استمتعوا
أدارت أوديت رأسها لتتبيّن هوية الداخل. كانت السيدة بيكر، الوصيفة التي جلبتها والدتها من منزل أهلها.
“السيدة بيكر.”
“كيف تجرؤين على التواجد هنا؟!”
عند الصوت الحادّ، عقدت أوديت حاجبيها.
“آنستي، هل أصابكِ الصمم؟! نعم؟! سألتُكِ لماذا دخلتِ مكتب سموه بلا إذن؟!”
“السيدة بيكر، هذا مكتب، فاخفضي صوتك.”
كان أسلوب خدم قصر الكونت في التعامل معها واحدًا لا يختلف.
‘ذلك الأسلوب الذي يوبّخونني به كأنني دونهم منزلة. وازدراؤهم لي جميعًا، مثير للسخرية فعلًا.’
“سأخبر السيدة فورًا! كيف تجرؤين على اقتحام مكتب السيّد هكذا؟! لن أترك الأمر يمرّ!”
“حسنًا. بلّغي كما تشائين.”
بدا أنّ الردّ الهادئ لم يكن في حسبانها، فاتّسعت عينا السيدة بيكر دهشةً.
‘أكانت تتوقّع أن تراني أتوسّل وأعتذر؟‘
على خلاف أوديت، التي هي ابنة الكونت بالاسم، فإن وجود وصيفةٍ تابعة للكونتيسة في مكتب الكونت هو الوقاحة بعينها.
“إذا كان مكانًا تدخله وصيفةٌ مثل السيدة بيكر، فهل يعقل أن يكون محرّمًا على ابنة الكونت؟“
جلست أوديت بهدوء على الأريكة الموضوعة في المكتب. وبما أنّها تعرف سبب مجيء المرأة إلى هنا، بدا لها غضبها المتشنّج مضحكًا فحسب.
‘يا لها من وقاحة حقًّا. تأتي لتستعيد هويّتي وهي التي تنوي استخدامها.’
كانت أوديت تتذكّر صوت عربة البريد الذي سمعته بالأمس.
‘فقد كان أمس يوم الانتهاء من تسوية أموال الاتّجار بالبشر. لا بدّ أنّها جاءت لإعادة بطاقتي التعريفيّة وختمي الشخصي اللذين احتاجتهما لاستلام المال.’
الاختطاف، والاتّجار بالبشر، وتهريب المخدّرات، وإنزال عشيرة فينريل إلى مرتبة مواطنين من الدرجة الثالثة وحبسهم في مناطق الاحتجاز……
كلّها أفعال قذرة ارتكبها الكونت مستخدمًا اسم أوديت.
أخفى حقيقة تبنّيها، ومثّل دور “الأب الذي يحبّ ابنته المتأخّرة في الولادة حدّ أنّه يعجز عن ردعها عن ارتكاب الشرّ“.
وبينما كانت سمعتها تُدمَّر، ظلّت سمعة الكونت بلا خدشٍ واحد.
وكان سبب مجيء السيدة بيكر اليوم هو أنّ ختم أوديت الشخصي، وشمع الختم، وبطاقة هويّتها كانت محفوظة هنا.
‘لا بدّ أنّهم استخدموها كما تُستخدم الممتلكات العامّة، في كلّ فعلٍ شرير يتطلّب اسمي.’
كسالى في كلّ شيء، لكنّهم في ارتكاب الشرّ نشيطون على نحوٍ يثير الإعجاب.
“يا للعجب! أتظنّين أنّني لا أقدر على ذلك؟! إن دعوتُ السيدة حالًا—”
“إذًا سأخبر أمّي فورًا. سأخبرها إن كانت تعلم أين اختفت أقراط الغارنيت التي تحبّها، وقلادة حجر إنهيوب.”
“……!”
“وسأخبرها أيضًا أنّني أعلم أنّ تلك القطع مخبّأة تحت سريركِ، يا سيّدة بيكر.”
شحُب وجه السيدة بيكر على الفور عند كلمات أوديت.
‘لا بدّ أنّكِ تفاجأتِ. فهو سرّ لا يُعرف إلا إن أفصحتُ عنه.’
فهي لا تعلم أنّ أوديت، أثناء فرارها من الأبطال في حياتها السابقة، التقت بحاضنة فيرديناند ضمن عصابة من المتسوّلين.
قبل ثلاث سنوات، حين أراد الكونت إخفاء حقيقة تبنّي أوديت إخفاءً تامًّا، قتل معظم العاملين في القصر.
الوصيفات والخدم، من الطهاة إلى السائقين. والحاضنة وحدها نجت يومها بأعجوبة، فأخفت هويّتها وعاشت بالكاد بين المتسوّلين.
