الفصل 105
“سـ..سـ… سموّ الأميرة القرينة؟”
بظهور دانا المفاجئ، تجمّد الجميع في أماكنهم.
كان وضعًا يمكن اعتباره إهانةً للعائلة الإمبراطورية دون أي مجال للاعتراض.
أنزلوا رؤوسهم وهم يراقبون ردّة فعل الأميرة القرينة.
هل ستغضب؟ أم ستنهار باكية وتهرب؟
كانت لا تزال شابة. وكلما أظهرت مشاعرها بصدق، تحوّل الأمر إلى إشاعة ممتعة.
“…….”
على عكس التوقعات، راحت دانا تتفحّص الواقفين أمامها بهدوء.
عيناها الزرقاوان، اللتان يصعب قراءة مشاعرهما، بدتا كأنهما تخترقانهم.
من التقت أعينهم بعيني دانا ارتجفوا لا إراديًا.
‘ليست شخصًا يمكن الاستهانة به……!’
أمام مظهرها الثابت الذي لا يتزعزع، انحنت رؤوسهم تلقائيًا.
“نعتذر! لم نكن نعلم أنكِ هنا……!”
“حقًا لم نكن نعرف، كان خطئي أنني لم أتنبه للمكان!”
بينما كان النبلاء يعتذرون بارتباك، فتحت دانا فمها.
“هذا غريب.”
صوتها الواضح ارتطم بهم بلا مواربة.
“كأن كلامكم يوحي بأن الأمر لا بأس به ما دمتُ غير موجودة.”
ذلك الشك، وتلك الإهانة.
حينها فقط أدركوا زلّة ألسنتهم.
“هـ، هذا كان خطأً غير مقصود……!”
الأميرة القرينة التي ظنوها ضعيفة ووديعة، كانت تبث هالة باردة متواصلة.
وحين أدركوا خطورة الموقف، أخذوا يتوسلون بذلّ.
“ماذا علينا أن نفعل لتُسامحنا سموّكِ……؟”
“نحن مخطئون، سامحينا يا سموّ الأميرة!”
ومع تعالي الأصوات، بدأ الآخرون يلتفتون إلى المكان.
“ما الذي يحدث هناك؟”
“أليست تلك الأميرة القرينة؟”
تحوّل الاهتمام طبيعيًا نحو دانا.
هل تسببت الأميرة القرينة بمشكلة؟
كان موقفًا مثيرًا للاهتمام للغاية.
قالت دانا بهدوء، بحيث لا يسمعها إلا الواقفون أمامها.
“أتمنى أن تستمتعوا بوقتكم… بهدوء.”
أمام المعنى الواضح: ‘اصمتوا’، أومأ الجميع برؤوسهم بسرعة.
غادرت دانا قاعة الحفل بخطوات مستقيمة.
وبسبب تصرّفها الهادئ وكأن شيئًا لم يحدث، فقد الناس اهتمامهم سريعًا.
خارج قاعة الحفل، وبعد ممر طويل، كانت هناك غرف استراحة أعدّها القصر الإمبراطوري.
وبما أن بعض النبلاء كانوا يتفقدون أزياءهم أو يأخذون قسطًا من الراحة، لم يرَ أحدٌ في تصرف دانا أمرًا غريبًا.
أمسكت بطرف فستانها وسارت في الممر الطويل.
بذلت جهدًا كبيرًا لتبدو طبيعية قدر الإمكان.
وحين انعطفت عند الزاوية، انفلت الزفير الذي كانت تحبسه.
ولأن وقتًا قصيرًا فقط مضى على بدء الحفل، لم يكن هناك أحد قرب غرف الاستراحة.
أخيرًا… كانت وحدها.
خذلتها ساقاها، فاستندت إلى الجدار وجلست أرضًا.
ماذا أفعل هنا أصلًا؟
هل لاحظوا ارتجافي؟
‘هذا الشكل الآن…… لا يبدو وكأنه أنا.’
مرّرت دانا يدها الجافة على وجهها.
وكانت يدها الصغيرة ترتجف بوضوح.
نظرت إليها دانا، ثم ضحكت ضحكة فارغة.
في تلك اللحظة، فُتح باب غرفة الاستراحة المقابلة لها مباشرة.
ظنّت أنَّ ما من أحدٍ هنا…!
نهضت دانا بسرعة.
كان عليها أن تكون قوية، بصفتها زوجة أمير.
لكن الشخص الذي واجهته كان غير متوقع.
“مرّ وقت طويل، يا سموّ الأميرة.”
“الماركيز آريا……؟”
كان الماركيز آريا الذي التقت به أثناء إحدى الرحلات.
تأمّل ليام وجه دانا للحظة.
لم تكن تبكي، لكن عينيها كانتا محمرّتين.
كانت تكبت سيلًا من المشاعر بأقصى ما تستطيع.
لم يسألها عن شيء.
كان فقط ينتظر أن تهدأ دانا.
حين نظرت دانا في عيني ليام، شعرت بأن قلبها يستقر تدريجيًا.
لم ترَ فيه فضولًا، ولا طموحًا، ولا اهتمامًا من أي نوع.
فتح ليام فمه أولًا.
“مع التقدّم في العمر، يصبح النظر في الليل أضعف.”
“…….”
“إن لم يكن في ذلك إزعاج، أودّ أن أطلب من سموّكِ إرشادي إلى الحديقة الخلفية…….”
كانت دانا قد دخلت القصر الإمبراطوري للتو، ولم يكن من الممكن أن تعرف بنية الحديقة الخلفية.
ومع ذلك، ابتسمت ابتسامة خفيفة وأومأت برأسها.
***
كان إدوين في تلك الأثناء يستقبل وفود الدول الأجنبية. فقد جلبوا جميعًا هدايا زواجٍ للأمير الثالث وزوجته.
