عند سماع الكلمة شعر دايـهان كأن شيئًا وخزه في صدره.
كان قد قال لها مرة إنها طفلة سيئة عندما وبّخها بسبب اللعب بالنار.
“إذا تريدين الذهاب نذهب.”
وهكذا أخذ دايـهان سيفييل، ومعه إلتن فقط، وتوجهوا إلى غرفة مييلا.
غرفة كانت مختبرًا ومسكنًا في الوقت نفسه.
وكحال معظم غرف البرج، كانت رطبة وقديمة.
بل أسوأ من غيرها، لأنها في نصف القبو.
الشيء الوحيد الذي بدا مرتبًا تمامًا هو الأوراق والأدوات العلمية.
وهذا كان يشبه مييلا.
وفي الداخل غرفة نوم صغيرة.
تلك كانت غرفتها.
“هل هذا…مخزن؟”
قال دايـهان وهو ينظر حوله.
صحيح أنه عرف ساحات الحرب وأماكن قاسية، لكنه كان يعرف أيضًا أن علماء برج السحر كنوز وطنية.
ومن الطبيعي أن يعيشوا في ظروف جيدة.
هكذا كان المنطق.
لكن سيفييل تصرفت وكأنها لا تفهم شيئًا.
“واااه! أقدر أجي هنا كثير؟ أنا بجي أدرس مع خالتي ومع أستاذها!”
“…هذا ممكن طبعًا.”
“طيب أنا اليوم بأنام هنا! صح؟ ينفع؟”
تجمدت الأجواء.
ضاقت عينا دايـهان.
“…ستنامين هنا؟”
قال إلتن وهو يقطب:
“المكان بارد، وليس مناسبًا بقاء الطفلة هنا.”
“مو… مناسب؟”
رمشت سيفييل كأنها لم تفهم.
ثم قالت فجأة كأنها تذكرت شيئًا.
“يعني…المكان…سيئ؟”
بدت مصدومة.
“لا تقولوا…إن الناس اللي قبل شوي كانوا يبغوا يطردوا خالتي؟”
تغير وجهها إلى حزن واضح.
“كيف…خالتي لازم تدرس…لو منعوها من المكتبة أو من المختبر…ما ينفع…”
انخفضت خدودها وانحنت كتفاها، كأن الفكرة وحدها مؤلمة.
تجعد جبين دايـهان بعمق.
“…همم.”
نظرت سيفييل بحذر إلى دايـهان تراقب ردّ فعله.
“يا عمّي الدوق…قلتَ إنه أستاذ مزيف، لكن…ما تقدر تسوي شيء واحد عشان ما يضايقوا خالتي؟”
“…حسنًا.”
أومأ دايـهان برأسه.
كادت سيفييل تبتسم حتى تتحول شفتاها إلى شكل قلب.
هذا هو… هذا!
كانت تعرف جيدًا كم أن شيوخ برج السحر صغار النفس.
اليوم سمحوا لخالتي تبقى،لكن أكيدبيحاولوا يطردوها لاحقًا.
كانت لدى مييلا خطط كبيرة في البرج، لكن على الأقل يجب حمايتها من المضايقات.
مثلًا…إرسال حرس يحموها،أو أخذ تعهدبألا يضايقها أحد.
هذا فقط ما كانت تتوقعه.
لو ساعد الدوق قليلًا فقط…
“همم. إذن…”
نظر دايـهان حوله من النافذة ثم قال:
“ابنوا مبنى.”
“…ها؟”
ظنت سيفييل أنها سمعت خطأ.
قال إلتن:
“هذا أمامه حديقة.”
“التنسيق سيئ. أزيلوه. نعم… ليكن على شكل تبرع.”
…
فتحت سيفييل فمها.
وميـيلا أيضًا بدت مذهولة.
“وأيضًا، لأن صغيرتنا قد تأتي لتبيت هنا.”
“نعم.”
“اجعلوا في المبنى غرفة ضيوف كبيرة جدًا. غرفة مخصصة للراكون الصغير.”
قال دايـهان.
“الجدران ملونة، السرير ناعم، والأرضية كلها سجاد. حتى تجري حافية.”
“نعم! سنجهّز غرفة أميرة رائعة!”
“وبما أننا نبني، نصنع حديقة خاصة أيضًا؟”
لحظة.
هل سيبني مبنى كامللأنني قلتإني قد أبيت هنا أحيانًا؟!
شعرت سيفييل أنه يجب إيقافه.
“مو لازم…في أشياء أهم…”
“مثل ماذا؟”
“خالتي لازم تستخدم المكتبة، والمختبر، ولازم يكون في ناس يحمونها، وما حد يضايقها.”
