استمتعوا
وقد شحب وجهها، تبعت أوديت كبيرَ الخدم الذي جاء ليأخذها من الحديقة، وحين وصلت إلى الردهة، أخذت تتفحّص وجوه القلّة من الخدم المجتمعين هناك.
كبير الخدم، مدبّرة المنزل، رئيسة الخدم، باولا، السيدة بيكر……
كلّهم من قلائل أصحاب النفوذ في هذا البيت، ممّن يعرفون سرّ تبنّيها.
أمّا بقية الخدم والخادمات، فيبدو أنّهم أُخرجوا جميعًا إلى الملحق.
كانت كونتيسة ألبرايخت، طويلة القامة ذات الشعر البني الداكن،
تقف وكأنّها تقودهم جميعًا.
كان منظر باولا وهي تختبئ مسرعة خلف ظهر الكونتيسة ما إن ظهرت أوديت، مثيرًا للسخرية.
‘لا بدّ أنّها بُحّ صوتها وهي تبكي راغبةً في الخروج من العليّة.
ولا بدّ أنّ أمّي كانت في ذروة غضبها.’
نظرت أوديت بابتسامة عينٍ خفيفة نحو السيدة بيكر، التي بدا القلق على وجهها على غير عادتها.
كانت النظرة تحمل معنىً واضحًا، إن كنتِ لا تريدين افتضاح أمركِ كعشيقة، فاعرفي مقامكِ والتزمي الصمت.
“أركِعوها!”
بأمر الكونتيسة، اندفعت رئيسة الخدم فجذبت أوديت بقسوة، وأجبرتها على الركوع على أرض الردهة.
“سمعتُ من باولا. يُقال إنكِ ضربتِ الخادمة المسؤولة عن التأديب؟
وقحة! كيف تجرؤين على تأديب خادمتي؟!”
لو كانت أوديت في السابق، لارتجفت وخفضت رأسها فورًا في مثل هذا الموقف، لكنها الآن كانت ترفع رأسها باستقامة، بملامح باردة جامدة.
“ومن أين جاء هذا الفستان؟ لم نمنحكِ مثل هذا الثوب. هل عضضتِ رجلًا ثريًا في مكانٍ ما؟ تسك تسك. على أيّة حال، الدم الوضيع لا يمكن غسله.”
‘هناك من عضّ رجلًا ثريًا فعلًا، لكنّها ليست أنا.’
رمقت أوديت السيدة بيكر بنظرة باردة خاطفة.
‘مجرد نظرة واحدة، وهي تفزع هكذا. على الأقل لن أقلق من وشايتها لأمي.’
كانت أوديت تفكّر، غير عابئة بتلك المواعظ السخيفة.
“انزعن ملابس هذه الفتاة هنا، واجعلنها تنحني برأسها أمام باولا! كيف تجرؤ على ضرب باولا؟ يجب أن تدفع الثمن مضاعفًا.”
تقدّمت رئيسة الخدم ومدبّرة المنزل نحو أوديت لينزعا ملابسها، لكن في تلك اللحظة، دوّى صوت بارد في الردهة.
“التصرّف المنفلت، هو ما تفعلينه أنتِ الآن يا أمّي.”
كان صوتًا راقيًا، يصعب تصديق أنّه صدر من أوديت.
توبيخٌ نبيل، مشبع بالهيبة والسلطان.
تفاجأت رئيسة الخدم بهذا التغيّر المفاجئ، وتوقّفت عن الحركة.
فقد شعرت بنفور غريب من أوديت، التي اعتادت الاستخفاف بها.
“ماذا قلتِ؟“
“لقد جعلتِني أركع أمام الخدم، بناءً على كلام باولا وحدها.”
“هذا تأديب مشروع!”
“هل هناك نبيلة تُهين ابنتها أمام الخدم؟ تأديب النبلاء ليس على هذا النحو. يبدو أنّكِ بحاجة إلى إعادة تعلّم الآداب، يا أمّي.”
رنّ في الردهة ضحكٌ ساخر بارد.
“أم لعلّكِ تعلّمتِ الآداب على يد باولا؟ إن كان الأمر كذلك، أفهم الآن. طريقة كشفكِ لمعدنكِ متشابهة جدًّا.”
عند هذا الاستهزاء اللاذع الموجّه إلى الكونتيسة، شهقت مدبّرة المنزل لا إراديًا.
تجهّم وجه الكونتيسة أمام هذا السخرية الأرستقراطية.
فالكونتيسة، التي كانت ابنة مرابٍ مشهور، عانت طيلة حياتها من نبذ المجتمع الأرستقراطي بسبب أصلها.
ابنة ثريٍّ حديث العهد بالمال، حصلت على فرصة الزواج فقط لأنّ الكونت بدّد ثروة عائلته في شبابه.
