجب أن تذهبي إلى الشمال ابتداءً من الغد.”
كانت قد وضعت أزهار تورسه التي رعتها حتى اليوم في أوعية.
وغدًا، كان عليها نقلها وزراعتها بين الشمال وإقليم آريا.
لمنع الوحوش من غزو الإقليم.
ابتسمت دانا لتطمئن ليام.
“أنا بخير.”
“لكن نقل نباتات التطهير قد يرهق جسدكِ……”
أجاب إدوين بدلًا عنها.
“لن يحدث ذلك.”
ثم تابع بابتسامة مشرقة.
“فرسان رون، بمن فيهم أنا، سيساعدون سكان الإقليم.”
من سيذهب……؟
سألت دانا بوجهٍ مذهول.
“لماذا ستذهب أنت؟”
“لا نعرف متى قد تظهر الوحوش. قد يتكرر ما حدث اليوم.”
كان فرسان رون متخصصين في مواجهة الوحوش.
وسيكونون الدرع الأكثر أمانًا لسكان الإقليم.
لم تجد دانا ما يمكنها الرد به.
“يجب أن ترتدي ملابس دافئة. فالشمال بارد.”
“ملابس دافئة؟”
لم تفكر دانا في ذلك من قبل.
فهي لم تكن تعلم بتفاصيل مهمة العمل، كما أنها جاءت مباشرة إلى قصر الماركيز وهي ترتدي فستان الحفل.
أحضرت آنسي بعض الملابس المناسبة لمناخ الإقليم، لكنها لم تجلب معاطف سميكة.
‘سيكون من المحرج أن أُثقل على الماركيز مرة أخرى…….’
لاحظ إدوين قلقها وأغلق عينيه بابتسامة لطيفة.
“لا بأس، لقد أحضرتُ ملابسكِ معي.”
أحضر حتى ذلك؟
وبينما كانت مندهشة، دخل خادم إلى غرفة الطعام.
“لقد وصل حاملو أمتعة الفرسان. أين نضع الأمتعة؟”
أجاب إدوين بهدوء.
“ضعوها في الغرفة الثانية في ممر الطابق الثاني. ستكون مقر إقامتي.”
وبتحديده مكان إقامته من تلقاء نفسه، بدا أن الماركيز مذهولٌ أيضًا.
التعليقات لهذا الفصل " 111"