“صحيح.”
أومأ دايـهان.
إذا كانت الطفلة ستزور خالتها أحيانًا،
فيجب أن يكون المكان آمنًا.
مع أنني لا أحب أن تأتي أصلًا…لكن الاحتمالات موجودة دائمًا.
أشار بيده.
“ابنوا برجًا جديدًا. مع مختبرات، ومساحات كافية. قد تحتاج لإدارة تلاميذ، فليكن كبيرًا. بل…أكبر من برج السحر الحالي.”
“…بس راح يكرهوا هذا.”
“وإن كرهوا؟”
…
“أحد أحفاد المؤسس يريد التبرع، كيف يرفضون؟ لا تقلقي، يا راكون صغير.”
ربّت دايـهان على رأسها بلا مبالاة.
“هؤلاء لا شيء.”
“حقًا؟ ينفع كذا؟”
فتحت فمها بدهشة.
“لماذا لا؟”
قالها بهدوء،
وفي تلك اللحظة خرجت من قلبها مشاعر صادقة جدًا.
ولاء… ولاء… أحبكم يا عائلة ريمدراجون.
ابتلعت ريقها.
“…نعم.”
وأومأت وقد غمرها الإعجاب.
بعد أسبوع تقريبًا
…هو فعلًا هدم كل شيء.
وقفت سيفييل تنظر بذهول
إلى حديقة برج السحر وقد سُوِّيت بالأرض.
“إلتن… كيف سويت هذا؟ هذا كثير…”
أجاب مبتسمًا:
“كيف أقنعنا أليغرو؟ بالقانون طبعًا. وافقوا على قبول التبرع، مقابل أن لا نرفع دعوى لاستعادة إرث دوق ريمدراجون الأول.”
ثم تابع:
“وأضفنا شرطًا، أن مايلز ومييلا وأي تلاميذ مستقبلًا يستطيعون العمل في برج السحر دون أي قيود.”
…
“وأيضًا سنعيّن محاميًا لمييلا. إذا منعوها من استخدام أي مرفق، نقاضيهم فورًا.”
ثم حرّك يده كأنه يقطع رأسًا.
“إذا لعبوا… ينتهي الأمر.”
واو…هذا واقعي جدًا. رائع…
سيفييل، في عمر خمس سنوات، تتعلم حقيقة لم تتعلمها حتى في حياتها السابقة.
“إلتن…أنت شكلك شخص بالغ رائع.”
“هاها، كلام كبير هذا. على كل حال، الدوق أراد أن أريكِ كل شيء بنفسي. لا تنسي أن تشكريه.”
“أكيد.”
أومأت سيفييل بخجل.
* * *
بعد ذلك، قام دايـهان ببناء مبنيين، وأقام أحدث مرافق للبحث، كما أرسل مبلغًا ضخمًا من التبرعات، ووعد أيضًا بإرسال فرسان فورًا إذا تعرض مايلز أو مييلا لأي تمييز داخل برج السحر.
كان ذلك أول تحرك رسمي من عائلة دوق ريمدراجون منذ مئة عام.
وعندها بدأت العائلات الثلاث الحاكمة في اتحاد الممالك تراقب ريمدراجون بقلق.
* * *
وهكذا انتهت الحادثة مؤقتًا.
دخلت سيفييل إلى القصر.
واتضح أن لعائلة الدوق قصرًا صغيرًا فاخرًا قريبًا من العاصمة وبالقرب من القصر الملكي في أليغرو.
“عدتِ.”
“مم.”
كان دايـهان يقرأ الجريدة بلا مبالاة.
“ماذا؟”
اقتربت سيفييل تنظر إليه.
ثم مدت ذراعها بحذر.
نظر إليها لبضع لحظات،
ثم رفعها فجأة.
فالتفت سيفييل وعانقته من رقبته.
“شكرًا…”
…
“مم. الدوق هو الأفضل. أكثر شخص يمكن الاعتماد عليه في العالم!”
التنين الدوق الذي يعيش من أجل السيف والقوة، دايـهان ثاني أكثر عبارة يحب سماعها هي:
“أكثر شخص يمكن الاعتماد عليه في العالم.”
ارتفع طرف فمه بابتسامة خفيفة.
“حسنًا. طالما أن الراكون الصغير راضٍ، فهذا يكفي.”
كلمة واحدة قد تسدد ألف دين.
الأمر ليس صعبًا، إذا عرفت ماذا تقول ولمن تقول.
