الفصل 108
ببضع خطوات فقط، استطاعت أن تبتعد عن إدوين.
ضحكت بسخرية وفراغ. ومع تبلّل عينيها بالدموع، تشوّش مجال رؤيتها.
وحين فتحت الباب، كان ماركيز آريا واقفًا هناك.
كان ينتظر دانا في هذا المكان طوال الوقت.
اتسعت عينا دانا.
“هل كنتَ هنا طوال هذه المدة؟”
بسببي……؟
لم يسأل ليام عن شيء.
“لا يمكنني أن أسمح لسمو الأميرة بأن تستولي على غرفتي هكذا.”
وعند مزحته، ابتسمت دانا ابتسامة واهنة.
“يُرجى اتباعي.”
تقدّم الماركيز أولًا. إلى أين يذهب؟
لم يتجه إلى غرفة الضيوف، ولا إلى قاعة الولائم.
كان ينزل الدرج فقط، بلا نهاية.
تبعت دانا الماركيز بشرود.
لم تكن تريد التفكير في أي شيء الآن.
فما إن تتوقف، حتى يعود مشهد إدوين الأخير ليطفو أمام عينيها.
وجهه البائس الملطّخ بالجراح.
أرادت أن تحبه بحرية كما في السابق، ولو في هذه اللحظة.
لكن في كل مرة، كانت تتذكر تلك النظرة الحادة كحدّ السيف التي رأتها في الحفل.
‘أنا لستُ كفؤًا.’
كانت تفتقر كثيرًا إلى مؤهلات زوجة الأمير القادرة على تحمّل كل شيء ومواجهته بثبات.
في تلك اللحظة، زلّت قدم دانا على الدرج.
آه!
أغمضت عينيها بقوة استعدادًا للألم، لكن لم يحدث شيء.
“يبدو أنكِ مصمّمة على إنهاك هذا الرجل العجوز حتى النهاية.”
“آسفة، آسفة جدًا!”
كان الماركيز قد أمسك بدانا قبل أن تسقط.
“كِدنا نتدحرج معًا.”
وبينما واصلت دانا الاعتذار، قال ليام بلا اكتراث.
“لا بأس. فماذا قد يحدث إن تدحرج عجوز من على الدرج غير الموت؟”
“……أنا آسفة حقًا.”
وعند كلماته القاسية، واصلت دانا الاعتذار.
خفّف ليام سرعته، وسار إلى جانبها.
كانت دانا تتيه أحيانًا، أو تحبس دموعها بصعوبة.
استطاع أن يخمّن الوضع إلى حدّ ما.
فحتى زيارتها لإقطاعية آريا، بدت وكأنها لا تعلم شيئًا عن هوية زوجها.
وقد مرّ وقت قصير جدًا حتى حلّ احتفال التأسيس.
كان وقتًا غير كافٍ لتقبّل عاصفة عاتية كهذه.
واجهت الرياح بجسدها العاري، دون أي استعداد.
من دون أن تدرك حتى أن جسدها كان يتحطم.
وعندما عجزت عن الاحتمال، لا بد أنها اختارت الفراق.
‘لكن هل سيتركها الأمير الثالث……؟’
لا، لم يكن ليفعل.
في عيني الأمير الثالث اللتين رآهما قبل قليل، كان الهوس يتدفّق بلا هوادة.
قطع أفكار ليام صوتٌ صافٍ.
“سيدي الماركيز، إلى أين نتجه الآن؟”
سألت دانا عن وجهته بحذر.
لو كان شخصًا آخر، لما تبعته أبدًا.
لكن الماركيز، لسببٍ ما، بدا لها غير مؤذٍ. بل مألوفًا ودافئًا.
“من حسن الحظ أن البوابة في الملحق.”
بوابة؟ بدا الارتباك واضحًا على وجه دانا عند كلماته.
“سنغادر إلى إقطاعية آريا.”
“الآن؟”
سألت بدهشة من هذا القرار المفاجئ.
