الفصل 103
بدأ التحضير لحفل القصر الإمبراطوري بشكلٍ جدي.
لم تكن دانا تعلم حتى اليوم أن الأمر يحتاج إلى هذا العدد الكبير من الأيادي.
التصق مساعدو شارلوت بها من الجانبين، واعتنوا بها بكل ما يستطيعون.
بدا وكأنهم يديرون حتى أدقّ شعرة بعناية.
وبقدر ما انهالت العناية، مرّ الوقت بلا حساب.
حتى وصولها إلى قصر الأمير، كان ضوء الشمس ساطعًا في كل مكان، أمّا الآن فقد بدأ الغروب ينسدلُ ببطء.
‘هل يستغرق التحضير للحفل كل هذا الوقت؟’
تفاجأت دانا كثيرًا في داخلها.
‘هل جلالة الإمبراطورة هي من أصدرت الأمر؟ أن يعتنوا بي لهذه الدرجة؟’
فالمظهر البسيط أكثر من اللازم لن يفيد العائلة الإمبراطورية……
رغم أنها كانت جالسة دون أن تفعل شيئًا، إلا أن التعب أخذ يزحف إليها.
حتى العمل الإضافي لم يكن مُرهقًا إلى هذا الحد.
ربّتت شارلوت البودرة على وجهها.
“كنت أظن أنكِ ستكونين في قصر الأمير منذ الأمس. كان يجب إجراء المساج والعناية بالبشرة.”
“هل جئتِ أمس؟”
“بالطبع، عادةً يبدأ التحضير للحفل قبل أسبوع كامل.”
شهقت دانا عند سماع ذلك.
“صاحب السمو الأمير الثالث هو من منعنا.”
“……إدوين؟”
“نعم، قال ألا نُتعب صاحبة السمو الأميرة.”
قالت شارلوت مبتسمة إن التحضيرات قُلّصت إلى الحد الأدنى جدًا.
بدا أن الأميرة أمامها غير معتادة على لمسات الآخرين، إذ كانت تنتفض بجسدها بين الحين والآخر.
لم تكن تشبه فتيات النبلاء المعتادات.
ومع طول وقت الزينة، كان شحوب وجهها يزداد وضوحًا.
‘لسببٍ ما… إنها لطيفة.’
أبعدت شارلوت هذه الفكرة الجريئة وقالت.
“انتهينا من الشعر والمكياج. الآن حان وقت ارتداء الفستان.”
“هاه… هل انتهينا تقريبًا؟”
سألت دانا بحذر.
كان في عينيها الزرقاوين رجاءٌ واضح.
‘أرجوكِ، دعيني أذهب.’
ابتسمت شارلوت بخفة.
“بالطبع! لقد أنهينا نصف العمل بالفعل!”
“نصف…؟”
“صاحبة السمو الأميرة، يكفي أن تثقي بنا وتتبعينا.”
ضحكت شارلوت ومساعدوها بخفة وهم يقتربون من دانا.
شحُب وجه دانا تمامًا وهي محاطة بهم.
ومع حلول الظلام، دخلت عشرات العربات إلى القصر الإمبراطوري.
بين الصفوف الطويلة، كان الفرسان يتحققون من الهويات.
النبلاء القادمون من العاصمة والمقاطعات المختلفة توجهوا إلى قصر الإمبراطور بوجوه متحمسة.
لكن دانا كانت لا تزال قيدَ التحضير.
“ارفعي ذراعكِ قليلًا.”
“استديري دورة واحدة.”
“امشي حتى هناك.”
هل هذا تدريب بدني؟
اتبعت دانا تعليمات شارلوت بإخلاص.
لأنها كانت تريد أن ينتهي الأمر بأسرع ما يمكن.
“علينا اختيار الأقراط… هل نختار الألماس الشفاف أم الوردي؟”
“نعم، هذا يبدو جيدًا.”
“ماذا تقصدين بذلك؟”
“أنا أيضًا يعجبني.”
في النهاية، لم تعد تعرف حتى ما الذي تقوله.
وحين بدأت ساقاها ترتجفان، أعلنت شارلوت بصوتٍ مشرق.
“انتهينا تمامًا، صاحبة السمو الأميرة!”
أخيرًا، الهروب.
أحاطت شارلوت ومساعدوها بدانا وابتسموا.
وعندما دقّقت النظر، رأت الهالات الداكنة تحت أعينهم.
لم تكن دانا وحدها المتعبة.
تناوب الثلاثة على مدحها.
“أنتِ جميلة. يفيض منكِ الوقار.”
“أنتِ مفعمة بالوقار. وجميلة أيضًا.”
“أنتِ وقارٌ بعينه.”
يبدو أن آخر شخص نطقَ كان بحاجة ماسّة إلى الراحة.
قدّمت دانا شكرها الصادق لهم على كل ما بذلوه من أجلها.
“شكرًا لكِ. لقد بذلتِ جهدًا كبيرًا.”
“…….”
على تلك الكلمات، ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه شارلوت.
لأنها شعرت بصدق مشاعر الأميرة.
في تلك اللحظة، دوّى صوت طرق على الباب.
“لقد وصل صاحب السمو الأمير الثالث.”
“يبدو أن سمو الأمير قد أنهى استعداداته أيضًا.”
قالت شارلوت ذلك ثم غادرت الغرفة.
بعد أن تلقّى إدوين تحيتها، دخل إلى صالة الاستقبال.
اتسعت عيناه فور رؤيته لدانـا.
الخفقان الذي بدأ من صدره اهتزّ في جسده كله.
حتى بعد أن رآها سابقًا وهي ترتدي فستانًا، لم يهدأ قلبه بسهولة.
أمام هيئتها المبهرة حدّ الذهول، فقد وعيه لوهلة.