بالطبع، سيفييل لم تكن تقصد ذلك.
* * *
وهكذا عادت سيفييل إلى بيت الدوق بعد أن حققت نتائج غير متوقعة وقضت وقتًا ممتعًا.
لكن قبل أن تغادر، تركت لمييلا بعض الطلبات.
“خالتي…ثقي بي، واعملي كما أريد. وعد، اتفقنا؟ لا تقلقي من شيء. أنا أيضًا أستطيع حماية عائلتي. سأبذل كل ما أستطيع. فقط ثقي بي.”
كانت تلك آخر كلمات سيفييل.
هذه الطفلة حقًا…
كم هي ذكية؟
فكرت مييلا وهي تنظر إلى الدفتر الذي كتبت فيه سيفييل طلباتها.
“إنها تشبه أمها تمامًا…”
تذكرت مييلا.
“مييلا…عليك أن تقوي نفسك. أختك ستجد حلًا دائمًا. وعد. مهما كان الأمر صعبًا، لا تيأسي. لا تستسلمي. أنتِ ابذلي جهدك فقط، والباقي سأتحمله أنا. ثقي بأختك.”
عندما مات والدهما، كانت مييلا تبكي ولا تخرج من السرير، ويومها قالت لها ليليا هذه الكلمات.
عندما تذكرت ذلك، امتلأت عينا مييلا بالدموع.
قد يظن الناسأن الإخوة مجرد علاقة عادية… بعضهم أبعد من الغرباء.
وليس بعيدًا عائلة سيفييل نفسها كانت أقسى عليها من الغرباء.
لكن حياتي هذهدين لأختي.
هي التي أطعمتني، وألبستني، وجعلتني ما أنا عليه الآن.
إذن…هذه المرة سأحمي سيفييل.
حتى لو كرّست حياتي كلها.
اتخذت مييلا قرارها.
في ذلك اليوم، غادرت عائلة ريمدراجن عاصمة أليغرو.
والآن لا بد أن العربة عبرت البوابة.
في تلك اللحظة ارتفع صوت صاخب.
كانت يولين، ووجهها كأنه شيطان.
“مييلا! ما هذا الذي فعلتِه؟ تظنين أنكِ ستبقين في برج السحر بعد هذا؟ يا لكِ من حقيرة!”
كادت مييلا تتنهد.
نعم…يعرفون أن عائلة الدوق غادرت.
رأت غضب يولين، فبردت ملامحها تدريجيًا.
وتذكرت.ما حدث قبل الرحيل.
“سيفييل، بعد طقس التسمية.يجب أن يكون لكِ اسم وسط. ما هو؟”
عادةً يحصل أفراد العائلة الملكية على اسمين أو ثلاثة.
أسماء للطول في العمر والبركة.
قالت سيفييل وهي تأكل الحلوى:
“أعرف اسمي.”
“ما هو؟”
“كايلَا…موران…شويترا…نعم، هذا.”
اسمها الكامل:
سيفييل دي كايلَا موران شويترا أليغرو
لكن مييلا شحب وجهها فورًا.
“حقًا هذا الاسم؟”
“مم…أعرف أن معناه سيئ…”
ذهبت مييلا فورًا إلى دايـهان.
وأخبرته.
وكان إلتون سريع الفهم.
“لحظة…ثلاثة أسماء وسطى؟ كايلَا، موران، شويترا… هذه أسماء ليست للبركة. هذه أسماء للتضحية.”
“ماذا تعني؟”
سأل دايـهان.
“هذه أسماء لمخلوقات سحرية قديمة. كلها حشرات تعيش يومًا واحدًا فقط. وفي العائلة هناك ثلاثة أبناء.”
…
ثم تحققوا من أسماء الأبناء.
وكانت الحقيقة:
كل واحد منهم يحمل اسم مخلوق يعيش مئة سنة.
أي أن اسم سيفييل كان تعويذة.
“إذا أصاب أحد الأبناء خطر، فتموت هي بدلًا عنه.”
…
“بمعنى آخر…لعنة.”
صمت دايـهان لحظة.
ثم قال:
“لماذا أعطوها الاسم وهي في عمر سنتين؟”
“لأن اللعنة لا تعمل على الرضيع. يجب أن يكبر قليلًا.”
…
وقف دايـهان.
“هؤلاء…”
“اهدأ يا دوق!”
حاولوا تهدئته.
وبعد وقت قال وهو يصرّ على أسنانه:
“ابنوا البرج بسرعة. والآن، أيتها البشرية.”
“نعم، سيدي.”
كانت مييلا ترتجف من الغضب.
