استمتعوا
‘غير أنني كثيرًا ما كنت أتخبط وسط أسرابٍ من الدبابير، كأنها بحرٌ هائج.’
“يُقال إنكِ ترينه مراتٍ عدة، فإذا رأيتِه مرةً أخرى فأبلغيني. ليس بالضرورة أن يكون البلاغ مكتوبًا.”
وفي تلك اللحظة وصلا إلى القصر. تخطّى شيون السور العالي بخفة، وكاد أن يندفع طبيعيًّا نحو نافذة غرفة أوديت في الطابق الثالث.
“صاحب السمو، لحظة.”
“الغرفة ذات النافذة في الجهة الشمالية من الطابق الثالث، تلك هي غرفتكِ، أليست كذلك؟“
يبدو أن المعلومات التي لا حاجة إلى الكذب بشأنها قد نُقلت إليه بإتقان.
“أعتذر، لكن عليك أن تُنزلني إلى السجن السفلي. إن أنزلتني هنا فحسب فسأتدبّر أمري-.”
“…السجن السفلي؟“
“نعم. لقد خرجتُ لتوي من سجن منزلنا السفلي.”
عند جوابها قطّب شيون ما بين حاجبيه بوضوح، وامتلأت عيناه البنفسجيتان بالضيق.
‘لماذا ساء مزاجه؟ هل أطلقتُ مجددًا تلك الرائحة المقززة؟‘
وخوفًا من أن يلقيها هذا الإنسان السيئ الطبع ــ قطار الـKTX البشري ــ أرضًا، جذبت أوديت كمّها خفية لتخفي الرائحة، وفي الأثناء حطّ شيون في حديقة منزل الكونت.
“يكفي، ابقي ساكنةً بين ذراعيّ.”
وبينما كانت لا تزال قلقة، شدّها شيون إليه بإحكامٍ أكبر، ثم نزع باب المدخل الرئيسي في الطابق الأول بهدوء.
أن يُنزَع ذاك الباب بلا صوت! موهبة مجنونة، لو صار لصًّا لبلغ شأوًا عظيمًا لا محالة.
‘وعند خروجه سيعيد تثبيته من تلقاء نفسه… أليس كذلك؟‘
حقًّا إن وجود المتسامين في هذا العالم…
ولمّا بلغا الطابق السفلي، جال شيون ببصرٍ متجهّم في أرجاء السجن.
“أيمكن النوم في مكانٍ كهذا؟“
لا بد أن الغبار المتراكم والرائحة العفنة، وشباك العنكبوت المنتشرة هنا وهناك، وبقع الدم العتيق الملتصق، كل ذلك لم يُرضِه.
وعلى منصة الإعدام عُلِّق القناع الذي كان يُلبس للمحكومين، وفي القضبان نتوءات حديدية بارزة تعقّد الأمر.
‘بيئة كهذه عسيرة الاحتمال على مريض وسواس النظافة ذاك.’
تذكّرت أوديت إعداد شخصيته؛ شيون الذي يسحق رؤوس الناس ومع ذلك يحرص ألّا تتناثر قطرة دم واحدة. فنزلت من بين ذراعيه.
عندئذٍ أمسك شيون بالقضبان وسحبها بيده حتى اتسعت بمقدار يسمح بمرور إنسان.
‘كنتُ أنوي، بعد أن يغادر، أن أستخدم المفتاح لأدخل من بين القضبان.’
حركةٌ أنيقةٌ يستحيل معها تخيّل أن تخرج منها قوةٌ بهذه الوحشية. حقًّا قدرةٌ جسدية مدهشة إلى حد الإفراط.
“ادخلي. سأعيدها مطابقةً تمامًا لما كانت عليه قبل أن أفتحها. لن يعلم أحد أنكِ خرجتِ.”
“…شكرًا لإيصالي.”
“كما طلبتِ، لن يتسرّب خبر أنكِ نقيتي وليّ العهد. سأصدر أوامر للجميع في القصر الإمبراطوري أن يؤدّوا تمثيلًا منهجيًّا وكأن خطر الانفجار لم يزل قائمًا، فلا داعي للقلق. وبقدر ما أبذل من جهدٍ هكذا، آمل أن تفي أنتِ أيضًا بوعدكِ وتختفي.”
“لا تقلق. سأحرص ألّا ألفت الأنظار، ولو كان الثمن موتي.”
أجابت أوديت بصدقٍ وإخلاص، من غير أدنى مبالغة.
فساد الصمت لحظة، كأن الكلمات اختنقت في حلقه، ثم أطلق شيون شتيمةً خشنة.
“…هاه، اللعنة.”
‘ما هذا؟ لِمَ أغاظه جوابي؟ ألم يبدُ صادقًا؟‘
“يمكنك الرحيل الآن.”
قريبًا سيطلع الصباح، وسيأتي فيرديناند ليعذّبها.
‘حتى لو علم بما حصل من إساءات، لا أرغب أن يرى مباشرة نوع المعاملة التي سألقاها.’
أليست صورة الشريرة المترفة أهون من دودةٍ تُضرَب كالحيوان على يد من يُدعى عائلة؟
“هيا.”
لم تكن تريد أن تُظهر له ذاك المشهد أبدًا. ومع أنها حثّته، تردّد شيون على غير عادته، ثم ناولها شيئًا.