وقد أفشت تلك الحاضنة، وقد ملأها الحقد، عددًا لا يُحصى من أسرار منزل الكونت. كانت أوديت، وقد قُطع لسانها، عاجزة حتى عن التفاعل، ومع ذلك لم تتوقّف المرأة عن سرد كلّ ما تعرفه.
‘يا للسخرية. هذا من أتفه الأسرار التي أعرفها، ومع ذلك كان ردّ فعلها بهذه الحدّة.’
بشجاعةٍ لا تصمد أمام انكشاف سرقة جوهرتين، كيف امتلكت الجرأة لارتكاب سرقاتٍ أكبر إلى هذا الحدّ؟
‘يثير فضولي، هل كان بينكِ وبين أمّي ثقة حقيقيّة أصلًا؟‘
في حياتها السابقة، الخادم، وباولا، والسيدة بيكر—لم يخنها واحد منهم. بل تكتّلوا جميعًا لتلفيق التهم لأوديت.
ولهذا تساءلت، هل سيبقى هذا المنزل متماسكًا حتى في غيابها، هي كيس اللكم المشترك للجميع؟
إن وُجدت ثقة حقيقيّة بين المرأتين، فستغادر السيدة بيكر المكان فورًا.
فحتى لو وشت أوديت بها، فلن يكون لكلامها أيّ وزن إن كانت امها تثق بوصيفتها.
راقبت أوديت اختيار السيدة بيكر بوجهٍ متشوق. فبحسب النتيجة، يمكنها أن تتنبّأ سلفًا بمدى نجاح دسائس التفريق التي ستقلب هذا القصر رأسًا على عقب.
تردّدت السيدة بيكر في مكانها، قلقةً متوتّرة، بينما كانت أوديت تنظر إليها بطمأنينة.
‘مع أنّ الجواب واضح في الحقيقة.’
فلو كانت بينهما رابطة متينة فعلًا، لما أقدمت السيدة بيكر منذ البداية على تلك السرقات التافهة.
وفي النهاية، لم تستطع السيدة بيكر مغادرة المكان. اكتفت بتحديقٍ حادّ في أوديت.
“ما الذي تنتظرينه؟ اخرجي واذهبي لاستدعاء أمّي.”
وحين زادتها أوديت تشجيعًا مصطنعًا، عضّت السيدة بيكر شفتيها وسألت بصوتٍ يكبت الإهانة.
“ماذا تريدين منّي؟“
‘أرأيتِ؟ كنتُ أعلم أنّ الأمر سينتهي هكذا.’
سخرية مريرة ارتسمت على شفتيها، وهي تتذكّر نفسها في حياتها السابقة، حين كانت تتوق للانتماء إلى كيانٍ تافه كهذا وتُجلّ أفراده.
****
كانت السيدة بيكر تحدّق في المرأة المكروهة بنظراتٍ ملؤها الحقد.
‘أتجرؤ يتيمةٌ قذرةٌ مثلك على ابتزازي؟‘
كان الغيظ من هذه الحقيقة لا يُطاق.
أهي أدنى من الماشية التي تُربّى في هذا المنزل، ثم تتصرّف وكأنها ابنة الكونت الحقيقية؟
بالنسبة إلى السيدة بيكر، التي نشأت ابنةً لمحامٍ ذائع الصيت، لم يكن هناك إذلالٌ أشدّ من هذا الإذلال.
‘وما هذا الفستان الذي لم أره من قبل؟‘
كان الفستان الكحليّ يجعل بشرتها البيضاء وعينيها الزرقاوين المخضرّتَين تبدوان غامضتَين.
ذلك الوقار الهادئ بدا فاتنًا تارةً، وقاسيًا تارةً أخرى. أكانت ملامحها نبيلة إلى هذا الحدّ؟
أن يُستشعَر هذا القدر من الأناقة من مجرّد لعبةٍ للسيّد الشاب أيعقل هذا؟
‘لا يمكن أن يكون أحدٌ في هذا المنزل قد أعطاها مالًا. فمن أين لتلك الفتاة بهذا الثوب الباهظ؟‘
وبما أنّ السيدة بيكر تعرف تمامًا كيف تُعامَل أوديت، لم ترَ في الأمر سوى شيءٍ سخيفٍ ومقزز.
من شدّة الغيظ، أخذت السيدة بيكر تعضّ باطن فمها.
‘سأصبر الآن فقط، لكن ما إن تُسوّى هذه المسألة، حتى أمزّق تلك الفتاة إربًا.’