“نحن من ريمدراجون لا نتدخل في شؤون البشر بسهولة. لأن ذلك يفسد توازن العالم.”
“أعرف.”
“لكن الآن أعطيكِ مهمة. أصبحي قوية. والطفلة…ابنة أختكِ، وزوجة ابني المستقبلية. الطفلة التي تحت حمايتنا. عاقبي من أعطاها ذلك الاسم.”
“هذا ما أريده.”
“يولين هي من اختار الاسم. ومن الآن فصاعدًا هي مدينة لنا. وعائلة ريمدراجون لا تنسى ديونها.”
حتى بعد ذلك كسر ذراع الكرسي.
عندما تذكرت مييلا ذلك المشهد، ظهرت على شفتيها ابتسامة باردة.
ابتسامة لم تكن لديها من قبل.
تذكرت سيفييل تقول:
“خالتي…إذا كرهك الناس، يجب أن نصبح أقوى. أنتِ ذكية…لكن طيبة. وهم يستغلون هذا.”
نعم.
نظرت مييلا إلى يولين.
يجب أن أصبح أذكى. هذه المرة سأحميك أنا.
أصغر عالمة في برج السحر.
قررت أن تصبح شريرة من أجل ابنة أختها.
“الاتفاق مع ريمدراجون انتهى. ما المشكلة إذن يا رئيسة البرج؟”
قالت مييلا ببرود.
“ماذا؟ كيف تجرئين!”
“أظن أنكِ كنتِ تخافين مني. ذكية، ولا أطيع، وأفضل منكِ في شبابك.”
قالت بهدوء.
“حتى الطفل يمكن أن يعلمنا شيئًا.”
…
“تعلمت من ابنة أختي. الهروب من المتنمرين لا يفيد.”
تقدمت خطوة.
“بما أنني شوكة في عينك، سأصبح شوكة حقيقية. في يدك…أو في حلقك.”
“أنتِ…!”
غيرت تعبيرها فجأة.
“إن لم يكن لديك عمل، ارجعي. العلماء يعملون، أما من لا يسجل اختراعًا منذ سنوات، فلا يجب أن يضيع وقتنا.”
زاد غضب يولين.
“سترين! مستقبلك انتهى!”
“كأنكِ كنتِ تمهدين لي طريقًا مفروشًا بالزهور.”
وفي تلك اللحظة
دخل شيخ مسرعًا.
“مصيبة! يا رئيسة البرج!”
“ماذا؟!”
همس في أذنها.
خرجت بسرعة.
ثم رأت…
حشدًا هائلًا أمام برج السحر.
“قرأنا الإعلان!”
“تقبلون كل من لديه موهبة سحرية!”
“جئت من دوقية فولر!”
“أنا أيضًا قدمت الطلب!”
البوابة التي لا يدخلها أحد بلا إذن…
كانت الآن مليئة بالسحرة من كل مكان.
حتى متشردون.
تجهم وجه يولين.
“أنتم؟! تدخلون برج السحر؟ هذا ملكي!”
قال أحدهم:
“لكن الرسالة جاءت من البرج نفسه.”
مدوا الرسالة.
وما إن رأت يولين الختم…حتى شحب وجهها.
“برج السحر ملك للجميع،وكل من يملك موهبة في السحر أو العلم السحرييحق له أن يصبح تلميذًا.”
كان هذا محتوى الرسالة.
كانت رسالة مجهولة، لكن ختم برج السحر كان واضحًا عليها.
“بل ويبدو أن الخبر نُشر في الصحف أيضًا.”
همس أحد الشيوخ.
في جريدة هذا الصباح نُشر مقال عن
نُصب مؤسس البرجوالفلسفة التي تركهاالتنين القديم رافينه.
صرّت يولين أسنانها.
“كنت أشعر أن تلك الفتاة واثقة أكثر من اللازم… إذن كانت تخطط من وراء ظهري!”
ارتفعت الأصوات حولها.
“أليس برج السحر ليس ملكًا لأليغرو؟!”
“أدخلونا أيضًا!”
“لدينا حق في التعلم!”
“كيف تحتكرون معرفة التنين؟!”
وسط الصراخ، شحبت يولين.
لو طردتهم الآن…
سيتكلم اتحاد الممالك كلهعن ظلم أليغرو.
وسيضر ذلكبإبني العزيزالملك ويتيغر الثالث…
أمسكت رقبتها وترنحت.
م.م: تستاهل 🤣🤣🤣
* * *
في أيام قليلة، تحول برج السحر إلى فوضى كاملة.