“……أنتِ جميلة، دانا.”
على كلماته، احمرّ خدّا دانا.
وبما أن اليوم يوم مهم، كانت تنوي الحفاظ على هدوئها طوال الوقت.
لكن قلبها خان عقلها.
بسبب كلماته المليئة بالإعجاب، تصاعدت حرارة إلى وجهها.
أدارت دانا رأسها محاولة ألا ينكشف أمرها.
وفوق ذلك، كان الزيّ الإمبراطوري الفاخر يبدو وكأنه صُنع خصيصًا لإدوين.
شعره الأشقر المتلألئ المصفف إلى الخلف انسجم مع الخيوط الذهبية المزيّنة للزي، فزاد بريقه.
‘كيف لم أدرك ذلك من قبل.’
من إدوين المتأنق ببذخ، انبعثت هيبة تليق بعضو من العائلة الإمبراطورية.
ذلك الشعور بالغربة الذي كانت تحتفظ به في جانب من قلبها دائمًا.
أمام مظهره، لم يدم الارتباك طويلًا، بل صار شعورها معقدًا.
أصبحت حقيقة أن إدوين أميرًا أكثر وضوحًا.
وهدأ عقلها.
اقتربت دانا منه أولًا.
“هل ننطلق الآن؟”
إدوين، الذي لم يستفق بعد من تأثيرها، أجاب شاردًا.
“نعم، لنذهب.”
***
“يا إلهي، دانا! أنتِ جميلة حقًا!”
ما إن دخلت قاعة الحفل، ظهر قسم إدارة الجرعات مجتمعين معًا.
اقتربت كيرا من دانا بابتسامة عريضة.
“هذه أول مرة أراكِ ترتدين فستانًا! يليق بكِ كثيرًا!”
بقية الموظفين بدوا مذهولين أيضًا وهم ينظرون إلى دانا.
لقد كان تحولًا كاملًا لدانـا التي اعتادوا رؤيتها بسيطة دائمًا.
وليس الموظفون فقط، بل بدأ نبلاء آخرون يرمقونها بنظرات خاطفة.
ابتسم إدوين ابتسامة مشرقة وهو يتفحّص المكان.
لو استطاع، لأزال أعينهم تلك…….
راودته فكرة مرعبة.
لكن لا ينبغي أن يُفزع دانا.
ترى، ما الذي تفكر به الآن؟
طوال الطريق من القصر الإمبراطوري، لم تنطق بكلمة.
هل كانت متوترة؟ أم أنها تفكر في أمر آخر…….
مجرد التخيل جعل قلبه يتجمد.
“هيه، لماذا ترتدي هذا الزي؟”
صوت توني قطع أفكاره.
“ماذا تقصد؟”
“أعني…… لماذا ترتدي هذا الزيّ…….”
عندها فقط، تجمعت أنظار الموظفين على إدوين.
“أ……؟”
“هذا الزيّ…….”
لم يجرؤ أحدهم على نطق كلمة ‘إمبراطوري’.
اكتفوا بالنظر بصمت إلى الأمير الأول والأمير الثاني.
كان الاثنان قد وصلا قبل الإمبراطور والإمبراطورة، ويتبادلان المجاملات مع النبلاء.
لماذا لباسه مطابق تمامًا لألبسة أصحاب السمو الأمراء……؟
عيون مليئة بالحيرة اتجهت نحو إدوين.
لكنه كان غارقاً في التفكير بدانا ولم يكترث لاهتمامهم المزعج.
فأجاب بوجه خالٍ من التعبير.
“أنا الأمير الثالث.”
“…….”
“…….”
ساد الهواء برودة مفاجئة.
نبرة صوته الخفيفة جعلت من الصعب استيعاب الموقف.
وبدأ حتى النبلاء البعيدون يبدون اهتمامًا بإدوين.
بسبب ملامحه الشبيهة بالإمبراطور ولباس الأمير.
هل هو الأمير الثالث المجنون الذي يتحدثون عنه؟
لكن لماذا لا يقف قريبًا من بقية العائلة الإمبراطورية؟
تبادلوا الهمسات.
قلة قليلة فقط كانت تعرف وجه الأمير الثالث.
لأنه قضى معظم حياته منذ طفولته في الشمال.
“هذه المزحة ليست مضحكة…….”
قال توني بصوت مرتجف بصعوبة.
في تلك اللحظة، دوّى صوت كبير الخدم الجهوري.
“يدخل جلالة الإمبراطور، وجلالة الإمبراطورة!”
فُتحت أبواب قاعة الاستقبال، ودخل الزوج الإمبراطوري.
قدّم جميع من في الداخل التحية وفق الأصول.
جلس الإمبراطور والإمبراطورة على المقاعد الموضوعة في أقصى القاعة.
وبعدها، فتح الإمبراطور فمه متحدثًا.
نقل مكبّر الصوت السحري كلماته إلى الجميع.
تواصلت خطبة احتفال التأسيس بصوت مهيب لبعض الوقت.
لكن موظفي قسم إدارة الجرعات لم يستطيعوا التركيز عليها.
بسبب القنبلة التي ألقاها إدوين.
“آه، ولدي خبر مهم أيضًا.”
تفقّد الإمبراطور الحاضرين في القاعة.
“لم أعلنه من قبل، لكن الأمير الثالث قد تزوّج. وقد زارنا وفد أجنبي لتقديم التهاني.”
ابتسم المبعوثون بابتسامة لطيفة عند سماع ذلك.
ثم دوّى صوت رسمي في أرجاء القاعة.
“أقدّم لكم رسميًا الأمير الثالث إدوين هيدرون، والأميرة القرينة دانا هيدرون.”
التعليقات لهذا الفصل " 103"