استمتعوا
ما إن قطعت أوديت كلامها، حتى بدت الحيرة على باولا.
‘طبيعي. فلو كنتُ أنا إلى الأمس، لكنتُ ألهث يأسًا لأكسب ودّ باولا المقرّبة من أمي.’
كم كان تسلّط باولا والتنعّم بإذلال ابنة الكونت النبيلة متعةً عظيمة لها؟ وبقدر ما كانت أوديت تخمّن عقدتها، انساب من شفتيها ضحكٌ ساخر بلا تكلّف.
“كيف تجرؤين عليّ الآن-“
“إن كنتِ تنوين القيام بالتأديب، فعليكِ أن تضربي المثل أولًا. كيف لكِ أن تتحدّثي عن التأديب وأنتِ لا تلتزمين حتى بأبسط الأساسيات، كالطرق على الباب؟“
تشوّه وجه باولا عند ملاحظة أوديت.
“…آنستي.”
“ثم انظري. مشاعركِ مكشوفة على وجهكِ، يا باولا.”
“……”
“ما الذي يمكنني أن أتعلمه من خادمة تأديب لا تحسن حتى الحفاظ على رباطة جأشها، فتفضح قاع عواطفها هكذا؟“
حين تخلّت عن ذلك الصوت الحاد الطفولي الذي يوافق ذوق فيرديناند، انساب من فمها صوتٌ طبيعي رزين، متماسك وقوي.
كم تتغيّر الأشياء، لمجرّد الكفّ عن التلهّف لنيل الحب.
الأكثر تغيّرًا لم يكن الصوت ولا نبرة الكلام، بل زاوية الرؤية نفسها.
أن تغدو باولا، التي كانت ترهبها، بهذه السذاجة والحقارة.
“أم جئتِ لتعلّميني كيف أجهل قدري وأتمرّد بوقاحة، يا باولا؟“
وعند سخرية أوديت الباردة، احمرّ وجه باولا احمرارًا فوريًا.
****
‘ما… ما هذا؟‘
لم تجد باولا بدًّا من الارتباك. فقد بدت أوديت بحقّ نبيلةً مكتملة.
ولم يكن ذلك بسبب التزامها بآدابٍ لا شائبة فيها فحسب. فباولا وسائر الخدم الكبار كانوا يرون أصلًا أن التزام أوديت الكامل بالآداب أمرٌ مثير للسخرية.
لأنهم كانوا يعلمون أن تلك الآداب لم تتعلّمها بوصفها سليلة منزل نبيل، بل اكتسبتها تحت وطأة الإيذاء.
كانت السيدة تتلذّذ كثيرًا بالتقاط أخطاء الآداب الجامدة الواردة في الكتب، لتطرد أوديت ثم تعيدها.
وكان التمسّك القسري بالكمال في الآداب يبدو بائسًا ومضحكًا؛ هوسًا وُلد من الخوف والرعب. أليس ذلك مدعاة للسخرية؟
لكن اليوم، وبالحركات ذاتها، بدت كحركات سيّدٍ متسلّط.
حاولت باولا أن تتماسك.
‘تلك المرأة، في نهاية المطاف، ليست سوى أوديت.’
ما إن تذكر السيدة حتى ستنهار حالًا، هذا ما كانت واثقة منه.
“إن تماديكِ في الوقاحة هكذا، فسأشي بكِ إلى السيدة!”
لكن أوديت اكتفت بابتسامة وديعة، وهي تشعّ ضغطًا باردًا نبيلًا كأنه يسحق باولا.
‘وما بال هذا الصوت أيضًا؟‘
صوتٌ أنيق كالنغم، كأنه فلوت قادر على أسر القلوب. ارتعشت باولا لا إراديًا.
كان كأنها ترى أمامها الصوت المثالي للنبلاء الذي طالما حاولت تقليده.
“آنستي، أركعي فورًا. إن حبس الآنسة في العلّية إنما هو عقاب على تظاهرها بالمرض أثناء تلقي الدواء أمس! أَنَسِيتِ أمر السيد؟“
لم تستطع باولا التراجع. لأن حدسها صرخ بأن تراجعها الآن يعني أنها لن تعلو فوق أوديت مرةً أخرى أبدًا.