“احتفظي بهذا.”
ما وُضع في يدها كان عقدًا على شكل قلادة من الفضة. بدا كزينة بسيطة، لكن كونها قد لعبت اللعبة سابقًا، كانت تعرف ماهية هذا الشيء.
قلادة تستدعي شيون تلقائيًّا في لحظة تهديد الموت. صنعها أول متسامي في تاريخ البشرية، مكثّفًا فيها قدرته الخارقة.
‘لماذا يعطيني إياها؟‘
بما أنها درست كتاب الإعدادات ودليل الإرشاد، فهي تعلم أن هذا الشيء كان ينبغي أن يذهب إلى شارلوت.
‘وأنه إرثٌ تتوارثه أسرة كلايست.’
“…لماذا تعطيني هذا؟“
“الوثائق التي أرسلتِها اليوم، كانت أصلًا في الخزنة السرية بالمكتبة، أليس كذلك؟“
“ماذا؟ نعم. نعم، صحيح.”
“ضعي النسخ التي أعددتِها وشهادة التزوير مكانها قبل أن تغادري.”
“انتظر، لحظة. ولماذا هذا-“
وقبل أن تتمّ سؤالها، اختفى الرجل في ومضة. وفي اللحظة نفسها أعاد القضبان كما كانت ثم رحل. يا لعجلته! حقًّا لعبة صنعتها شركة كورية.
‘متى صنع النسخ؟ حقًّا إنه وحش كما توقعت.’
نظرت أوديت بحيرة إلى القلادة في يدها.
‘أيريد أن يشهد لحظة موتي؟ ألا يفوّت مشهدًا ممتعًا؟‘
وإلّا… ما كان لهذا أن يكون في يدي.
كانت غارقةً في أفكارها حين أيقظها صوت خطواتٍ يتردّد في السجن السفلي.
بادرت أوديت إلى تعليق القلادة في عنقها بحيث لا تُرى.
‘لحسن الحظ أن شيون غادر سريعًا.’
فكادت تُظهر أمام الخدم مشهد معاملتها كالدودة.
ابتسمت أوديت ابتسامةً خفيفة.
***
ثمة معلومات تُستنبط من مجرد وجود إيصالات بدلًا من شهادات التبنّي.
أولًا: رغم ثمانيةٍ وثلاثين مرةً من الإرجاع، كانت تأمل أن يُعاد تبنّيها. ما يعني أن سوء المعاملة في الميتم كان أشد من منزل عائلة ألبريخت.
ثانيًا: أن من اختلس المنجم الذي منحه الإمبراطور للمنقي، واستخدمه في أعمالٍ إجرامية، هما والداها وأخيها.
ثالثًا: أن قاتل مدير ميتم شتيلر القضية التي بقيت بلا حل هو الكونت.
رابعًا: وبالنظر إلى تصويرهم كل عملية إرجاع بحجر التسجيل، فالكونت ذو طبيعةٍ تستمد شعور التفوق من التعذيب، ويحمل عقدةً خطيرةً تتصل برجولته.
خامسًا: ومن خلال الفواصل الزمنية بين الإرجاعات، يتضح أنها كانت وسيلةً لترويض أوديت وجعلها مطيعة، لتتسوّل حبّ والديها طوال حياتها كالشحاذة.
حسنًا، وسواها من الأمور… المؤكد أن المرأة عاشت حياةً بائسة.
ومع ذلك، لا يشعر نحوها بشفقة. فلو كانت بتلك الهشاشة، لما ناسبها لها دور شيطان غرفة التعذيب.
‘ما زلتُ لا أشعر نحوها إلا بالاشمئزاز.’
حتى وهو يعلم أنها لم ترتكب تلك الآثام، يبقى الاشمئزاز الغريزي على حاله. ينبغي أن يكون كذلك. لا بد أن يكون كذلك.
حدّق شيون في القصر بملامح غبية. القصر الذي اختفت منه آثار مجيئه.
‘لا سبب لبقائي هنا. فلماذا ما زلتُ واقفًا؟ ما الذي يعلَق في صدري؟‘
منذ قليل وهو يأتي بأفعال لا تشبهه. إعطاؤه القلادة لتلك المرأة، وإيصالها حين انهارت من الحمى.
‘كل هذا بسبب هذه القدرة الحمقاء. ما إن شمّت رائحةً طيبةً عابرة حتى تهزّ ذيلها ككلبٍ ضال؟‘
تلك الرائحة الخافتة جدًا في لحظة سقوطها.
‘وكأنها ليست كلب مسعور، كلما شمّت رائحةً لذيذة أثارت جلبة. مجرد أن تشمّها، تجلس وتهزّ ذيلها.’
عضّ شيون سيجارًا، متعاملًا مع كلب الجحيم الحارس القابع في داخله كأنه مجرد كلبٍ أجرب.
مهما قالت قدرته، فهو يكره تلك المرأة. يكره الرائحة المقززة، ويكره وجودها ذاته.
حين يرى أوديت ينتابه شعورٌ غريب، كأنه وُلد ليكرهها.
كأن عالمه لن يستقيم إن لم يُبغضها.
عضّ شيون سيجاره بضيق، ثم غادر المكان بحركةٍ رشيقةٍ مرةً أخرى.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"