“سيدي الماركيز، إن كان هذا بسببي…….”
إذ شعرت بالذنب لأن الماركيز، الذي جاء إلى العاصمة بعد زمن طويل، لا يبدو أنه استمتع حتى بالحفل بسببها.
“لا.”
وخلال الحديث، وصلا أمام البوابة.
وبعد أن تأكّد الفارس الحارس من هوية الماركيز، تنحّى جانبًا وفتح الطريق.
قبل أن تُفتح البوابة، نظر ليام إليها.
“أنا من طلب من سموّ الأميرة القيام بهذه الرحلة. أعتذر، لكن وضع الإقطاعية ليس جيّدًا، وأرجو أن ترافقيني الآن.”
أي أن رحيل دانا كان بسببه وحده.
“هل مِن أمرٍ يحدث في إقطاعية آريا؟”
سألت دانا بقلق، فهزّ رأسه.
“ستعرفين عندما نصل.”
وتابع ليام.
“كنت قد أخبرتُ جلالة الإمبراطور أنني سأحضر اليوم الأول من احتفال التأسيس فقط. وقد وفيتُ بوعدي له، أما وضع الإقطاعية فطارئ، لذا سيتفهم جلالته الأمر.”
بدا وكأنه يحاول طمأنتها أولًا.
“……”
لم تستطع دانا أن تنطق بكلمة لبرهة.
اختنق صوتها من شدّة الامتنان لمراعاتِه.
“……شكرًا لك، سيدي الماركيز.”
وعند صوتها الذي بالكاد خرج، أومأ الماركيز برأسه.
لم يكن ليام يعتزم أخذ دانا دون خطة.
كان ينوي أولًا اصطحابها، ثم إرسال شخص لإبلاغ الإمبراطور بشأن وضعها.
وبعد قليل، فُتحت البوابة. أخذ الضوء الأبيض يتسع، كأنه سيبتلعهما.
***
في اليوم التالي، وبينما كان الإمبراطور يباشر شؤون الحكم، رفع رأسه عند سماع ضجيج.
“منفضلكَ انتظر قليلًا، سموّ الأمير الثالث!”
ما الذي يحدث؟
وقبل أن يستوعب الإمبراطور الموقف، فُتح باب المكتب بعنف.
“آه! أخفتني!”
انفعل الإمبراطور من شدة المفاجأة.
“ما هذا منذ الصباح الباكر!”
وضع يده على صدره الذي كان يخفق بعنف.
“جئتُ لأقول شيئًا.”
لم يكن يهمّه إن فزع والده أم لا.
دخل إدوين في صلب الموضوع مباشرة.
“غادرت دانا بالأمس مع ماركيز آريا.”
“أعلم. أرسل الماركيز شخصًا لإبلاغي. يبدو أنها ذهبت في رحلة العمل أبكر مما توقعت.”
“رحلة عمل؟”
“ألم تخبرك؟ ألم تكونا معًا أمس؟”
ارتسمت على وجه إدوين ابتسامة كالقناع وهو يقول.
“دار بيننا حديثٌ أخطر من ذلك.”
“هاه، لا بد أنها قالت إنها ستترككَ.”
قال الإمبراطور ذلك وهو يشبكُ ذراعيه، وكأنه يعرف كل شيء.
ارتفع حاجب إدوين قليلًا بعدم رضا.
“ستعود دانا إليّ. نحن زوجان.”
“وهل تسير الأُمور وفق هواكَ دائماً؟”
“أعلم أن جلالتكَ قد رُفضَ من قِبل والدتي خمسين مرة.”
“أنتَ! كيف عرفت ذلك!”
كحّ، كحّ.
تنحنح الإمبراطور واتخذ ملامح جادّة.
“على أي حال، أنتَ أمير الإمبراطورية. يجب أن تعرف مكانتك وتتحمّل مسؤولية حتى أصغر تصرّفاتك. والاعتناء بالأميرة القرينة من واجبك.”