وقد استفزّ استهزاء أوديت عقدتها، فرفعت الكونتيسة صوتها غضبًا.
“هل جننتِ أخيرًا؟ ما الذي تفعلونه؟ انزعوا عنها ثيابها فورًا! يا باولا، سأدعكِ تشاهدين إذلال هذه الفتاة حتى يرضى قلبكِ!”
“كيف تنادين اسم تلك الفتاة بكل هذا الحنان، يا أمّي؟ لطالما وجدتُ ذلك أمرًا عجيبًا.”
جاء ردّ أوديت هادئًا، فشحب وجه الكونتيسة، وقد أُصيبت في مقتل.
‘بهذا الطبع المتعجرف، ومع ذلك لم تنسَ اسم باولا قط. كنتُ أجد الأمر غريبًا فعلًا.’
“سيّدتي لم تكن تعلم شيئًا حقًّا. أنا، آه، سيّدتي إنسانة حنونة للغاية. لقد عاشت حياتها كلّها مسكينة وبائسة. أرجو منكم الرأفة، يا جلالة الإمبراطور.”
كم تكون الأم كائنًا حميمًا وعزيزًا في نظر ابنتها.
فللبنات، لحظة ما، تعمل فيها حاسّة خاصّة تجاه أمّهاتهنّ.
وتكون تلك الحاسّة أشدّ حدّة، حين تكون الابنة واقعة في حبّ أمّها من طرفٍ واحد.
في حياة أوديت السابقة، نشطت تلك الحاسّة في قاعة المحكمة.
حين شعرت أنّ موقف باولا تجاه الكونتيسة، يشبه بشكلٍ مفرط موقفها هي نفسها تجاه أمّها.
حينها، تردّدت بين الشكّ والإنكار، لكن بالنظر إلى الوضع الحالي، يبدو أنّ حدسها كان صائبًا.
‘هي الابنة الحقيقيّة، ومع ذلك أُنزِلت إلى منزلة خادمة، بينما أنا المتبنّاة أُدرِج اسمي في السجلّ العائلي. كم كان لا بدّ أن تكرهني.’
ابنة وُلدت قبل الزواج.
ولهذا كانت الكونتيسة تدلّل باولا دائمًا وتغدق عليها العطف.
ولهذا أيضًا هي الآن غاضبة إلى هذا الحدّ من أجل جرحٍ أصاب باولا.
‘كيف خطر لها أصلًا أن تأتي بابنتها غير الشرعيّة وتجعلها خادمة؟‘
لا يوجد انحطاط كهذا حتى في أسوأ الممالك.
ثم ماذا يُرجى من إنسانة تتغاضى عن نوايا ابنها الدنيئة تجاه ابنتهما بالتبنّي؟
“إذًا، هل تعنين أنّ سجن باولا وجلْدها كان أمرًا صائبًا؟“
“ماذا كان بوسعي أن أفعل، وقد رفعت خادمة سوط في وجهي، أنا سيّدتها؟“
“ألم ترتكبي ما يستحقّ الضرب؟!”
“وفق هذا المنطق، فباولا كذلك.”
كلّما تكشّفت حقيقة هذا المنزل، ازداد المشهد عبثًا وسخافة.
‘متى سيأتي ذكر السجن تحت الأرض؟ لقد سئمتُ حقًّا.’
كان الملل يتسرّب شيئًا فشيئًا إلى صوت أوديت.
“أترينَ باولا أدنى منكِ شأنًا؟! أهي إنسانة يجوز لكِ أن تعبثي بها كيفما شئتِ؟“
“هو أهون من أن تعبث بي خادمة. ولو كانت أمّي تحبّ ابنتها أكثر من خادمتها، لما فعلتْ بي ما تفعل.”
وبقدر ما ازداد صوت أوديت برودة، كان صوت الكونتيسة يعلو انفعالًا.
“أتجرئين على قول إنكِ ابنتي؟! حقًا، هذه المرأة لا تعرف حدود نفسها أبدًا! يجب أن تكوني ممتنةً فقط لأننا ألبسناكِ وأطعمتكِ، وأنتِ تظنين أن لكِ مكانة نبيلة!”
صرخت بعصبية حادّة، ثم وضعت يدها على جبينها.
يبدو أنّ نوبة صداع هستيري قد باغتتها.
اغتنم كبير الخدم رولف الفرصة، فضرب رأسه بالأرض تزلّفًا لإرضاء الكونتيسة.
“سموكِ! أرجوكِ، أطفئي غضبكِ. إن غضبتِ أضررتِ بجسدكِ، وهل يليق أن تُنهكي جسدكِ الكريم بسبب تلك المرأة؟!”
حتى الدموع استدرّها بإخلاص مصطنع.
يتقن فنّ التهدئة ظاهرًا، وإشعال النار باطنًا.