السحر موهبة يولد بها الإنسان،
لكن تلك الموهبة لا تختار الأصل أو الطبقة.
ومن بين القادمين مرتزقة، متشردون، وسحرة غير نظاميين،
بل حتى مشعوذون كانوا يصلحون الأدوات سرًا.
الجميع أصرّ على الدخول.
“لن نغادر!”
وبسبب الفوضى،
ومع استمرار عمال ريمدراجون في البناء بلا توقف-
انهارت يولين من الضغط.
كل هذاكما خططت سيفييل.
فكرت مييلا.
إرسال الرسائل، نشر المقالات، دعوة السحرة، خلق الفوضى…
لا أعرف كل خططك،لكن…
ابتسمت.
إذا أردتِ،سأصبح أناسيدة هذا البرج.
لأحميك،يجب أن أمتلك القوة.
* * *
في المقابل، كانت سيفييل تقضي وقتًا ممتعًا قبل مغادرة العاصمة كاليول.
لكن…
كان أهل ريمدراجون يتصرفون بغرابة.
غريب…ليش الكل لطيف معي؟
حتى دايـهان، البارد عادة، كان يستدعيها كثيرًا.
بعد أن عُرف معنى اسمها الأوسط،
أصبح الجميع يعاملها بحذر واهتمام.
لكنها لم تكن تعرف السبب.
“همم… هل تريدين شيئًا؟”
“لا.”
قالت وهي تلعب الشطرنج.
“التجول في السوق أمر ممل.”
قال دايـهان بلا اهتمام.
لكنه كان يسأل دائمًا:
ماذا تريدين؟ هل هناك شيء تريدينه؟
دخل إلتون.
“آنستي، هناك مهرجان اليوم قرب النهر. هل تريدين الذهاب؟”
“مهرجان؟”
لمعت عيناها.
أنا أكره أليغرو…لكن المهرجانات أحبها…
سمعت أن فيها طعامًا لذيذًا وألعابًا وألعابًا نارية.
نظرت إلى دايـهان.
آه…
هي أصلًا جاءت معه كضيفة،
ولو طلبت أكثر سيبدو ذلك وقاحة.
“لا…أنا بخير.”
لكن عينيها بقيتا على المنشور.
قال إلتون:
“يبدو جميلًا. زينوا ضفة النهر كأنها شاطئ.”
“آه…”
ابتلعت ريقها.
سمعت عن هذا المهرجانفي حياتي السابقة…
أصبح نظر دايـهان أكثر حدة.
كأنه ينتظر شيئًا.
هم؟
فكرت قليلًا.
هل…
“بصراحة…أريد أن أراه قليلًا.”
قالت بتردد.
“همف. إذا أراد الراكون الصغير، فلا بد من الذهاب. رغم أنه مهرجان تافه.”
…
أغلقت فمها.
لحظة…
فكرة بدأت تكبر في رأسها.
فهمت…
التنانين أيضًاتحب المهرجانات!
شعرت وكأنها تعلمت شيئًا جديدًا.
هو يريد الذهاب،لكن يستخدمُني عذرًا.
يا له من جانب إنساني…
وأيًا كان السبب، كانت سيفييل سعيدة جدًا، ولم تستطع إخفاء حماسها.
كان دايـهان و سيفييل يمشيان في الشارع المزدحم الصاخب.
رغم أن هذه هي مملكة أليغرو التي دمّرت حياة سيفييل في حياتها السابقة…
إلا أنها في تلك الحياة لم تختلط كثيرًا بالناس العاديين خارج القصر.
كان الناس هنا يبدون سعداء، مفعمين بالحيوية، وكأنهم لا يعرفون شيئًا.
“واااه… جميل.”
قالت سيفييل وهي تنظر إلى زينة المهرجان المنتشرة في كل مكان.
“هل تريدين أن تري عن قرب؟”
“نعم!”
نظر إليها دايـهان قليلًا، ثم رفعها فجأة على كتفيه.
احمرّ وجهها.
واو…
الأطفال من حولهم قالوا بحسد:
“وااااه، هذا العم طويل جدًا!” “بابا، أنا أيضًا!”
شعرت سيفييل بالفخر قليلًا، وبذلت جهدًا حتى لا تبتسم بفخر واضح.
بعد أن خفّ الزحام، أنزلها دايـهان على الأرض.
وبدون أن تشعر، بدأت تمشي ممسكة بيده.
“عمو…هل تحب المهرجانات؟”
“لا.”
قال ببرود.
