استمتعوا
إنه طلبٌ مستحيل، في العادة، على الأقل
فلتضليل معلومات ثروة والدي، لا بدّ من امتلاك القدرة على التلاعب بالبيانات على مستوى المصارف.
بل لا بدّ من الإحاطة حتى بالأموال السوداء التي يديرها سرًّا.
لكن إن كان البطل في هذا العالم هو شيون.
إن كان ماركيز كلايست، الذي يقرّر حقيقة الإمبراطورية.
“ذاك ليس عسيرًا.”
“وأرجو ألّا يلحظ والدي ولا أفراد عائلتي أنّ ثروتهم قد سُلبت.”
“وذاك كذلك.”
كنت أتوقّع إمكانه، لكن أن يوافق بلا أدنى تردّد.
بملامح توحي بأنّ الأمر سهلٌ حدّ الملل.
‘هل أُبدي إعجابًا لأنّ البطل يختلف فعلًا؟ إنّه بارعٌ إلى حدٍّ يثير الضيق.’
ابتلعت أوديت شعورًا لا تدري أهو إعجابٌ أم مرارة، ثم وضعت فنجان الشاي.
ومع رنّة الفنجان الخفيفة، أردف شيون.
“غير أنّ كفّتي الميزان غير متعادلتين. فطلبكِ يفوق قيمة أسماء الجرذان. لو شددتُ الخناق على التسعة بحذق، لأمكنني انتزاع قائمة الجرذان في غضون خمس دقائق.”
“……سمو الماركيز.”
‘أولئك التسعة الذين ستشدّ الخناق عليهم، إنّما عرفتهم لأنّي أنا من أخبرتك بهم، أيّها الوضيع.’
لكن لم يكن في وسعها الاعتراض.
فعندما كان شيون يُظهر في اللعبة ذلك التعبير المتجهم، فإن الاعتراض لم يكن ليؤدي غالبًا إلا إلى إثارة غضبه.
“في المقابل، ما طلبتِه يتطلّب أن أبذل فيه يومًا كاملًا بنفسي. أليس ما تريدينه خداعًا كاملًا لا يعثر والدكِ على ثغرة فيه، مهما فعل أو استعان بأيّ شبكة علاقات؟“
“أفلا يكفي أن أزيد ما أضعه في الميزان؟“
“وهل لديكِ معلومات أخرى أصلًا؟ لا تقولي إنّكِ ستعرضين أن تنقيني متى شئتُ. ذاك مرفوضٌ من جهتي.”
ابتسم ساخرًا.
“أو ما رأيكِ أن تطلبي منّي أن أتولّى انتقامكِ؟ سيكون أوفر كلفةً بكثير.”
قالت أوديت بصوتٍ باردٍ محذِّر.
“إن تجرّأت على مسّهم فلن أسامحك. الانتقام نصيبي أنا، ولا بدّ أن يتمّ بيدي.”
صمت شيون.
ارتفع حاجباه كأنّه فوجئ حقًّا.
‘هل ترى أي تداخل مع ماضيك؟‘
فهو رجلٌ أفنى عمره في الانتقام لأمّه.
‘إذًا، فالأجدر أن أُظهر له شغفي بالانتقام أكثر.’
“إنها عقلية نافعة. فالانتقام ينبغي أن يُنجَز باليدين شخصيًا. وقليلون هم من يُحسنون تطبيق ذلك حقًا.”
“السبيل الوحيد لاستعادة الكرامة التي سُلبت هو أن أقتطع من العدو قدرًا مماثلًا من الدم واللحم. وبما أن هذه مهمة ثمينة ستعيد إليّ شرفي، فلا بد أن أُتمّها بيديّ.”
أطال النظر إليها.
كانت عيناه البنفسجيتان جافّتين، وقد خلت من الاشمئزاز والعداء السابقين.
أدركت طبيعة ذلك الجفاف.
إحساسُ رفقةٍ لا يشعر به إلا من اختاروا سلسلة الكراهية.
“……إذًا زيدي ما في الميزان يا ألبريخت. أتطلّع إلى ما ستقدّمينه من قيمة.”
***
ليس لديّ من أسرار هذا العالم ما يستحقّ أن يُوضَع في الميزان.
وما يمكنني قوله، يعلمه شيون غالبًا.
‘معلومة كوني منقية مزيفة هي الأثمن من وجهة نظره.’
لكنني لا أنوي كشفها حتى يوم رحيلي.
