استمتعوا
وقفت أوديت أمام السيدة بيكر، متعمّدةً أن تُرتّب ملفّ الأوراق الموضوعة على المكتب الخشبيّ المصنوع من الخشب الصلب، على مرأىً منها.
كانت جميعها وثائق مزوّرة، لا غير.
جرائم الكونت القذرة، بذخ الأم، وسجلات المخدّرات والقمار الخاصة بالأخ الأكبر—كلّها لُفّقت باسمها هي.
كانت تلك هي الأدلة الكاذبة التي دعمت، في محكمة حياتها السابقة، التهم الموجّهة إلى أوديت.
إذ جلست آنذاك تشرح كل وثيقة على حدة، وتعدّد جرائم لم ترتكبها قط، فحفظت محتوى كل ملف عن ظهر قلب.
‘ما أبهى تلك المستندات التي تُدينني.’
شهادة ميلاد مُفبركة تُظهرها كابنةٍ بيولوجية متأخّرة للكونت.
حسابات مصرفية مزوّرة باسمها، ووثائق مناجم ألماس…
سجلات تجارة المخدّرات، والاتجار بالبشر، وشراء العاهرات.
كم بدت النسخة المرسومة عنها على هذا الورق الفاخر، نبيلةً ومتجبّرة، كأن لا ذنب يعجز عن نيل العفو.
‘لو أنّني عشتُ تلك الحياة ولو مرّة، لما شعرتُ بهذا الظلم.’
أطلقت أوديت ضحكةً جافّة.
فالوثائق التي تصف حقيقتها كانت بائسة إلى حدٍّ يمكن إخفاؤه كلّه داخل كمٍّ واحد.
بعد أن جمعت الأوراق وربطتها بعناية، رمقت السيدة بيكر بنظرةٍ جانبية.
كانت تقف هناك صامتةً، تتلوّى قلقًا، كأنّما تخشى أن تختفي الدفاتر من الخزنة.
‘طبيعي. فهي لا تعلم أنّ هذه الخزنة لن تُفتح طوال شهرٍ كاملٍ قادم.’
وبالطبع، لم يكن في نيّتها أن تُخبرها بذلك.
فامرأة لا تفكّر إلا في سلامتها، ستسعى بنفسها لمنع أيّ شخص آخر من فتح الخزنة.
“……آنسة أوديت، هذا سرقة.”
“إذا ما قارنّاه بسرقة الزوج من زوجته، فهو أمرٌ تافهٌ للغاية، أليس كذلك؟“
جاء الردّ هادئًا، فعضّت السيدة بيكر على شفتها.
“من الأفضل ألّا تتحدّثي عمّا جرى قبل قليل إلى أحد. عندها، سيكون لساني ثقيلًا أيضًا.”
“…….”
“يسعدني أننا أصبحنا نتشارك سرًّا. لطالما رغبتُ أن أكون قريبةً منكِ، يا سيدة بيكر.”
على الأقل… في الحياة الماضية.
تاركةً خلفها المرأة المرتجفة، غادرت أوديت غرفة المكتب دون التفات.
****
“آنسة أوديت!”
كانت ليزي تنتظرها أمام القصر، تحمل حقيبة سفر.
“كما أمرتِ، بدّلتُ ماء العسل الخاصّ بالسيد الشاب، واستدعيتُ عربة الأجرة أيضًا.”
“أحسنتِ، ليزي.”
ناولتها أوديت رزمة أوراق.
“يجب إيصال هذا إلى منزل ماركيز كلايست.”
“منزل ماركيز كلايست؟!”
تجمّد وجه ليزي، كأنّها سمعت اسمًا مرعبًا.
فمنزل كلايست اشتهر عبر الأجيال بقسوته الدموية، غير أنّ الماركيز الحالي، شيون، كان أشدّهم بطشًا.
كان يُلقّب بشيطانٍ خرج من الجحيم.
شيون راينهارت فون كلايست.
رئيس جهاز استخبارات الإمبراطورية، ومتسامي من الرتبة S.
سيّد أسرةٍ كانت تتوارث إدارة شبكات التجسّس، وكلاب الحراسة الخاصّة بالإمبراطور.
وأحد أبطال الأربعة في <الخلاص الوحيدة>…
‘وهو أيضًا أول رجل سأعقد معه صفقة.’
غير أنّ المشكلة كانت واضحة؛ فهذا الرجل لن يقابل أوديت بسهوله أبدًا.
فأبطال اللعبة الأربعة جميعهم، وفق الإعداد، يكرهون أوديت.
وكان شيون، على وجه الخصوص، يُظهر كراهيته لها بلا مواربة.
فطيلة السنوات الثلاث الماضية، رفضت أوديت كل طلبات التطهير العاجلة المقدّمة من المتسامين، كما أنّه كان يتلقّى يوميًّا تقارير مُلفّقة عن جرائم نُسبت إليها، أعدّها أتباعه.