“سموكِ، تفهّمي موقف رئيسة الخدم ومدبّرة المنزل. فكيف لخدمٍ وضيعين أن يسيئوا إلى الآنسة عمدًا؟“
كان في نبرة رولف ما يدفع إلى لفظ كلمات بعينها.
وعندها، أضاءت عينا الكونتيسة وقالت.
“رولف، صدقتَ. لم أراعِ مشاعركم. مشهد هذه المرأة وهي تنتحب مقزّز إلى حدّ أنني كنت أودّ ألا أنطق بهذا الكلام.”
‘لمن لا يريد أن يقولها، لا يبدو أنّ زاويتي فمها قادرتان على إخفاء الحقيقة؟‘
ابتسامة مرفوعة حتى أقصاها، كأنّها مقامر أخرج ورقته الرابحة.
“يجب أن أُبطِل تبنّيكِ فورًا.”
قالت الكونتيسة الجملة وكأنها أعظم حركة حاسمة في المباراة.
****
‘منذ متى لم أسمع هذا؟‘
لعق رولف شفتيه في سرّه.
كانت كلمة ‘إبطال التبنّي‘ مصطلحًا متداولًا سرًّا داخل القصر.
شفرةً تعني أنّ من يعرفون السرّ مسموح لهم أن يعاملوا أوديت بقسوة كيفما شاؤوا.
أوديت، التي عانت صدمة الإبطال في طفولتها، كانت حتى بعد بلوغها، تتجمّد في مكانها كلّما سُمعت الكلمة.
ترتجف، تفقد وعيها، ولا تفعل سوى التوسّل في الفراغ طالبة الصفح.
مع أنّ إبطال تبنّيها الآن، وهي مطهِّرة مزيّفة، أمر مستحيل.
‘على أيّة حال، كانت غبيّة منذ صغرها.’
“سيدي، سيدي. أرجوكَ، انقل لأمّي كلامي. سآكل أقلّ، وسأكون مطيعة أكثر.”
يوم أُعيدت إلى دار الأيتام بعد الإبطال الأوّل.
كم كان منظرها مضحكًا، وهي تستيقظ فجرًا لتنظيف غرفة السيّد.
والآن، وقد ذُكرت كلمة الإبطال، فلا شكّ أنّها ستكون اليوم أيضًا هدفًا ممتازًا لتفريغ الغضب.
‘سأفرغ ما في صدري اليوم. لقد وُجدت تسلية ممتعة حقًّا.’
أيسجنها في خزانة ضيّقة لا تقوى على الحركة؟
أم يغمرها في حوض ماء مثلّج حتى تختنق؟
ابتسم رولف ابتسامة عريضة وهو يحدّق في أوديت.
لكن…
‘……ما هذا؟‘
هناك شيء…
غريب.
ما هذا الوجه الخالي من الانفعال؟
“هل انتهيتم من الكلام؟“
كانت أوديت… تفرد ركبتيها، وتعدّل طرف تنورتها.
حركة بالغة اللامبالاة، بل متغطرسة لشدّة برودها.
“ألم تسمعيي؟ قلت إنني سأُبطِل تبنّيكِ. تبنّيكِ!”
“تفضّلي بذلك، يا سيّدة ألبرايخت.”
رفعت أوديت زاويتي فمها فقط، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة.
‘مـ… ماذا؟ هذا ليس صحيحًا؟‘
غريب.
لماذا هي بكامل وعيها؟
يبدو أنّ التفكير ذاته انعكس على وجهي السيّدة وباولا، وقد امتلآ بالحيرة.
“أنتِ، أنتِ! من سمح لكِ بالوقوف؟ أتجرئين على فرد ركبتيكِ دون إذن أثناء التأديب؟!”
“وبأيّ حقّ تؤدّبني امرأة لم تعد أمّي أصلًا؟“
كانت عيناها الزرقاوان المائلتان إلى الأخضر خاليتين من أيّ شعور، باردتين كجوهرتين.
ما إن التقت عيناهما، حتى شعر رولف بقشعريرة مجهولة.
‘ما هذا…؟‘
بدت أوديت، على نحوٍ غريب، نبيلةً حدّ الرهبة.
ابتلع رولف ريقه، وقبض يده المرتجفة.
لا، مستحيل. الهيبة لا تليق إلا بالدم النبيل الحقيقي.
بالنبلاء ذوي الدم الأزرق، كالسيد فيرديناند، والسيّدة، ورئيس المنزل.
“أنتِ، أنتِ…! قلت سأُبطِل تبنّيكِ! سأُبطِل! تبنّيكِ!”
“نعم، يا سيّدة ألبرايخت. فهمتُ جيدًا. إذًا، سأغادر الآن بصفتي امرأة عامّية وضيعة.”
حركة ناعمة، وابتسامة مشبعة بالسخرية.
“إيك!”
“وداعًا، سيّدتي.”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"