استمتعوا
“آ… آنستي؟“
شَعرٌ بنيٌّ مضفورٌ على شكل ضفيرتين، وبشرةٌ تتناثر عليها النمش، وليزي ذات النظّارة الدائرية كانت تحدّق فيها بعينين متّسعتين.
“ليزي.”
للمرة الأولى منذ عودتها بالزمن، ارتسمت على شفتي أوديت ابتسامة صادقة من أعماق القلب.
“آنستي، هل ساقاكِ بخير؟ تلك باولا، لا بدّ أنها أساءت التصرّف مجددًا اليوم، أليس كذلك؟ هل أحضر لكِ الدواء؟“
كانت غرفة أوديت منظّفة بعناية، وعلى الطاولة فوق الأريكة وُضع شاي دافئ وتارت حلوة.
‘في حياتي السابقة، كنت ألومكِ كل صباح على هذا.’
بحجّة غبيّة مفادها أنني سأجوع على أي حال، وأن وضع الطعام أمامي لا يزيدني إلا ألمًا.
‘في هذا القصر، الشيء الوحيد الذي كان من أجلي هو الوجبة التي كنتِ تعدينها لي.’
“لا تقلقي. لم أُصب بأذى إطلاقًا.”
اختنق صوتها من شدّة الفرح. ولمنع قلق ليزي، بدّلت أوديت الموضوع على عجل.
“يبدو شهيًّا يا ليزي. هل أنتِ من أعددته؟“
“نعم. هل ستتناولينه؟“
“نعم. أرغب في ذلك.”
خادمة الغسيل التي قُتلت على يد أخيها حين حاولت الإدلاء بشهادة تصبّ في صالحي في المحكمة.
‘لا بدّ أن عملها وحده كان كافيًا ليستنزفها.’
غرفة نظيفة، وماء دافئ مُعدّ لتغتسل به في الحال.
لم يكن رئيس الخدم ليسمح بمثل هذا التصرف دون اعتراض، ولا بدّ أنها كانت تتعرّض لإقصاءٍ قاسٍ بسببه.
“شهيٌّ حقًا. شكرًا لكِ.”
وضعت أوديت التارت في فمها، فبادرت ليزي إلى صبّ الشاي الدافئ لها.
‘برؤيتي لكِ حيّة، أدرك حقًّا أنني عدتُ بالزمن.’
يا لبشاعة اللحظة التي أدركتُ فيها، واقفةً أمام قبركِ، أنكِ كنتِ الوجود الوحيد الذي كان من أجلي. مقارنةً بذلك اليوم، كم يبدو الحاضر ممتلئًا بالحياة.
بعد أن أكلت أوديت كل شيء دون أن تترك فتاتًا، طلبت من ليزي.
“ليزي، هل تتولين خدمتي الشخصية ابتداءً من اليوم؟ لن تحتاجي بعد الآن إلى العمل في الغسيل.”
اتّسعت عينا ليزي دهشةً لكلام أوديت.
خادمة الغسيل، وهي أدنى رتبة بين خادمات غرفة النوم، كانت تتولّى شتّى الأعمال الشاقّة، أمّا الخادمة المقرّبة التي تخدم سيّدتها مباشرة فذلك منصب لا يُمنح إلا لطاقم رفيع لا يليهم إلا الوصيفات.
“حقًّا؟ هل أكون مناسبةً لذلك؟“
“بالطبع. أنتِ كافية وأكثر يا ليزي.”
وبابتسامة أوديت اللطيفة، أشرقت ابتسامة واسعة على وجه ليزي.
‘لن تعرفي كم بكيتُ أمام قبركِ.’
كانت ليزي الشخص الوحيد الذي اهتمّ بي في حياتي السابقة. أمام جثّتها الباردة الملقاة بلا شاهد قبر، كم غمرني الندم.
في هذه الحياة، لن أترك هذه الفتاة تموت. فقد أدركتُ أخيرًا من هم أولئك الجديرون بأن أحرص عليهم وأرعاهم.
***
“سأساعدكِ على ارتداء الملابس، آنستي.”
بعد انتهاء أوديت من الطعام، أحضرت ليزي مرآةً كاملة الطول. وما إن نظرت أوديت إلى انعكاسها فيها حتى أطلقت ضحكةً جافة.
‘ما أفظع العادة. كنتُ أرتدي مثل هذا وكأنه أمرٌ طبيعي.’
كانت أوديت ترتدي ثوب نوم من الدانتيل الخفيف، ومعه ـ كالمعتاد ـ مشدًّا معدنيًّا مشدودًا بإحكام.
‘في هذا الوضع، هل كنتُ أرتدي ما يوافق ذوق ذلك الوغد؟‘
في المرآة، طفح الغضب البارد على ملامحها.
