استمتعوا
ماركيز شيون راينهارت فون كلايست.
رئيس جهاز الاستخبارات ومتسامي من الرتبة S.
شعرٌ فضيّ وعينان بنفسجيتان.
وسيمٌ بارد الملامح، تتألّف هيئته من ألوانٍ فاترة.
طبعٌ قاسٍ.
يدٌ لا تعرف الرحمة.
سيّد التعذيب.
كان شخصيةً من نمط ‘لكنني متاكد من انه سيكون دافئًا مع امرأته‘ في لعبة الحريم العكسي.
وبينما كانت أوديت ترتّب معلومات شيون في ذهنها، ارتشفت رشفةً من الشاي الدافئ في غرفة الاستقبال، لعلّه يبعث بعض الدفء في جسدها البارد بسبب فستانها المبتلّ.
حدّق شيون إليها.
“أتعلمين أنّ وليّ العهد كاد يجنّ بسبب حيلتكِ؟ لولا توسّلات شارلوت، لقطّعتُ أطرافكِ بعنايةٍ بالغة.”
مقارنةً بذكريات حياتها السابقة الواضحة، بدا حتى بريق عيني شيون المليء بالضيق الآن دافئًا في نظر أوديت.
وبفضل ذلك استطاعت أن تتذوّق الشاي دون أن ترتجف.
أشعل شيون سيجارًا.
“أنا ممتنّ لأنكِ أنقذتِ سموّه، يا ألبريخت.”
‘مقدمة خطاب الشكر وقحة إلى أبعد حد.’
زفر دخان السيجار وسأل.
“هل كان لا بدّ أن تأتي إلى القصر الإمبراطوري بذلك المظهر القذر؟“
اجتاحت عيناه، عبر المونوكل*، هيئتها.
*النظاره الي تكون بعدسه وحده
فستانٌ عالقٌ به الدم وخيوط العنكبوت بعد خروجها من الممرّ السرّي.
تجاوزت أوديت تعبير امتعاضه بلا اكتراث.
‘حتى لو جئتُ بمظهري المعتاد الشبيه بالدمية، لكانت نظرته هكذا.’
فالمظهر لم يكن المشكلة أصلًا.
شيون كان يعاملها دائمًا كما لو كانت قاذورة.
“أشعر بالخجل إذ يُنبّهني رجلٌ نبيل إلى مظهري، سمو الماركيز.”
بالطبع لم تشعر بأي خجل.
في حياتها السابقة، وهي مطاردة، أظهرت ما هو أسوأ من ذلك بكثير، فما الذي سيحرجها الآن؟
لم يكن سوى ردٍّ مبطّنٍ بالوخز.
يحمل في طيّاته معنى ‘ليس من اللياقة أن يعلّق رجلٌ نبيل على هيئة آنسة.’
قرأ شيون المعنى الكامن، وأطلق ضحكةً وهو ينفث الدخان.
“يا للعجب. لم أكن أعلم أنّ الانسة ألبريخت تعرف الخجل.”
سحق سيجاره بعصبية، ثم ألقى رزمة أوراق على طاولة الشاي.
كانت هي ما أرسلته عبر ليزي.
“هل يعرف الخجل من يرسل عقود اتّجار بالبشر في وضح النهار؟
يبدو أنّ كونكِ قمامةً تجنين المال بالجريمة لا يثير فيكِ أيّ حياء.”
“…….”
“آه، أكان استعراضًا؟ لأنكِ الأجدر باستغلال امتياز الإعفاء إلى أقصى حدّ؟“
ضغط سيجاره في المنفضة بغيظ، ثم مدّ ساقيه الطويلتين ووضعهما فوق الطاولة الزجاجية.
حتى ذلك السلوك الفجّ بدا متراخيًا وأنيقًا بطريقةٍ ما.
حركةٌ سوقية، وهيئةُ نبيل.
ذلك التناقض أثار رهبةً غريبة.
‘طبعٌ مناسب للاستجواب. يبدو متعجرفًا في نظر العامّة، وفظًّا فوضويًّا في نظر النبلاء.’