“لكن زوجتي الراحلة كانت تحبها. كانت تقول دائمًا: إذا وُلد طفل يومًا، فلنرِه كل مهرجانات العالم. كانت… تريد أن تُري إرغا الأشياء الجميلة.”
“…آه.”
سكتت سيفييل.
“لكن الوقت الذي أُعطي لنا لم يكن طويلًا.”
قال دايـهان بهدوء.
“عمر التنين وعمر الإنسان مختلف.”
صمتت.
ثم ترددت قليلًا وسألت:
“عمو…ليش تزوجتِ الدوقة؟”
كانت تفكر في داخلها:
اتفاق الزواج السياسي بين التنانين والملوك…لو تمّ في زمن دايـهان، لما كنتُ هنا أصلًا…
أجاب دايـهان:
“لأن هناك عهد زواج. اتفاق قديم بين عائلة الدوق وثلاثة بيوت حاكمة.”
“همم؟”
“كان الاتفاق بسيطًا. أن تتزوج عائلة الدوق امرأة من دم أحد الحكام الثلاثة.”
“…نعم.”
“عندما كنتُ غير متزوج، كنت أنوي إنهاء الأمر بسرعة.”
فهمت سيفييل قصده.
كان يريد تنفيذ العهد فقط…بدون اهتمام.
“ذهبتُ أبحث عن فتاة يُشاع أنها ابنة غير شرعية لأحد الحكام.”
“وبعدين؟”
“كانت إشاعة. مجرد فتاة فقيرة لكن لديها موهبة سحرية عظيمة. الناس ظنوا أن في دمها دم ملوك أليغرو.”
“طيب… إذا كانت إشاعة، ليش تزوجتها؟”
ابتسم دايـهان قليلًا.
“لأني اكتشفت الحقيقة بعد أن طلبت يدها.”
“…طلبت بسرعة كذا؟”
“نعم.”
ضحك بخفة.
“الآن…أظن أنني كنت معجبًا بها.”
رمشت سيفييل بدهشة.
واو…عنده جانب كذا؟
قال دايـهان:
“الآن لما أفكر…كانت تشبهك قليلًا.”
“ليش؟”
“لأنها قالت إنها وافقت لأنها أعجبت بوجهي.” م.م: 🤣🤣🤣🤣
…
احمرّ وجه سيفييل.
طيب… وجه إرغا جميل فعلًا…
لكن سوء الفهم لم يُحلّ.
ما زال يظن أنها أعجبت بوجه إرغا.
فكرت في داخلها:
يبدو أنه أحب زوجته حقًا… لو كانت ما زالت حيّة… ولو كان إرغا بصحة جيدة… كانوا سيبدون عائلة جميلة…
شعرت بشيء غريب في قلبها.
“يا راكونة صغيرة؟”
“هم؟”
انتبهت فجأة.
“يلا عمو! أريد أشوف المهرجان!”
ابتسمت بسرعة حتى لا يلاحظ ما كانت تفكر فيه.
قضت سيفييل ذلك اليوم بسعادة كبيرة.
أكلت حلويات، واشترت بالونًا، ومشت وهي تمسكه بفرح.
ثم لاحظت شيئًا.
دايـهان يبقى معها أكثر مما توقعت.
يمكن…كان يريد أن يخرج هكذا مع إرغا…؟
شعرت بالذنب قليلًا.
أنا مو ابنته…
ثم فكرت بشيء سيئ…
لكن… أنا سعيدة أني أنا هنا…مو إرغا.
تجمدت.
هذا تفكير شرير…
تنهدت في داخلها.
آسفة…هذا كان أناني…
لكن…
كان أفضل لو إرغا جاء معنا أيضًا.
فجأة
بدأت الألعاب النارية.
“وااااه! شوف!”
أشارت إلى السماء.
اختفت كل الأفكار الثقيلة، وارتسمت على وجهها ابتسامة كبيرة.
* * *
هاه…من كان يصدق أن زيارة كاليول،عاصمة أليغرو، ستكون ممتعة هكذا؟
بعد عودتها إلى قصر الدوق، تذكّرت سيفييل نتائج ما حدث.
حسنًا…الجدة يولين، المرتبة السادسة في دفتر الموت…في حياتي السابقة كانت تصرخ عليّ دائمًا،لكن هذه المرةأنا من ضربتها أولًا.
لم تُعاقَب مييلا، بل على العكس، تم تثبيت مكانها في برج السحر.
كما أنها قضت وقتًا ممتعًا مع دايـهان.
ههه…هذه مجرد البداية.
في فترة بعد الظهر، قالت إنها تريد اللعب في الحديقة.