ادّعاء التنقية جريمة عظمى.
فإن انكشف أنّ أسرة الكونت خدعت البشرية، اقتيد أهلي إلى المحكمة فورًا ونالوا عقابهم.
وحينها يضيع انتقامي سدى.
ثم إنّ الأبطال، إن علموا أنّني مزيفة، فلن يكبحوا رغبتهم في قتلي.
إنّما يكبحهم الآن ظنّهم بأنّي منقية.
“وماذا لو أخبرتك بطريقة تعظيم أثر مثبّطات الهيجان؟“
“لا يكفي.إلا إن طوّرتم عقارًا يحلّ محلّ المنقي.”
ابتسمت بمرارة.
ففي هذا العالم يستحيل تطوير مثل ذلك الدواء.
إذ لا معنى لكون اللعبة للبالغين إن لم يكن التنقية قائمة على التلامس الجسدي.
‘……لم يبقَ في يدي سوى هذه الورقة.’
تكلّمت بحذر.
“ما رأيك أن أنجز لك أكثر ما تتمنّاه؟“
ضحك ساخرًا.
“وأيّ شيءٍ يمكن لامرأةٍ مثلكِ أن تنجزه لي؟“
لكن سخريته تلاشت تمامًا عند قولي التالي.
“سأختفي اختفاءً كاملًا بعد ستة أشهر. أمامك وأمام سائر متسامين الرتبة S.”
“……ماذا قلتِ؟“
“المتسامي لا يستطيع إيذاء المنقي أبدًا. فمن يقتل منقياً ينزل به عقابٌ إلهيٌّ رهيب.”
“…….”
“لا سبيل للتخلّص منّي إلا بأن أغادر بإرادتي. فما رأيك أن أقدّم لكم ذلك؟“
“أنتِ المنقية الوحيدة. مغادرة العاصمة—”
“بعد ستة أشهر لن تعودوا بحاجة إلى تنقيتي. أقسم باسم الحاكم. لن يبقى أثرٌ جانبيّ، ولن يُصَب المتسامين بأذى.”
عندها فقط لمعت عيناه باهتمام.
يبدو أنّ ما وضعتُه في الميزان راق له.
“لا مؤشّر في شركتكم على إنتاج منقي خلال ستة أشهر.”
كما توقّعت.
لا بدّ أنّه زرع عملاءه هناك أيضًا.
“لقد أقسمتُ باسم الحاكم. يكفي أن تخبرني إن كان ما وضعتُه في الميزان يُرضيك.”
من يخلف قسمًا باسم الحاكم ينال عقابه.
وما دام يظنّني منقية، فسيصدّق قسمي.
“ستة أشهر.”
أومأ ببطء.
إشارةُ قبول.
“عرضٌ حسن. أعجبني على نحوٍ مدهش.”
ابتسم ابتسامةً نادرة، ابتسامةً لا يُظهرها إلا أمام شارلوت.
“وسأضيف أنا أيضًا شيئًا إلى كفّة الميزان. كل مالٍ تنفقه عائلتك من الآن فصاعدًا سيُقيَّد دينًا مستحقًا لي. وبالطبع، لن يمسّ ذلك ثروتكِ الشخصية قيد أنملة..”
“نعم، موافقة.”
“جيّد. هل من مطلبٍ آخر؟“
“أفسد جميع مشاريعهم الإجرامية. وادفع للضحايا تعويضًا عادلًا. يمكن اقتطاع التعويض من ثروتي.”
“سأُفسدها، لكن التكاليف ستُقيَّد دينًا على عائلتكِ. إن لانت الابنة أكثر من اللازم، أفسدت والديها.”
أومأت موافقة.
فلا ضرر إن ازداد العبء على عائلة ألبريخت.
مدّ يده مصافحًا، عادته حين يعقد صفقةً تُرضيه حقًّا.
‘إذًا، اختفائي يسره إلى هذا الحدّ؟‘
نفضتُ مرارةً عابرة، وصافحته.
أعلم كم يُتقن عمله.
لم يبقَ إلا أن أُتقن أنا دوري.
‘لقد مهدتُ أساس الانتقام. الآن أستطيع أن أُحكم خطّتي.’
سأجعل أرواحهم تتحطّم حتى الهلاك. ليحيوا كلّ يومٍ غارقين في الندم. لتغدو لياليهم موحشةً دامعة.
سأجعلهم مثلي تمامًا. حتى تتفتّت أرواحهم حطامًا.