‘المكان الذي يجب أن تكون فيه حقًا هو مكاني أنا… كيف تجرؤ تلك اليتيمة!’
فكيف تُفرغ غضبها المتراكم إذن؟ تلك اللحظة التي تشعر فيها بالتفوّق على أوديت، كانت شيئًا لا يمكنها التفريط به في حياتها.
“يبدو أنكِ نسيتِ أصلكِ الوضيع. ما رأيكِ أن أخبر السيدة لتطردكِ فورًا؟“
قرّرت أن تكسرها كليًا، حتى لا تجرؤ على التحدّي مجددًا.
وغلى الدم في عروقها. وتخلّت عن تكلّف النبرة الأرستقراطية، واندفعت تضغط على أوديت.
وفي تلك اللحظة بالذات.
شُقَّ الهواء فوق وجهها المحموم بصوت “تشاااك!”، وصفعتها يدٌ باردة على خدّها
“مـ… ما هذا؟“
ارتبكت باولا. كانت صفعة أوديت أقسى مما توقّعت. قوة لا يُنتظر صدورها من ذراعٍ نحيلة كهذه.
تراقصت الرؤية أمام عينيها.
لا بدّ أن مهارتها في الضرب كانت مذهلة.
“قليلة الأدب حقًا، يا باولا. لو تعلّمتُ منكِ قواعد اللياقة، لصرتُ أضحوكةً في المجتمع الأرستقراطي.”
وبينما خفّ ضغط يد باولا من شدّة الصدمة، نزعت أوديت السوط من يدها كمن ينتزعه انتزاعًا. حركة انسيابية ناعمة، ومع ذلك لم تستطع باولا إيقافها.
كأنها حيلة لصٍّ بارع.
‘كيف يمكن ليدها أن تكون سريعة إلى هذا الحد؟‘
وبينما كانت باولا تحدّق بغباء في تلك الخفة السحرية، انهمر السوط على ظهرها بلا رحمة.
“آآآه!”
سقطت باولا أرضًا على الفور، بعدما داهمها ألم لم تختبره في حياتها قط.
“ألم تكوني أنتِ من تردّدين دائمًا؟ لا شيء يُقوِّم السلوك مثل سوط الخيل.”
‘كـ… كيف يمكن أن يكون مؤلمًا إلى هذا الحد؟‘
على مدى اثني عشر عامًا، لم تستخدم السوط إلا لضرب أوديت؛ أما أن تتلقّى الضرب بنفسها فكانت تلك المرة الأولى.
وكان الألم الناتج عن سوط الخيل يفوق الخيال. أخذ جسدها يرتجف بعنف، وتلاشى ما تبقّى من روح القتال لديها.
“اركعي. يبدو أنّ عليّ اليوم أن أؤدّبكِ بنفسي.”
متى كانت تلك العينان الزرقاوان المائلتان إلى الخُضرة بهذه البرودة؟
باولا، التي لم تستعد وعيها من ضربة واحدة فحسب، سارعت تركع على ركبتيها. سال العرق البارد خوفًا من ألم لا تريد أن تشعر به مرة أخرى.
كان رأسها ممتلئًا بالمهانة، تريد المقاومة في الحال، لكن الألم الذي تذوّقته للمرة الأولى في حياتها أخضع جسدها تمامًا.
“خادمة تهدّد سيّدتها… يبدو أن التعليم ضروري لكِ فعلًا.”
وبحركة ناعمة، رفعت أوديت سوط الخيل، وأنزلته مرة أخرى على ظهر باولا.
“كيـاااخ!”
لم تتلقَّ سوى ضربتين اثنتين، ومع ذلك أخذت باولا ترتجف وتذرف الدموع.
“آ… آنستي.”
“ولا تنسي أن تعدّي الضربات بصوتٍ عالٍ. هكذا يتعلّم المرء الندم، بعدد ما يُضرَب.”