كانت ترتدي مريلة برتقالية، وجوارب صغيرة عليها كرات قطنية، ومعطفًا قصيرًا لطيفًا.
ضفيرتاها كانتا تتمايلان مع الريح.
مرّت أيام دون أن ترى إرغا.
قالت ماري إن حالته ساءت.
“عندما تمطر، يتحسن قليلًا. في الأيام الممطرة تضعف قوة التنانين.”
هذا يعني أنه لم يعد يخرج إلا في الأيام الممطرة.
إذن بيت الشجرةأصبح بلا صاحب…
كانت سيفييل تزوره سرًا أحيانًا.
تقرأ، تنظف الغبار، وترتب الأشياء.
كتب، لفائف، خرز قديم…
هو طفل في النهاية…
كان هناك ألعاب قديمة وأشياء طفولية.
جلست، وضعت كتاب ملكة الإلف على ركبتيها، وفوقه ورقة.
وبدأت تكتب.
ممم…متى سيصبح هذا الجهاز السحري شائعًا؟جيد أني درست علم السحر…
كانت تكتب قائمة بالأدوات السحرية التي ستصبح مشهورة في المستقبل.
الآن كل الباحثين في برج السحريسلّمون براءات الاختراع للبرج…
هذا طبيعي.
لكن…
أي شخص يترك البرجيتم تحطيمه أو مقاضاته.
والمشكلة الأكبر:
التجارة كلها مع شركة أليغرو الملكية.
يعني المال يعود دائمًا إلى أليغرو.
سأغيّر هذا.
ابتسمت.
سأسبقهم…وأطوّر الأدوات أولًا.
كانت تساعد في تجارة تشِيرنو، لكن يجب أن تصبح قوية بنفسها.
التنين الذهبي ملك للجد،ليس لي.
لكن…إذا أردت أن يرثني الشركة يومًا…يجب أن أثبت نفسي.
لهذا ستبدأ تطوير الأدوات السحرية سرًا عبر مييلا.
المال قوة.
حقيقة تعلمتها في حياتين.
لنبدأ ببناء العضلات…مرحلة القوة الأولى.
كادت تضحك.
في تلك اللحظة
“من هناك؟”
رفعت رأسها فجأة.
كان إرغا جالسًا أمامها.
تِك.
اشتعلت المصابيح في بيت الشجرة.
يبدو أن الضوء يشتعل عندما يأتي صاحبه.
هبت الريح.
نظرت إليه.
واو…إنه فعلًا إرغا.
بدأ المطر يهطل.
“أنا!”
قالت.
نظر إليها بشك، ثم هدأ.
“لا داعي للصراخ. عرفتك.”
“حقًا؟”
“من غيرك يشبه راكون هنا؟”
“…ما عرفتني.”
عبست.
ينسى وجهي كل مرة…
قال:
“كنت أفكر هل أنت راكون أم إنسان.”
“مو صحيح.”
تمتمت وهي تخدش الأرض بيدها.
“اليوم كمان راح تطلق عليّ سهم؟”
نظر إليها، ثم ابتسم قليلًا.
“لا. مو في مزاج.”
تنفست براحة.
“اليوم جئتِ تتباهين أيضًا؟”
“لا!”
أخفت الورقة بسرعة.
“كنت أقرأ بس.”
“ما هذا؟”
رغم أنها قالت لا، لكنها بدت فخورة.
هذا رأس مالي كله.
كتاب ملكة الإلف.
كنز.
“هذا كنزي.”
“كتاب قديم؟”
“نعم…تقريبًا. هذا مستقبلي.”
تسارع قلبها.
ليش أحس أني أريد أتكلم معه…
قال:
“إذن جئتِ لتتباهي.”
“قلت لا!”
احمر وجهها.
“جئت أسأل.”
“عن ماذا؟”
فتحت حقيبتها الصغيرة.
وأخرجت خاتمًا.
“هذا.”
نظر إليه.
“خاتم ملكة الساكوبس؟”
“نعم. اشتغل مرة… لكن بيري ما تعرف عنه.”
“طبيعي. هذا صنعه تنين قديم. السلالات النقية غادرت العالم، لذلك لا يعرفون.”
“ما هو؟ هل أنت ساكوبس؟”
“…يا.”
قال ببرود.
“كيف تعرف إذن؟”
“الخاتم أخبرني.”
اتسعت عيناها.
“ماذا؟ ماذا قال؟ قل لي!”
اقتربت.
“لا تقتربي.”
“…بخيل.”
“ارجعي أكثر.”
“……”
“بسرعة. وإلا لن أشرح.”
تراجعت.
رمَت الخاتم له.
