الفصل 109
مرّ يومان منذ أقامت دانا في قلعة الماركيز.
وقد تكرّم الماركيز بتخصيص غرفة لها، وتناول معها الوجبات كلِّها.
كان ذلك حرصًا منه على ألا تفوّت وجبة، أو تمضي وقتها وحيدةً في كآبة.
حاولت دانا ألا تُظهر حزنها.
وطلبت من ليام ألا يكشف أنها الأميرة القرينة.
‘أريد، ولو هنا فقط، أن أعيش بصفتي نفسي تمامًا.’
وبفضل ذلك، عاملها سكان الإقطاعية كما كانوا يفعلون سابقًا.
كانت تتحرّك بنشاط حتى يحلّ الغسق.
لأنها إن توقفت، خطر إدوين على بالها.
كهلوسة سمعية أحيانًا، وكطيفٍ أحيانًا أخرى، بدا وكأنه يواصل الدوران حولها.
واليوم أيضًا، كانت دانا تعمل بلا توقف داخل الدفيئة المليئة بزهور تورسه.
“هذا غريب فعلًا، لماذا تنمو النباتات أسرع كلما لمستها الأخت؟”
تساءلت الطفلة التي كانت أول من اكتشف موهبة دانا من قبل، وهي تُميل برأسها في حيرة.
وكانت ضفيرتاها تتأرجحان بلطف كلما فعلت ذلك.
“أظن أن الأخت جنّية فعلًا!”
“ليلي، لا تمزحي مع الأخت.”
“لكني أقول الحقيقة…….”
كان اسم الطفلة ليلي.
ويبدو أن ليلي أحبت دانا، فكانت تتبعها في كل مرة وتثرثر بلا توقف.
“أمِّي قالت إن هذه الأرض كانت أصلًا أرض الجنيّة ذات الشعر الوردي. وكلما كان الشخص أشبه بالجنيّة، كان أبرع في تنمية النباتات.”
“حقًا؟ لكن لماذا شعري ليس ورديًا إذن؟”
“هذا لأن…….”
انعقد لسان ليلي، فزمّت شفتيها بإحباط.
كان منظرها لطيفًا، فربّتت دانا على خدّها.
في الحقيقة، كانت دانا نفسها تشعر بالحيرة.
فلمستها كانت تُنعش نباتات التطهير التي كانت توشك على الذبول، كما تُسرّع نموّها.
وكان عملها بسيطًا.
العناية بزهور تورسه التي تُضعف قوة الوحوش، ثم نقلها إلى أوانٍ كبيرة.
وهذه الأزهار المزروعة في الأواني ستُنقل لاحقًا إلى المناطق الواقعة بين إقطاعية أريا والشمال، لصدّ تسلّل الوحوش.
في الواقع، صُدمت دانا عندما سمعت من الماركيز عن وضع الإقطاعية.
‘هل ظهرت الوحوش من جديد؟’
عادت الحادثة المرعبة التي هزّت الإمبراطورية ككابوس.
ظهور الوحوش دون سبب، وما خلّفته من دمار.
ولأنها شهدت كل ذلك بنفسها أثناء عملها الطبي في الشمال، كان وقع الأمر أشدّ عليها.
ومن حسن الحظ حقًا أنَّهم بدأوا بزراعة زهور تورسه على نطاق واسع في إقطاعية أريا منذ ذلك اليوم.
تحدّث أحد سكان الإقطاعية، الذي كان يقف بجانبها، موجّهًا كلامه إليها.
“لابدَّ وأنَّكِ مُرهقة، السيدة الإدارية. من الغد سيتعيّن عليكِ الذهاب إلى الشمال…….”
كان يقلق عليها، فهناك عمل أشدّ مشقةً بانتظارها.
“لا، على العكس. أنا أستمتع بهذا العمل.”
وكان ذلك صادقًا.
فكلما تعاملت أكثر مع نباتات التطهير، شعرت بقوة غامضة تنبع منها.
كما أن هذا الوقت كان مناسبًا لنسيان ألم الفراق.
“لكن، منذ أول أمس، يبدو أن الماركيز يأتي بوتيرة أكثر.”