“عدي عدّد الضربات بصوتٍ عالٍ، آنستي! لأن الندم يكون بقدر عدد الضربات.”
قالت أوديت بصوت منخفض ناعم، مقلّدةً طريقة باولا في الكلام.
‘سأخبر السيدة ولن أدع الأمر يمرّ. أتظنّين أنني سأتجاوز هذا الإذلال؟‘
عضّت باولا على أسنانها، واثقةً بمحبة الكونتيسة لها، لكن الألم الذي يخلّفه سوط الخيل كان طاغيًا إلى حدّ أطاح بتلك العزيمة.
“ثـ… ثلاث! غخ!”
وهي تشعر بكفّيها الممدودتين على الأرض تبتلّان، شدّت باولا على أسنانها.
***
حدّقتُ ببرود في باولا، التي أغمي عليها بعد خمس ضربات لا غير.
‘أن تُغمى عليها من هذا القدر فقط… أمر يبعث على السخرية.’
قياسًا بما كنتُ أتلقّاه، لم يكن ذلك حتى نصف القسوة. فعلى خلاف جسدي الذي كان ينزف بعد ثلاث ضربات، لم تنتفخ بشرة باولا الآن حتى.
‘مع ذلك كانت تصرخ في وجهي قائلة إن عليّ، وأنا صغيرة إلى هذا الحد، أن أتلقّى ثلاثين ضربة على الأقل.’
وحين كنتُ أبكي متألّمة، كانت تزعم أنني أبالغ، وتضيف عشرات الضربات الأخرى.
قاسية إلى هذا الحدّ مع غيرها، ومتساهلة مع نفسها إلى درجة مثيرة للسخرية.
‘لو كان لديّ متّسع من الوقت، لانتظرتُ حتى تستفيق وأعدتُ تأديبها كما ينبغي…’
لكن، للأسف، لم يكن لديّ وقت.
‘ما دامت باولا قد فقدت الوعي، فسيُؤجَّل إبلاغ أمي قليلًا.’
كانت باولا الملقاة أرضًا تلائم العلّية على نحوٍ لافت. ولعلّ ذلك السبب المشبوه هو ما جعلها، على الرغم من كونها خادمة، تحظى دائمًا بمعاملة مفرطة في حسنها.
“بسببكِ أهدرتُ وقتًا ثمينًا.”
تمتمتُ بذلك وأنا أحدّثها وهي فاقدة للوعي، ثم غادرتُ الغرفة، دون أن أنسى بالطبع إقفال باب العلّية من الخارج.
“وقتي ليس رخيصًا كوقتكِ.”
ثم خطوتُ نحو هدفي الأصلي.
***
خرجت أوديت من العلّية التي كانت محتجزة فيها، واتجهت إلى غرفتها الخاصة.
الطابق الثاني. إلى جوار غرفة نوم فيرديناند تقع غرفة صغيرة هي غرفتها، تمامًا كما تكون غرفة الخليلة الملكية إلى جانب غرفة الإمبراطور.
“أَتظنّين أن أمًّا لا تعرف ابنها؟ بالطبع أدركتُ منذ أن كبر أنه يكنّ لكِ رغبة دنيئة. كيف تجرؤين… لهجتكِ هذه تنمّ عن انزعاج؟ أليس في الأمر شرفٌ لكِ أصلًا؟“
وكأن أسرة الكونت تستعرض كونها لا ترى فيها سوى لعبة لفيرديناند.
“وقحة. جرى تبنّيكِ لتكوني لعبة لفيرديناند، ومع ذلك لا تعرفين قدركِ.”
ذاك صوت أمّها، وهي تسخر منها حين كانت حبيسة السجن. أيّ عقلٍ لا بدّ أن يكون في الرأس، حتى يُربّى ابنٌ متوحّش كهذا؟
يبلغ بها الغيظ حدّ الأسى، أنها أفنت عمرها ساعية لأن تصبح فردًا من عائلة كهذه.
وبوجهٍ ازداد برودةً، أمسكت بمقبض باب غرفتها.
عندها، التفت ظلٌّ كان داخل الغرفة نحو أوديت.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"