“……”
“ما فعلتموه أمس كان متهورًا للغاية.”
انبعث من الإمبراطور جوّ مهيب. كان ذلك متوقعًا.
فقد انساقوا وراء مشاعرهم وأفسدوا فعاليةً رسمية.
وتواصل توبيخه لفترة، متسائلًا إن كان ما زال يستحق أن يُدعى أميرًا.
“وما الذي تنوي فعله الآن؟”
“لن أعود إلى القصر الإمبراطوري في الوقت الحالي.”
بل ربما، لفترة طويلة جدًا.
ابتلع إدوين كلماته اللاحقة.
“……”
ظلّ الإمبراطور صامتًا لبرهة.
“وصلني هذا الصباح خبر من فرقة التحقيق التي أُرسلت إلى إقطاعية آريا.”
“هل هناك ما يحدث في الإقطاعية؟”
هل هو أمر خطير؟ فكر فورًا في دانا.
لم يفهم سبب ذهابها في رحلة عمل إلى هناك.
وتابع الإمبراطور.
“كما حدث في واقعة الوحوش السابقة، ظهرت وحوش دنيا في الإقطاعية. ويبدو أن أعدادها ازدادت منذ الفجر.”
“إدوين.”
ناداه الإمبراطور.
“بصفتك قائد فرسان الرون، آمرك بالخروج في حملة.”
***
“هل ما عشناه أمس كان حقيقيًا؟”
“ما زلتُ أشعر وكأنني أحلم…….”
تجمع موظفو قسم إدارة الجرعات فور وصولهم إلى العمل، يتحدثون عن حفل الرقص.
“عمل معنا وهو يخفي أنه من العائلة الإمبراطورية؟ لا، لماذا قد يفعل شيئًا كهذا؟”
كان الوضع عصيًا على الفهم.
في تلك اللحظة، فُتح باب المكتب بقوة.
كان إدوين.
“صباح الخير…….”
انحنى الجميع باحترامٍ أمام الموظف المُبتدئ الذي اعتادوا مناداته براحة.
“صباح الخير.”
أما المتسبب في اضطراب الأجواء، فمرّ بينهم بهدوء تام.
“جئتُ لأقدّم استقالتي.”
وعندها أشار أحد الموظفين إلى توني.
سبب زيارة إدوين للمكتب اليوم كان ترك العمل.
فمهما يكن، دانا كانت ترغب بأن يترك وظيفته.
‘فهل ستواصل دانا العمل إذن؟’
راود الشكُّ إدوين.
كانت حياة دانا الماضية قائمة على الاستغلال.
هل كانت تعمل لأنها تريد ذلك فعلًا؟
هل فكّرت دانا يومًا في حُلمها الخاص؟
أنهى إدوين أفكاره مؤقتًا واتجه نحو مكتب توني.
هييك!
شهق توني من شدة المفاجأة.
لا تقل لي أنه يحمل ضغينة بسبب اعترافي للأميرة القرينة……!
بدأت ساقاه ترتجفان، ولم يستطع النهوض من الكرسي.
ثبتت عليه عينان حمراوان مباشرة.
“جئتُ لأقدّم لكم استقالتي.”
“ت، تكلّم براحة…… سموّ الأمير الثالث……!”
“حسنًا. جئت لأقدّم استقالتي.”
تغيّر أسلوبه في لحظة.
لم يكن ذلك يهم إدوين، كيفما كان.
“كيف أكتبها؟”
وعند سؤال الأمير الثالث، خرجت غريزة توني دون وعي.
طبعه الذي ينحني بلا حد أمام من هم أعلى منه.
“يكفي أن تضع نقطة فقط، وسأتكفّل أنا بالباقي!”
“بسيط إذن.”
لم يكن يتوقع أن ترك العمل قد يكون بهذه السهولة.
أخرج إدوين قلمه الحبر، ووضع نقطة على الورقة البيضاء.
التعليقات لهذا الفصل " 108"