هل يأتي لرؤية السيدة الإدارية؟
سألها القروي بملامح مستغربة.
ابتسمت دانا بابتسامة محرجة.
‘ربما جاء لأنَّه قلق عليّ…….’
شعرت بالخجل والحرج.
كان الماركيز يأتي إلى مكان عمل دانا، يراقبها لفترة طويلة، ثم يغادر.
لكنّه لم يأتِ لمجرّد القلق فحسب.
كان ليام يثبّت عينيه على قدرات دانا.
لقد سمع حديث آنسي عن موهبتها الفائقة في التعامل مع النباتات وتجاوزه بخفّة، لكن حين رآها بعينيه، وجدها مذهلة حقًا.
كأنها حفيدته تمامًا.
‘تلك الطفلة أيضًا… كانت بارعة على نحوٍ خاص في التعامل مع نباتات التطهير.’
كانت صورة الحفيدة التي فقدها تتداخل مع صورة دانا مرارًا.
ربما كان ذلك بسبب حديث الإمبراطور.
لم يكن من الصعب التأكّد من أنَّ دانا حفيدته الحقيقية.
لكنّ التوقيت لم يكن مناسبًا.
‘علَيّ أن أنتظر حتى تهدأ مشاعرها أولًا.’
فالوضع الحالي كان مرهقًا بما يكفي بالنسبة لدانا، ولا يمكنه أن يضيف إليها صدمةً أخرى.
في تلك اللحظة، صرخ أحد سكان الإقطاعية موجّهًا كلامه للجميع.
“حان وقت الغداء! نلتقي بعد ساعتين!”
وبدعوى الشعور بالجوع، خرج الجميع من الدفيئة.
“شيهيةً طيِّبة، ليلي.”
“وأنتِ أيضًا، أيتها الأخت!”
ابتسمت دانا لليلي، ثم اقتربت من الماركيز.
“ما قائمة الغداء اليوم؟”
سألت بصوتٍ متعمّد الحيوية.
لأنها لم تُرِد أن تُثقل على ليام بمظهرها الكئيب.
سارا معًا عبر الحقول الخضراء باتجاه القلعة.
رائحة العشب التي حملها النسيم بعثت الطمأنينة في النفس.
“لا أدري، هل لدى سموّكِ طعام تفضّلينه على وجه الخصوص؟”
أجابت دانا فورًا على سؤال ليام.
“أحبّ التفاح. أحبه كما هو، وأحبه أيضًا كعصير.”
“…….”
تجمّد ليام في مكانه، عاجزًا عن النطق.
بسبب كلمات قالتها حفيدته في الماضي.
‘جدي، أنا أحب التفاح! أحبه كما هو، وأحبه كعصير أيضًا!’
هل يمكن أن تكون هذه الطفلة فعلًا حفيدتي؟
وإن كانت كذلك……
فكيف عاشت طوال هذه السنوات؟
بحسب ما قاله الإمبراطور، فقد تم تبنّيها… ترى، هل التقت بوالدين صالحين؟
تمنّى من أعماقه ألا تكون قد أُصيبت ولو بخدشٍ صغير.
حتى لو فقدت ذاكرتها، فلا بأس، ما دامت قد نشأت محاطة بالحب.
(بشرى/ لو يعرف كيف عاشت..….)
“إذًا سأطلبُ من الطاهي تحضير عصير تفاح.”
اتّسعت عينا دانا لكلامه، ثم انحنتا بلطف.
“شكرًا لك. أودّ أن أتناوله معك، حضرة الماركيز.”
هل هذا ما يشعر به من لديه جدّ؟
دفء هذه المودّة التي يمنحها لها دون مقابل جعل قلب دانا دافئًا على نحوٍ غريب.
وبينما كانا يتبادلان حديثًا هادئًا، وصلا دون أن يشعرَا إلى القلعة.
كان غريبًا كيف أنّ دانا، كلما جاءت إلى هذا المكان، شعرت براحةٍ تسكن قلبها.
“تمَّ إعداد الطعام. تفضّلا بالجلوس.”