“وطلبكِ لقاءً منفردًا كان في غاية الوقاحة. جاسوسٌ مرتشٍ؟ أبدو لكِ رجلًا متفرّغًا إلى هذا الحدّ، بحيث تختبرينني بأكاذيب واهية؟“
“مع ذلك، فقد استجبت لطلبي الوقح بلقاءٍ منفرد. وهذا يكفيني.”
حين حافظت أوديت على ابتسامتها الهادئة، عقد حاجبيه.
“بما أنّكِ مشغول، فلندخل في صلب الموضوع سريعًا. أودّ أن أراجع مع سعادتك هذه الوثائق بشأن الجاسوس. هل تأذن؟“
وما إن وضعت فنجانها حتى رفع مستوى الضغط.
ركل رزمة الأوراق الموضوعة على الطاولة، فتبعثرت على الأرض.
“تفضّلي، كما تشائين يا انسة.”
بتهكّمٍ بارع.
‘يا لسوء شخصيته.’
تنهدت في داخلها، ثم انحنت تلتقط الأوراق المتناثرة.
حتى أكثر الناس تجرّدًا من الأحكام المسبقة لن يستطيع أن يُبقي على حسن سلوكه وهو يتلقّى يوميًّا تقارير عن أفعالٍ شنيعةٍ لا تُذكر على لسان.
لا بدّ أنّ شيون شعر بذلك أيضًا.
لكن ذلك لا يعني أن تتزعزع أمام تعاليه.
‘أظنّ أنّه يعتقد أنّني سأرتبك إن تصرّف كسوقيّ.’
بل على العكس، تصرّفت بنُبلٍ أشدّ.
وكأنها توبّخ تابعًا سيّئ التربية، وأرسلت إليه نظرةً تحذيرية.
كانت حركتها في جمع الأوراق واحدةً تلو الأخرى في غاية الأناقة والرصانة.
غير أنّ شيون أسقط فوق رأسها المنحني رزمة رسائل أخرى.
“بما أنّكِ تبدين مولعةً بالالتقاط، فقلتُ أُضيف رسائلكِ التي أرسلتِها.”
‘ها. أيّها الوغد اللعين.’
كتمت غضبها.
فلو انفجرت الآن، لما استطاعت تحقيق هدفها.
حافظت على هدوئها، وجمعت حتى الرسائل المتساقطة، ورتّبتها بعناية.
‘خطٌّ جميلٌ ورفيع.’
كانت الرسائل التي قيل إنّها منها مليئةً بأرقامٍ فلكيّة.
‘هذا ثمن فساتين، ومجوهرات، وسعر خيولٍ أصيلة، وتكاليف نافورة القصر. وذلك نفقات خمر فيرديناند وديونه في القمار.’
كلّها فواتير بذخٍ وترف.
لقد التهموا المال بمهارة.
وحين رتّبت الصفحة الأخيرة، قدّمتها إليه وقالت‘
“إلى أيّ حدّ بلغ ما رُفع إليك من معلوماتٍ عني؟“
“أساليني عن عدد حبّات رمل صحراء إرفين. فلا شيء أجهله عنكِ.”
اجتاحها بنظرةٍ ملؤها الاشمئزاز، ساخرًا.
كما في حياتها السابقة، حين مزّقها بكلماته.
“من حسن الحظّ أنكِ لا تنكرين. لو قدّمتِ أعذارًا غبيّة، لما استطعتُ احتمال ذلك.”
ابتلعت أوديت إذلال حياتها السابقة بصعوبة.
‘مهما يكن شعوري نحوه، يجب أن أحظى برضاه.’
فبه وحده يمكن أن تبدأ انتقامها من عائلتها.
اشتدّ الضغط الممزوج بالكراهية من حولها.
وبرغم الاختناق، احتفظت بابتسامةٍ خفيفة لإرضائه.
“هل أبلغك أحدٌ أنّني أميّة؟“
خوفها، وحنقها، وأساها، لا قيمة لها.
كما كان الأمر دائمًا.
***
اجتاحت العينان البنفسجيتان المرأة الجالسة قبالته بامتعاض.
أجمل وجوه المجتمع الراقي.
قيل إنّها فاتنة كجنيّة.
لكن ذلك لم يعنِ شيون.
‘لا تزال رائحة الورد الاصطناعي الكريهة.’
لم يكن يحمل تجاه أوديت سوى الاشمئزاز.