“أتذهبين إلى جنازة؟ لماذا تختارين ملابس كئيبة قاتمة كهذه؟ المرأة يجب أن تكون زاهية. ارتدي الأصفر، ذاك المزيّن بالدانتيل.”
‘قذر… مقزِز.’
مجرد تذكّر صوت فيرديناند جعلها تشعر برغبة في غسل أذنيها.
“آنستي، أيّ ثوب تودّين ارتداءه اليوم؟“
رمقت بعينين باردتين خزانة الملابس المفتوحة. كلّها كانت مزدانة بدانتيل فاقع الطفولية، وكشاكش مبالغ فيها كأغلفة الحلوى.
“ليزي، أحضري مقصًّا.”
“مقصًّا؟“
“حادًّا قدر الإمكان، وبأسرع ما يمكن.”
تلك الخزانة لم تكن ملكها. بل ملك لعبة يملكها فيرديناند. لم تستطع تحمّل هذا الاشمئزاز.
بالمقصّ الذي أحضرته ليزي، مزّقت أوديت جميع الملابس الموجودة في الخزانة.
فساتين أصغر من مقاس جسدها الحقيقي بمقاسين، بسبب ذوق ذلك الوغد الذي يعشق الأجساد الهزيلة.
“آنستي!”
فزعت ليزي، لكنها لم تحاول إيقافها. وبعد أن مزّقت أوديت كل الفساتين، قالت لها.
“لا يوجد في هذه الخزانة ما يروق لي. إن وُجدت ملابس داكنة في المغسلة فاحضريها. لا بأس حتى بزيّ الخادمات.”
“……نعم؟ نعم، آنستي!”
بعد مغادرة ليزي، خلعت أوديت ثوب النوم الحريري الذي كانت ترتديه، وقطّعت أربطة الجلد للمشدّ المعدني الذي كان يطبق على جسدها ويضغط على أضلاعها.
‘أن أُدخل جسدي قسرًا في شيء كهذا…’
مشدّ لم تخلعه قط إلا عند الاغتسال.
في حياتها السابقة، كانت تخاف خلعه أكثر من خوفها من تحطّم أضلاعها.
دون أن تدري أنه كان يدمّر جسدها.
عثرت أوديت على قميص داخلي جديد وبسيط في زاوية الخزانة، فارتدته. كان جسدها المنعكس في المرآة ذا هيئة طبيعية لم تعهدها من قبل.
جسدها الحقيقي… المختلف عن ذلك الجسد الذي كانت تحطّم أضلاعه لتلائم الفساتين والمشدّات.
“إنّ التنفّس بات سهلًا إلى حدّ يبعث على الغرابة.”
كانت أوديت، وقد ارتدت القميص الداخلي الذي يلفّ جسدها برفق، لا تبدو بعد الآن كجنيّةٍ مشوّهة غريبة الأطوار.
***
‘ما الذي جعلها تبحث اليوم عن ملابس داكنة اللون؟‘
دقّ، دقّ. خفق قلب ليزي بقوّة.
لطالما أعجبت ليزي بأوديت.
فهيئة الآنسة الأنيقة على الدوام كانت تبعث في نفسها رجفةً لا تعرف كنهها.
اندفعت ليزي بحماس عبر الدرج المؤقّت إلى الأسفل. وفي غرفتها الكائنة في القبو، راحت يداها تنبشان على عجل في الصندوق المخفي فوق الخزانة، لتُخرج منه فستانًا.
‘فستان كانت الانسة قد تخلّت عنه بعد أن ارتدته مرّات قليلة، بحجّة أنّه بسيط أكثر من اللازم.’
لم تستطع رميه لأنّها عدّلته ذات مرّة فأصبح جميلًا جدًّا، ولم تجرؤ في الوقت نفسه على ارتدائه.
فستانٌ كحليٌّ بسيط، زُيّن بكشاكش بيضاء أنيقة في مواضع متفرّقة، وتدلّى عليه شريط أسود. أنيقٌ ووقور، دون أن يجعل من ترتديه تبدو كسيدةٍ مسنّة.
‘الآن وقد فكّرتُ في الأمر، يبدو أنّني كنتُ أستحضر صورة الآنسة منذ لحظة التعديل.’
فقد كانت تشعر بالأسى كلّما رأت الآنسة ترتدي فساتين دانتيل زاهية تشبه أغلفة الحلوى، لا تليق بها.
“كنت أظنّكِ ستختارين اليوم أيضًا فستانًا يشبه أغلفة الحلوى… يا له من حظّ!”
فستان صُنع محمّلًا بالخيال والطموح. وبقلبٍ مرتجف، قدّمته ليزي إلى أوديت.
“هذا فستان تخلّت عنه الانسة، وقد عدّلته قليلًا. هل تظنّين أنّه يليق بكِ؟“
“حقًّا؟ يا ليزي، إنّ مهارتك مذهلة. هذا أجمل فستان رأيته على الإطلاق. يعجبني كثيرًا.”