لكن… إن أُحسن استغلال ذلك، فلن يكون هناك ورقةٌ أقوى منه.
“عند تسليم تلك الوثائق، قولي لخادم المنزل إنني أطلب لقاءً خاصًّا. إن أبرزتِ بطاقة الهويّة، فسيتولّى الأمر بنفسه.”
“مـ… مهلاً، آنسة أوديت. لماذا فجأة—”
قاطعتها أوديت بإخراج بطاقة هويّة ومدّها إليها.
بطاقة فضيّة منقوشة بزهرة السنتوريا، ترمز إلى حرّية الدخول إلى القصر الإمبراطوري.
كانت هديّةً منحها الإمبراطور بنفسه يوم أُعلنَت أوديت المُطهِّرة الوحيدة للإمبراطورية.
بطاقة لا يحملها سوى المتجاوزين من الرتبة S وأوديت.
“إيييه! آنسة أوديت! أحقًّا يجوز أن تعطيني شيئًا ثمينًا كهذا؟!”
“وإن رُفض الطلب، فقولي لهم هذا، اسأليهم أيًّا من الجواسيس التسعة الذين زرعوهم في منزل ألبريخت يثقون به. واسأليهم إن لم يثير فضولهم معرفة أيّ المعلومات جرى التلاعب بها.”
“ماذا؟! جواسيس؟!”
“إنه أمر يتعلّق بحياتي. أرجوكِ.”
تبدّل الارتباك في عيني ليزي إلى تصميمٍ صلب.
“اتركي الأمر لي، آنسة أوديت.”
ابتسمت أوديت لها.
“بعد إتمام المهمة، لا تعودي إلى القصر حتى نهاية مهرجان التأسيس. اذهبي إلى منزل عائلتكِ واستريحي هناك قليلًا.”
“هاه؟! إجازة؟! سأحرص على إنجاح الأمر! آنسة أوديت!”
راقبت أوديت العربة وهي تغادر عبر البوابة، ثم خفضت رأسها ونظرت إلى حذائها.
‘لقد كسبتُ شخصًا نفيسًا حقًّا.’
فحتى في حياتها السابقة، كان هذا الشخص هو من حمى خطواتها لزمنٍ طويل.
“مجرمة، هذه متعلّقاتك.”
في ذلك اليوم الذي كانت فيه أوديت، وقد قُطع لسانها، تُسحَب على يد السجّان سحبَ الماشية.
قيل إنّ أحدهم دسّها على عجل بعد أن دفع رشوة كبيرة حتى لحرس البلاط.
‘عندما أُلقي القبض عليّ للتو، ظننتُ أنّه أبي أو أمي.’
ظننتُ أنّهما قطعا لساني فجأة بدافع الندم، أو الشعور بالذنب.
حين أدركت أوديت أنّ ذلك مستحيل، كانت قد أنهكها التيه في أزقّة الفقراء.
وفي الوقت الذي كانت فيه تلهث هربًا من مطاردة المتجاوز، لم يكن التفكير في الحذاء سوى ترفٍ لا يليق بها.
لكن، أثناء وجودها بين عصابات المتسوّلين، أدركت أوديت شيئًا واحدًا.
كم يبلغ ثمن هذا الحذاء، ومدى فداحته على كاهل عامة الناس.
“لماذا أعطيتِني هذا الشيء النفيس؟ ليزي. لمن سأكون عاجزة حتى عن تذكّر أنّكِ أنتِ من قدّمه لي.”
وخلال اختفاء العربة تمامًا على امتداد السور الخارجي للقصر، همست أوديت بصوت خافت.
ليزي في الحياة السابقة قُتلت فور تقديمها هذا الحذاء هدية.
ولن يُسمَع الجواب الحقيقي عن هذا السؤال أبدًا.
تنفّست أوديت زفرة طويلة، ثم استدارت ببطء.
دخلت الحديقة البديعة في مجال رؤيتها.
في وسطها، كانت نافورة المياه تقذف خريرها المتتابع، وأوراق أشجار التوليب المصطفّة بتناظرٍ دقيق تتلألأ تحت ضوء الشمس الجميل.
كان صوت نسيم الربيع العليل وهو يمرّ بين الأغصان يشبه تموّج الماء.
وكان التراب تحت قدميها ناعمًا، والهواء الذي يحيط بأوديت عطِرًا ودافئًا.
كانت تموت وحيدة وسط عواصف الرمل الجافة حتى الأمس القريب.
فيا له من فارقٍ مذهل، حدّ الإرباك.
لكن أوديت هزّت رأسها.
لم يكن هناك متّسع للغرق في مشاعر الحياة السابقة؛ من حزنٍ، وندم، وفقدان.
إذ قد حان الوقت الذي ستستيقظ فيه والدتها.
لم يكن مسموحًا لأوديت بالتجوّل داخل القصر، ولا بالخروج خارجه بمفردها.
وكان المفتاح الذي سيكسر هذه القيود دفعة واحدة كامنًا في السجن تحت الأرض.