تفحصه.
“إنه Ego Ring.”
“خاتم إيغو؟”
“نعم. خاتم فيه روح. مثل كيان حي.”
رفع رأسه ونظر إليها.
غريب…لكن…
صوت المطر ازداد.
كان صوت المطر يشتد أكثر فأكثر.
غريب…تمطر، ومع ذلك الغروب ظاهر؟
توهّج ضوء أحمر خلف إرغا، كأنه شفق متمايل.
المصابيح حوله بدأت تلمع أيضًا، حتى شعرت سيفييل أن رأسها يدوخ.
لون الغروب…جميل جدًا.
كأن أحدهماستدعى الغروبليحيط به.
هل أقول…إنه جميل؟
“ليش تنظرين هكذا؟”
قطّب إرغا حاجبيه قليلًا.
“غريب…”
لماذا أشعر هكذا؟
فجأة أرادت أن تضحك.
نعم…حدث معي هذا في حياتي السابقة…
يوم شربت قهوة قوية جدًا، وممزوجة بالبراندي، لأول مرة.
قضيت اليوم كله متحمسة، أضحك بلا سبب، وقلبي لا يهدأ.
بالضبط مثل الآن…
“اسمع…”
اقتربت منه، ومدّت يدها.
“هذا اللون الأحمر… شو هو؟ لأنك نصف تنين؟”
قليل فقط… قليل أكثر… أريد أن ألمسه…
في تلك اللحظة
“…؟”
تجمّد وجه إرغا.
أصبح باردًا جدًا.
“ابتعدي!”
قال.
لكن يدها لم تتوقف.
بس خطوة…سألمس هذا الضوء…
أحبه. جميل. أريده.
“غرين!”
صرخ إرغا.
نزلت الأفعى من أعلى الشجرة.
سسسس
قفزت بينهما.
ثم عضّت سيفييل بقوة.
دفعتها إلى الخلف.
“آآاه!”
استعادت وعيها فجأة.
لكن
تأخرت!
جسدها يسقط من بيت الشجرة.
لا!
أنا بالكاد بدأت أعيش!
قائمة الديث نوتلسه طويلة!
هل سأموت هكذا؟!
وفجأة
وميض.
اهتزاز.
شخص أكبر منها أحاطها بذراعيه.
“شو؟!”
فتحت عينيها.
إرغا كان يمسك بها وهو يسقط معها.
قفز دون تفكير ليحميها.
“ليش؟!”
ارتبكت، حتى نطقها صار أقصر.
“أنت مصاب! في دم!”
أغلق إرغا عينيه كأنه فقد الوعي.
انتشر الدم على الأرض.
“شو هذا…؟”
الخطوط الحمراء حول جسده أصبحت أوضح.
لون…يُسحر الناس.
نسيت كل شيء، ومدّت يدها.
في تلك اللحظة
“غررر…”
شعرت بضربة في بطنها.
“آه!”
التفتت.
الوحش الأسود بلاك كان هناك.
دفعها برأسه بقوة بعيدًا عن إرغا.
“لا!”
زأر بلاك بصوت عالٍ.
صوت هزّ المكان كله.
ذلك الصوت جلب الناس.
“آنستي!”
أول من وصل كانت ماري.
“ماري!”
صرخت سيفييل.
“غريب…هو انجرح بسببي…لكن…”
كأنها لا تفهم ما تقول.
غريب…رأسي كأنه مليان قطن.
“هو جميل…”
قالت.
“يلمع بالأحمر…أقدر ألمسه؟”
شحب وجه ماري.
“لا!”
احتضنتها بسرعة وأبعدتها عنه.
“آه…”
فتح إرغا عينيه قليلًا.
صرخت ماري:
“لا تقتربوا من الآنسة!”
ثم بدأ الناس يصلون.
“ماذا حدث؟!”
“السيد الصغير!”
وسط الصراخ، كانت سيفييل فقط ترمش بعينيها، وكأن عقلها ما زال غارقًا في ذلك الضوء الأحمر.
م.م: مرحبا يا أحلى قراء، هذه فصل آخر لكم، شكرا لتعليقاتكم الجميلة على هذه الرواية، أتمنى أن تبقوا وتعلقوا دائما لأكملها في أقرب وقت، بالنسبة لمجموعة التليغرام الرابط تجدون في بايو الواتباد، الفصول هناك كرسائل وانا أنزل الروايات تدريجيا.
تجدون رابط حساب الأنستغرام ورابط مجموعة التليغرام للروايات وبعض الأفلام التي أنزلها أيضا ❤️ Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 66"