“حقًّا؟“
وقد ازدادت ثقة ليزي بنفسها، فأخرجت بخجلٍ زوجًا من الحذاء كانت قد أحضرته احتياطًا.
“هذا حذائي أنا، لكنني لم أرتده قط، وأودّ أن أقدّمه لكِ. فكعوب أحذيتكِ دائمًا عالية إلى حدّ يؤذي كاحليكِ.”
“…….”
عند كلمات ليزي، أطبقت أوديت فمها فجأة، وارتسم على وجهها تعبير غارق في التفكير.
‘ألم يعجبها؟ لا بدّ أنّه بدا رخيصًا في نظر الآنسة…’
وما إن خطرت هذه المخاوف ببالها، حتى عانقت أوديت ليزي فجأة وبشدّة.
“……إنّه جميل جدًّا. لم أتلقَّ يومًا هديةً ثمينة كهذه، يا ليزي.”
كان هذا تصرّفًا لا يمكن أن يصدر عن الآنسة المعتادة على الالتزام الصارم بالآداب.
تفاجأت ليزي، لكنها سرعان ما ردّت العناق، إذ بدا لها أنّ أنفاس الآنسة ترتجف بشدّة.
“ليزي، لديّ أمر أودّ أن أطلبه منكِ.”
“ما هو، آنستي؟“
شدّت أوديت ليزي إلى صدرها، وهمست في أذنها ببضع كلمات أمورٌ قليلة رغبت أن تتولاها.
وبعد أن سمعت أوامر أوديت، أومأت ليزي برأسها.
“بالطبع! ليس بالأمر الصعب أصلًا! سأتحرّك فورًا.”
“حسنًا. أنا واثقة بأنكِ ستنجحين. فقد كنتِ دائمًا ذكيّة.”
كان في نبرة الآنسة شيءٌ يوحي باستحضار زمنٍ بعيد للغاية، زمنٍ غائم لا يُمسك به.
توقّفت ليزي لحظةً في حيرة، ثم أسرعت إلى الحركة.
***
ارتداء ملابس مريحة حتى باحتساب حياتها السابقة لم يحدث إلا اليوم.
فبعد أن نبذتها عائلتها، كانت ترتدي بدل الملابس خِرَقًا مصنوعة من قشور النباتات، لا تقي جسدًا ولا تستره.
“أيمكن للملابس أن تكون مريحة إلى هذا الحدّ؟“
ثوبٌ خالٍ من الدانتيل، والخيوط الذهبية، والأورغنزا التي كانت تلسع بشرتها، صُنع فقط على مقاس جسدها.
اللون الداكن أبرز أناقة وجه أوديت شديد البياض ونُبله.
‘سيصيح ذلك الوغد فيرديناند قائلًا إنّه كئيب. مثالي.’
وبهذا الزيّ المثالي درعها الحربي خطت أوديت نحو الطابق الأوّل.
حتى لحظة فتح باب مكتب والدها، لم يتسرّب إلى قلبها أدنى تردّد.
‘مكان لم أجرؤ في حياتي السابقة حتى على التفكير في دخوله.’
لماذا كانت تخشاه كما لو أنّ دخوله أشدّ رهبة من الذهاب إلى القصر الإمبراطوري؟
كم كنتُ حمقاء، أخشى كراهية والديّ أكثر من الموت نفسه.
“…….”
على أحد جدران المكتب، علّقت لوحة متوسّطة الحجم. كانت تضمّ الأب والأم جالسين على أريكة، وإلى جانبهما فيرديناند.
بدوا ثلاثةً في غاية الألفة والانسجام. بل بدوا كاملين.
‘فقط لأدخل تلك الصورة.’
لوحات لا تضمّ سوى هؤلاء الثلاثة، بأحجام متفاوتة، كانت معلّقة في أرجاء القصر كلّه. وأكبرها كانت تتوسّط الدرج الرئيسي.
كم رغبت في أن أدخل تلك الصورة وألعب دور العائلة معهم. نعم، آنذاك كان يكفيني أن تكون مجرّد لعبة عائلة.
أن أدخل بينهم كفردٍ بديهي، أُحِبّ وأُحَبّ. مجرّد هذا الخيال كان يفيض به صدري.
‘والآن، حتى لو عرضوا عليّ أن أكون عائلة حقيقيّة مع أولئك المختلّين، فسأرفض.’
وضعت كفّها على اللوحة. خلف هذا الإطار كان يوجد خزنةٌ سرّية.
وفي اللحظة التي همّت فيها بدفع اللوحة ورفعها إلى الأعلى.
صريرٌ حادّ، وانفتح باب المكتب خلفها.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"