‘لذا، يجب أن أُسجَن في القبو. وإن كان لا بدّ، فليكن على يد أمي.’
راحت أوديت تعدّ الاحتمالات وهي تمشي بخطى أنيقة.
“هل ستراني أمي جيّدًا؟“
تحظى حدائق عائلة ألبرايخت بسمعة كونها أروع جنان العاصمة.
وكانت الكونتيسة ألبرايخت تعوّدت، ما إن تفتح عينيها، أن تطلّ على هذا الجمال الآسر.
حديقة زنبق الوادي التي اعتنت بها بيديها، والتي تُرى مباشرة من غرفة نومها.
وفي قلبها، وُضِعَت أرجوحة بيضاء خاصّة بالكونتيسة.
جلست أوديت على الأرجوحة البيضاء، ونظرت نحو نافذة والدتها.
وفي تلك اللحظة، ظهرت أمّها، وقد فتحت النافذة لتتنعّم بأجواء الجنّة.
“أمّي!”
ابتسمت أوديت ابتسامة مشرقة نحو الكونتيسة التي بدا عليها الذهول من النداء.
ولوّحت بيدها بخفّة، فشحب وجه الكونتيسة تمامًا.
كأنّ الحديقة قد تلوّثت بوجود أوديت.
‘ليتَ معدتَها قد انقلبت رأسًا على عقب، وليتَها استيقظت على أسوأ صباحٍ يمكن تخيّله.’
ابتسمت أوديت ابتسامةً مشرقةً حدَّ الإغواء.
***
خرج الرجل إلى الرواق بعد أن فتح باب غرفة التعذيب، ونزع قفّازيه الجلديين الملطّخين بالدماء بعناية.
وحينها، لم يبقَ أثر واحد للتعذيب الوحشي، ولم يتبقَّ سوى هيئة نبيلٍ متكاملة لا تشوبها شائبة.
كان اسمه شيون راينهارت فون كلايست.
كلب الحراسة الخاص بالعائلة الإمبراطورية في هذا الجيل.
كان شعره فضّيًا وعيناه بنفسجيتين فاتنتين، لكن ابتسامته المشوبة بهالة دمويّة جعلته يبدو كشيطانٍ متجسّد.
“سيّدي.”
تسلّم شيون المنشفة من كبير الخدم المنتظر عند الباب، ومسح جسده بها في حركة أنيقة.
رغم أنّ قامته تقارب مئةً وتسعين سنتيمترًا، إلا أنّ تناسق جسده جعله يبدو كنمرٍ فضّيٍ أملس ورشيق.
“هل من تقرير؟ ألفريدو؟“
“في الحقيقة، الانسة أوديت لينا فون ألبريخت طلبت لقاءك.”
تجمّدت حركته التي بدت مثاليّة حتى اللحظة السابقة.
“تلك المرأة؟“
أشعل شيون سيجاره بملامح غير مصدّقة.
كان مجرّد سماع الاسم كافيًا لإثارة اشمئزازه.
“الانسة ألبرايخت، لماذا أنتِ في قاعة الرقص الآن؟“
“ابتعد عنّي فورًا! لا يمكنك مخاطبتي مباشرة دون المرور على أخي! أنا لستُ في مقامٍ يسمح لي بالحديث مع سموّك!”
“فيكتور— لا تقل إنكِ تهربين الآن؟ تبًّا. لقد سئمت حتى من رؤية مدى تفاهة حقيقتكِ!”
غريب.
فانجذاب المتسامي إلى المنقّي هي مشيئة الحاكم، لكن تلك المرأة كانت منفّرة إلى حدّ لا يُطاق.
امرأة استيقظت كمنقّية، ورغم توسّلات المتسامين اليائسة، لم تُقدِم على تطهيرٍ واحد.
وفوق ذلك، تلك الأفعال المقزّزة التي تُرفع تقاريرها إليه مرارًا.
“ارفض. أنت تعلم كم أحتقر تلك المرأة.”
لم يفهم سبب نقل كبير خدمه لهذا الطلب أصلًا.
فهو كلب الحراسة الإمبراطوري، ومتجاوز من الرتبة S.
ولا يُفترض به أن يقابل عامة الناس بنفسه.
“ذلك أنّها قالت…”
تردّد ألفريدو، ثم تابع بحذر.
“سألتَ، من بين الجواسيس التسعة الذين زرعتَهم في عائلتها، من الذي تثق به؟ وألستَ فضوليًا لتعرف أيّ المعلومات كانت مزيّفة؟ هكذا نقلت.”
سُحِقَ السيجار بين شفتي شيون حتى فقد شكله، بسبب هذا الطلب الوقح والمتعجرف للقاء المنفرد.
“يبدو أنّه… لا بدّ من مقابلتها.”
انفلتت ضحكة جافّة من فم شيون.
وكان ألفريدو، الذي يعرف أنّ هذه الضحكة لا تظهر إلا عند اشتعال غضبه، انحنى برأسه أكثر.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"