استمتعوا
لو سُئل من هي أجمل امرأة في بارتشيها، لأجمع جميع أبناء الإمبراطورية على أن الإجابة هي أوديت.
ولو سُئل من هي أشدّ النساء خبثًا، لأجابوا كذلك. أوديت.
بوصفها المنقية الوحيدة في الإمبراطورية، تنعم بشتى الامتيازات، ومع ذلك لا تُنقي المتسامين أبدًا، ‘أوديت لينا فون ألبريخت‘. إنها، بلا ريب، أعظم شريرات الإمبراطورية.
***
بشرة بيضاء شاحبة تكاد تُظهر العروق. عينان بلون أخضر مُزرَقّ يشبهان شاطئًا في ذروة الصيف. شعر أشقر بلاتيني لامع، تلوح فيه مسحة من لون الليمون.
كانت امرأة فائقة الجمال، ترتدي منامًا حريريًا مثقلاً بالدانتيل، تحدّق من النافذة بعينين خاليتين من الحياة.
وكلما ازداد الغروب سحرًا وصبغ السماء بالحمرة، ازداد شعور أوديت بمرارة لا تُطاق.
“…لا بأس. لقد تحمّلتِ البارحة أيضًا.”
زهرة المجتمع الأكثر بهرجة، وأعظم شريرة في الإمبراطورية. ومع ذلك، كان حديثها مع نفسها، قياسًا بسمعتها، بائسًا إلى حدٍّ مثير للشفقة.
كانت مضطرة لأن تحاول قهر خوفها، ولو بهمهمة مرتجفة.
فوالدها سيصعد قريبًا ليحقنها بالإبرة.
“لا شيء يدعو للتعب.”
تظاهرت بالهدوء، وحاولت خداع نفسها، لكن ذلك لم يُجدِ نفعًا.
فأطرافها، التي تتذكّر ألم مينغيل، بدأت ترتجف منذ الآن.
ذلك السائل الأخضر الذي يُقلّد رائحة المنقي كان أشبه بدبور.
ما إن يُحقن حتى ينتفخ الجسد كله، كأن لسعة دبورٍ سامٍّ أصابته، ويستعر حُكٌّ لا يُحتمل.
كم كانت الليالي التي توسّلت فيها، تحت وطأة ذلك الألم المرعب، أن تُقتل فحسب. لم يكن ألم مينغيل شي قد تعتاده أبدًا، بل كان يشتد يومًا بعد يوم.
“لا ترتجفي… أرجوكِ.”
لكن لم يكن أمامها سوى الاحتمال.
في تلك اللحظة، دوّى صوت خطوات والدها وهو يصعد السلالم.
كُوم، كُوم.
عانقت أوديت كتفيها النحيلين. ولحسن الحظ، وقبل أن يُفتح الباب بعنف، هدأ ارتجاف جسدها.
بَانغ!
دخل الكونت ألبريخت الغرفة بوجهٍ متجهم، بعد أن فتح الباب دون طرق أو تحية.
“…لقد جئتَ، يا أبي؟“
نهضت أوديت وانحنت له بانحناءة عميقة. كانت هيئة أقرب إلى خادمة وضيعة منها إلى ابنة.
“التزمي الصمت. لستُ في مزاجٍ يسمح لي بتلقّي تحية من شيءٍ تافه اليوم.”
زجرها الكونت، ثم أومأ بعينيه إلى الخادم الواقف خلفه.
فرفع الخادم كمّ منام أوديت.
“ألا تخجلين؟ لا شيء فيكِ يبعث على الرضا. ألا تستحين من مواجهة أخيكِ؟“
قال ذلك، ثم غرس الإبرة الطويلة في ذراعها بلا تردّد.
فانكمش ذراعها النحيل ألمًا.
اندفعت، اندفعت، المادة الخضراء اللزجة عبر عروق أوديت.
وحين تورّمت ذراعها، التي كانت بيضاء كالحليب، واحمرّت بشدّة، أخذت تلهث وتعضّ على شفتيها.
‘الألم أشدّ من المعتاد.’
“آه…!”
ما إن أفلت منها أنين لم تستطع كبحه، حتى عقد الكونت حاجبيه.
“تتظاهرِين بالمرض مجددًا! حقًا، ما أسوأ طباعكِ.”
‘غريب… الألم مختلف عن المعتاد…’
لم تعد تسمع كلام أبيها بوضوح.
دواء كانت تتلقّاه يوميًا منذ ثلاث سنوات، لكن ردّة الفعل اليوم كانت مختلفة.
تجمّعت الحرارة كلها في رأسها، وشعرت وكأن أطرافها تتحطّم.
غلا أسفل بطنها ثم تجمّد، وسال العرق البارد في سائر جسدها.
بدأ وعي أوديت يتلاشى. خفّت أنفاسها اللاهثة تدريجيًا، ثم هوَت فجأة وفقدت الوعي.
نظر الكونت إليها بازدراء، وقال بنبرة ملؤها الاشمئزاز.
“تِفّه، يبدو أن الدم الوضيع لا يمكن إخفاؤه.”
وكان على وشك أن يأمر الخادم بسحب أوديت، حينها…
“كحّ—!”
تقيّأت أوديت دمًا، كأن ميتةً عادت إلى الحياة بعد سكونٍ تام.
“كحّ، كحّ—!”
وبعد أن ظلّت تبصق الدم طويلًا، التقطت أنفاسها ورفعت رأسها ببطء.
وحين التقت عيناها بعيني الكونت الذي كان ينظر إليها من علٍ، تراجع دون وعي خطوة إلى الوراء.
في عينيها الخضراوين المُزرَقّتين، اللتين طالما كانتا منكسرتين، كانت تعصف مشاعر لا يمكن وصفها.
كأنها…
صارت شخصًا آخر.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 0"