في الأصل، كان من المفترض أن يستلمها مع دانا، لكنه كان يعلم أنها تحتاج إلى الراحة الآن.
كان عليه أن يستقبلهم بإتقان مضاعف، نصيبًا عنه وعنها معًا.
“في مملكتنا ريم، يوجد طائر لا يحبّ إلا شريكًا واحدًا طيلة حياته. هذا تمثال صُنع على هيئته.”
“جميل.”
ما إن يتسلّم إدوين الهدية، حتى يتقدّم وفد آخر ليقدّم تهنئته وهديته.
جالسًا على الكرسي، ومحاطًا بهم، كان إدوين يشتاق إلى دانا.
أراد أن يلمحَ ولو حتى ظلها خلف ستارة الشرفة.
’أزيحوا أجسادكم هذه، أنا لا أرى زوجتي.‘
كم مرة أراد أن يقولها، لكنه اضطر إلى كبح نفسه.
فمن الآن فصاعدًا، كل تصرّف يصدر منه سيؤثّر على دانا أيضًا.
استمرّت تحيّات الوفود لبعض الوقت.
وأخيرًا، حين انتهت آخر تهنئة، نهض إدوين على عجل.
هل ما زالت دانا في الشرفة؟
إن لم يتأكّد من حالتها، شعر وكأنه سيفقد صوابه.
وبينما كان يخطو بخطى سريعة، وصل إليه صوت الإمبراطورة.
“دانا ليست هناك.”
عندها تلألأت عيناه الحمراوان بحدة. كان يجب أن تكون دانا دائمًا في مكان يعرفه.
“أين هي؟”
“توجّهت إلى غرفة الاستراحة. بدت صلبة جدًا.”
صلبة؟ ماذا حدث هناك؟
كان قلقًا عليها بشدة، لكنه قرّر أن يسأل لاحقًا. فمجرد ابتعادها عن نظره جعل القلق يفيض حتى رأسه.
راقبت الإمبراطورة إدوين وهو يبتعد، وتذكّرت المشهد الذي رأته قبل قليل.
لم تكن تعرف ما الذي حدث، لكن عيني دانا حين خرجت من الشرفة كانتا باردتين.
كان تركيز الإمبراطورة كلّه منصبًا على كنَّتها. إن كان هناك من تجرّأ وأذى دانا، فلن تقف مكتوفة الأيدي.
ومن الجو العام، بدا واضحًا أنهم أساؤوا إليها.
‘من الواضح ما الذي جرى.’
لا بدّ أنهم انتقصوا من شأن الأميرة، وقد سمعتهم دانا بنفسها.
كانت الإمبراطورة قد مرّت بتجارب مماثلة لفترة طويلة.
هي الآن لا تتأثّر بمثل هذه الأمور.
لكن كنّتها الساذجة، من المحتمل أنها أُصيبت بجرح عميق.
وبينما كانت الإمبراطورة تهمّ بالاقتراب، انفرجت شفتا دانا قليلًا.
قالت بضع كلمات بوجه جامد، فشحب وجه من حولها.
جمّدتْ الجميع في أماكنهم، ثم غادرت قاعة الحفل برشاقة.
نظرت الإمبراطورة إليها بنظرة راضية.
مهما كان ما بداخلها، فقد تصرّفت دانا ظاهريًا بثبات ملحوظ.
تجاوزت الموقف بنفسها، وكان ذلك مثيرًا للإعجاب.
***
من جهته، كان إدوين يتوجّه بخطوات سريعة نحو غرف الاستراحة.
كانت غرف عديدة مصطفّة على جانبي الممر.
أين يمكن أن تكون دانا؟
فتح بهدوء باب أقرب غرفة استراحة. ففتح الباب بعنف قد يفزعها.
لكن حتى بعد فتح الغرفة الرابعة، لم تكن دانا هناك.
أين ذهبت؟
اندفع إدوين نحو نهاية الممر. وكما توقّع، كان أحد فرسان القصر يحرس المكان.
لم يكن ظاهرًا للضيوف كي لا يبعث فيهم التوتر، لكنه كان في نقطة مهمّة.
انهال صوت إدوين القَلِق على الفارس.
“هل رأيتَ الأميرة القرينة؟”
“نعم، رأيتُها.”
“أين هي؟”
جاء ردّ الفارس على غير المتوقع.
“غادرت باتجاه الحديقة الخلفية مع الماركيز آريا.”
“الماركيز آريا؟”
هل حضر ذلك الرجل إلى الحفل؟ كان شخصًا لم يظهر في العاصمة منذ زمن.
“هل أنتَ متأكّد؟”
“نعم. لقد تحقّقنا من الحضور من أجل الحفل. من الوجوه والبيانات جميعها.”
ناول الفارس ورقة تتضمّن المعلومات الشخصية.
ما إن رأى إدوين صورة الماركيز آريا، حتى اندفع فورًا نحو الحديقة الخلفية.
تحت سماء الليل المعتمة، كانت المصابيح السحرية تشعّ بنور خافت.
راح إدوين يجوب الحديقة الواسعة باحثًا عن دانا.
لكنها لم تكن هناك.
رغم حدّة حواسه وسمعه المتميّز، لم يتمكّن من العثور عليها.
كان متيقّنًا.
دانا ليست هنا.
بدأ القلق يتصاعد داخله بلا توقف.
وضع لا يسير فيه شيء كما يريد، دفع إدوين إلى حافة التطرّف.
“دانا…….”
تصلب وجهه ببرود، وبدأ الهوس الذي أخفاه طويلاً من أجل دانا يرتفعُ إلى السطح ببطء.
لم يعد قادراً على الانتظار بصبر أكثر من ذلك.
التعليقات لهذا الفصل " 105"