***
“
‘لقد نلتُ ما أردتُ من اللقاء المنفرد. لو أنّ الخاتمة كانت سعيدة لكان الأمر كاملًا.’
كانت أوديت في حضن شيون، بملامح ممتعضة.
‘ولِمَ أُحمَل على ذراعي متسامي بدل أن أركب عربة؟‘
كانت قد شعرت بتوعّكٍ بعد لمس مجد الليل…
لكن أن يُغمى عليها لحظة الخروج بالذات؟
اشتدّت عليها الحُمّى حتى عجزت عن الوقوف، فآلت الحال إلى هذا.
قطّب شيون حاجبيه عند رؤية ضيقها.
“قلتِ إن عليكِ العودة قبل الفجر كي لا يُكتشف مجيئكِ إلى القصر.
هذا أفضل حلّ.”
نعم.
لا يمكن لحصانٍ أن يبلغ سرعة متسامي من الرتبة S.
أسرع حتى من قطار KTX الذي ركبتُه في حياتي السابقة كهان سو وان.
‘يركض بهذه السرعة دون قطرة عرق، وصوته لا يضطرب.’
حقًّا إنّه متسامي.
وحشٌ جميلٌ من خلق الحاكم.
أفهم الآن لِمَ يُلقّبونهم كذلك.
……ومع ذلك، حملُ كالأميرة محرجٌ للغاية.
“الوضعية تُشعرني بالحرج.”
تنهدت.
“لا أحد يراكِ. ولا أستسيغه أنا أيضًا، فاصمتي ودعينا ننتهي.”
مع أنّه يكره ملامستها، فقد حملها بلا تردّد.
يبدو أنّ الصفقة أعجبته حقًّا.
‘لا يُصدَّق أن وعدي بالاختفاء قد خفّض مستوى اشمئزازه إلى هذا الحد.’
خشيت أن ترفعها كلمةٌ طائشة، فآثرت الصمت.
ومع سكون الليل، بدا وجهه واضحًا أمامها.
لا عجب أنّه البطل.
حتى من أسفل الذقن، لا تشوبه مثلبة.
وجه أملس وسيم، يفيض بنبلٍ أرستقراطي.
‘أيجدر بي أن أصفه بأنه جمالٌ مُثقَل بهالةٍ مظلمة تفوق حتى وليَّ العهد؟‘
عينان بنفسجيتان وشعرٌ فضيٌّ يوحيان بفتورٍ آسر، وتحت عينيه الطويلتين شامة دمعة تكاد تسلب الألباب.
لعلّه يشبه ثعلبًا أسطوريًا في هيئة رجل. حتى صوته، بنبرته الأجشّ الخافتة، كان أخفض مما يوحي به مظهره، عميقًا لزجًا كأنه يتسلل إلى السمع تسلّلًا
“أكان تجاهلكِ لواجبات المنقية كلّه بسبب أميّتكِ؟ لم ترفعي تقريرًا قطّ عن حلم اليقظة، أليس كذلك؟“
حلم اليقظة؟
ما ذاك؟
نظرت إليه باستغراب.
“ألا تعلمين ما هو؟“
لم يُذكر في اللعبة ولا في كتيّب الإعداد.
أومأت.
“……نعم.”
“هَه، لقد ربّوكِ على الجهل حقًّا.”
قطّب جبينه وقال.
“حلم اليقظة هو الحلم الذي يراه المنقيون عند استيقاظ قدراتهم. ينبع ماءٌ بقدر قدرتهم على التنقية. كأس، قارورة، نافورة. المهم أن يكون ماءً.”
‘آه… كان في حلم شارلوت مشهدٌ كهذا.’
كان مشهدًا يتدفق فيه نهرٌ أحمر قانٍ، كثيفٌ إلى حدٍّ يُسكر البصر.
لكن أوديت لم ترَ قط حلمًا بتلك الروعة الآسرة.
وكان ذلك أمرًا بديهيًا. فهي، بحسب إعدادات اللعبة وحياتها السابقة، مزيفة بإحكام.
“لا أذكر جيدًا. مضى وقتٌ طويل.”
غطّت الأمر بكذبة.
‘لم أرَ قط ماءً بتلك النشوة. أقصى ما رأيته في أحلامي كان شيئًا يشبه البحر فحسب.’
وحتى ذلك، لم تعد تحلم به منذ أن حُقنت بالمينغيل في سن الخامسة عشرة.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"