حتى خدم القلعة اعتادوا الآن تحضير مائدة الاثنين بسلاسة.
تظاهر ليام بالتركيز على الطعام، بينما كان في الحقيقة يراقب ذوق دانا.
فإن لاحظ طعامًا تأكله بشهية، أوصى الطاهي بتقديمه مجددًا لاحقًا.
لم يعد الوقت الذي يقضيانه معًا محرجًا.
ومنذ قدومها إلى هنا، استمرّت أيّام هادئة إلى حدّ السكينة.
‘بهذا الشكل… ربما أستطيع نسيان إدوين.’
فكّرت دانا بوجهٍ يحمل مرارة خفيفة.
في تلك اللحظة، اندفعت آنسي إلى غرفة الطعام على عجل.
كانت تلهث بقوّة، كأنها ركضت دون توقّف.
“ما الأمر؟”
سألها الماركيز بصوتٍ جاد.
فملامح آنسي لم تكن مطمئنة.
“حـ، حدث أمر خطير! وحشٌ قد هاجم!”
“هل ظهر وحشٌ من الرتبة الدنيا مجددًا؟ وأين الفرسان…….”
“لا!”
“هذه المرّة وحشٌ من الرتبة العليا!”
تصلّبت ملامح ليام بسرعة عند كلماتها.
***
لم يكن أحد يتوقّع ما حدث.
اقتحم وحشٌ من الرتبة العليا الإقطاعية.
لم يكن الفرسان العاديون نِدًّا له.
فرغم أنّه كان واحدًا فقط، إلا أنّ قوّته كانت هائلة.
دوم-!
كانت الأرض تهتزّ مع كل خطوة يخطوها المخلوق.
هرب سكان الإقطاعية وهم يصرخون فزعًا.
ولم تقع إصابات بعد.
لكن إن لم يُقضَ عليه فورًا……
اجتمع فرسان بيت الماركيز لوضع خطة.
ظنّوا أنّ توحيد القوى قد يُجنّبهم الأسوأ.
وبينما كان المخلوق يجتاح الإقطاعية، توقّف أمام الدفيئة المليئة بزهور تورسه.
فالطاقة التطهيرية المنبعثة من الأزهار صدّته.
ويبدو أنّ ذلك أثار غضبه، فزأر واستدار.
“آآاه!”
تجمّدت ليلي في مكانها بعدما التقت عيناها بعيني المخلوق دون أن تتمكّن من الهرب.
وبدأ المخلوق يندفع نحو ليلي التي انفجرت بالبكاء رعبًا.
“ليلي!”
رأت دانا المشهد، فأسرعت ووقفت أمام ليلي تحجبها عنه.
وبسبب ضوء الشمس الساطع، كان من الصعب تمييز هيئة المخلوق بوضوح.
كان جسد أسود قاتم يوشك أن ينقضّ عليهما.
وفي تلك اللحظة—
قفز ظلٌّ مظلم من خلف المخلوق.
هبط بخفّة على رأسه، ووجّه سيفه دون تردّد إلى منتصف جبهته.
كانت حركة رشيقة إلى حدّ يصعب تصديق أنها لإنسان.
ثم……
كراااه-!!
اخترق السيف الطويل نواة المخلوق بدقّة.
تجمّد الجميع وهم يشاهدون المخلوق يُقهر في لحظة.
طَخّ-
لم تمضِ سوى لحظات حتى سقط المخلوق أرضًا بعد إصابته في نقطة ضعفه.
هبط صاحب السيف على الأرض بهدوء.
وفي ضوء الشمس المتلألئ، تقدّم الظلّ إلى الأمام.
‘هل… يتّجه نحوي؟’
على نحوٍ غريب، بدا أنّ خطواته تتّجه إلى دانا مباشرة.
ومع اقترابه، اتّضحت ملامحه شيئًا فشيئًا.
ضيّقت دانا عينيها لتتبيّن الرجل، ثم شهقت.
“إدوين……؟”
ألم تقل إنها قادرة على نسيان إدوين؟
كان ذلك وهمًا محضًا.
التعليقات لهذا الفصل " 109"