كانت السيدة بيكر تعتزم، ما إن تصعد، أن تنقل المجوهرات فورًا إلى غرفةٍ أخرى.
في هذا الوضع، سيكون من الأفضل إلصاق التهمة بشخصٍ آخر بدل أوديت.
‘ليزي. سأخفيها في خزانة تلك الخادمة المزعجة.’
مهما يكن، فطالما لا يوجد دليلٌ مباشر، فلن تقدر أوديت على فعل شيء.
‘وسأطرد تلك الخادمة الغبية المسؤولة عن الغسيل، ثم أطلب من السيّدة أن تُبرح تلك الفتاة ضربًا.’
إنه إذلالٌ عابر ليس إلا. وبعد ذلك سأعيده مضاعفًا مع فوائدٍ سخية.
ومع ذلك، كان كبرياؤها مجروحًا.
‘أتجرؤ مجرّد لعبةٍ لفيرديناند على إذلالي؟‘
“ماذا؟! تكلّمي! ماذا تريدين منّي؟!”
ولهذا لم تستطع إلا أن يخرج صوتها حادًّا لاذعًا.
فهي تعرف تفاهة هذه الفتاة، وتعرف كذلك تفاهة الغاية التي تقف خلف هذا التصرّف.
‘لا بدّ أنّها لا تطمح إلا إلى شيءٍ حقير، كأن تطلب أن ألتفت إليها قليلًا، أو أن أتحدّث عنها بخيرٍ لدى السيّدة.’
حتى هدفها في الحياة كان دنيئًا ومبتذلًا إلى أقصى حدّ.
تذكّرت بوضوحٍ منظرها السخيف، وهي تمسك بطرف ثوبها وتترجّى السيّدة ألّا تُنبَذ.
‘أتجرؤ على الإمساك بنقطة ضعفي، وهي لا تطلب في النهاية سوى طلبٍ تافه كهذا؟‘
فانفلت صوتها المتبرّم دون وعي.
“إن كان لديكِ ما تقولينه فاسرعي-“
“مفتاح الخزنة الذي في يدكِ. أعطيني إيّاه قبل أن تذهبي.”
‘ماذا؟‘
سرت قشعريرة باردة في ظهرها. كيف عرفت أوديت بوجود هذه الخزنة؟
‘لا يعرف أمر هذه الخزنة إلا أنا والسيّدة، والسيّد والابن.’
حتى كبير الخدم ورئيسة الخدم لا يعلمان بوجودها. وإن كان ثمّة شخصٌ يجب ألّا يعرف بها في هذا البيت، فهو أوديت.
‘هذا لا يجوز. هذا تحديدًا.’
أسرعت السيدة بيكر إلى ضبط تعابير وجهها.
“ما الذي تقولينه يا آنسة؟ هل تناولتِ شيئًا خطأ؟“
“تمثيلٌ أحمق. لا تضيّعي الوقت فيما لا طائل منه، وسلّميها بسرعة. فأنا أعلم جيّدًا سبب مجيئكِ إلى هنا.”
“لا تهذي! جئتُ إلى المكتب لأبحث عن كتاب، هذا كلّ ما في الأمر! جئتُ بطلبٍ من السيّدة للعثور على كتاب! مجرّد قضاء مشوار للكتب!”
تظاهرت السيدة بيكر بالبراءة.
‘على أيّ حال، بجسدها النحيل هذا، لا يمكنها أن تنازلني بالقوّة.’
يكفي ألّا يُنتزع المفتاح منها.
“يا لكِ من وصيفةٍ وفيّة لأمّي.”
شعرت بأنّ شيئًا ما قد اختلّ حين ارتسمت ابتسامة سخرية على شفتي أوديت.
“مثير للاهتمام حقًّا. وبمثل هذا الإخلاص، كيف أصبحتِ عشيقة أبي؟“
شحُب وجه السيدة بيكر. كيف لفتاةٍ تافهة كهذه أن تعرف أكبر أسرارها؟
“أمتأكّدةٌ أنّ المفتاح ليس بحوزتكِ؟“
“…….”
لم تجد السيدة بيكر بدًّا من أن تسلّم القطعة المعدنية الصغيرة على مضض. وإلى جانبها، ناولتها بطاقة الهوية والختم الشخصي اللذين جلبتهما معها.
وظلّت مذهولة أمام تغيّر أوديت، فاقدةً لتركيزها.
ولهذا لم تنتبه إلى أنّ أوديت قلبت المفتاح داخل الخزنة السرّية وفعّلت آلية التشغيل المزدوجة أيضًا.
ولا إلى أنّها دسّت في كمّها الوثائق وأحجار التسجيل التي لا يعرفها سوى الكونت.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"