‘وليس الكريه الرائحة وحدها. سلوكها وحده كفيل بإثارة الغثيان.’
حتى شيون، المعتاد على أسوأ ما في البشر، كان يندهش من دناءتها.
كان من واجب كلاب الحراسة أن يتتبّعوا مواضع استخدام بطاقتها التعريفية.
وما أكثر ما ظهرت في أماكن قذرة.
في مواقع اختطاف الأطفال الفقراء وبيعهم عبيدًا، وفي أوكار القمار، وفي أماكن تصنيع المخدّرات غير القانوني.
جرائم تتطلّب خبرةً لا تليق بفتاةٍ قاصرة، لذلك أُرسل تسعة جواسيس للتحقّق.
وبعد مراجعاتٍ متقاطعة متكرّرة، ثبت أنّ أوديت إنسانةٌ في غاية السوء.
الوثائق التي أرسلتها اليوم لم تكن جديدة عليه.
كان قد اطّلع عليها منذ زمن عبر تقارير الجواسيس.
‘حقًّا مذهلة في هذا العمر.’
فمَلَكةُ الإجرام تقوم على وقاحةٍ فطريّة.
والاعتقاد بأنّ صغر السنّ يعني ضعف الشرّ، هو عين الغباء.
تصوّر معلوماتها في ذهنه.
وُلدت ضعيفة الجسد في فيلا على شاطئ مورسو.
ابنة الكونت المتأخّرة المدلّلة.
عادت إلى إقطاعية ألبريخت في السادسة، ومنذ ذلك الحين تعبث وتعيث فسادًا.
وهوايتها الآن امتصاص أموال العائلة الإمبراطورية لملء خزائن ثيابها وحُليّها.
‘سمعة الكونت ليست سيئة، لكن تربية الأبناء فشلت تمامًا.’
“ابنتي تطلب عشرين مناجم ألماس مقابل كلّ تنقيه. حاولتُ إقناعها، لكنها كانت صارمة للغاية.”
بسبب شروطها السخيفة، لم يطلب أصحاب الرتبة S التنقية رغم تراكم التلوّث.
فاكتفوا بمثبّطات الهيجان.
وكاد وليّ العهد المصاب بجروحٍ خطيرة أن يخرج عن السيطرة.
‘ولكن لماذا فجأة قمت بتطهير ولي العهد؟ لقد أصدرت رائحة كريهة للغاية تجعلنا لا نرغب في التنقية، فربما لم نكن لنفعل ذلك على أي حال.’
كان ينوي رفض طلبها الوقح بلقاءٍ منفرد.
غير أنّها حدّدت بدقّة عدد الجواسيس المزروعين في أسرة الكونت، فلم يستطع الرفض.
ظنّها مهتمّة بالبذخ فحسب.
“هل أبلغك أحدٌ أنّني أميّة؟“
‘كنتُ أظنّني معتادًا على أسوأ ما في البشر، لكن كيف لها أن تكون عبقريةً في استفزاز الناس إلى هذا الحدّ؟‘
“هل تعلمين كم عدد الفواتير التي أرسلتِها؟ توقيعكِ وخطّكِ بات محفوظًا لدى كلّ جهاز الاستخبارات، ثم تقولين أميّة؟ أفي كلّ مأزقٍ ترتدين وجهًا وقحًا كهذا؟ لعلّكِ تشبهين أخاكِ في ذلك.”
التحكّم بالمشاعر أساسٌ في الاستخبارات.
لكن أمام هذه المرأة، كان عديم الجدوى.
امتزج الغضب بالاشمئزاز والهيبة، فانفجرت هالة ضغطٍ هائلة.
ومع ذلك، بدت المرأة كأنّها لا تشعر بشيء، محافظةً على ابتسامتها.
“صاحبة الخطّ هي السيدة بيكر، وصيفة والدتي.”
“ماذا؟“
“أنا حقًّا لا أستطيع قراءة الحروف.”
وضعت الرسائل، وأمسكت فنجان الشاي بأناقة.
لفظها وإلقاؤها بلا عيب.
خنصرها مثنيّ برفق.
حركةٌ لا تُحدث حتى رنينًا.
إيماءةُ طبقةٍ حاكمةٍ متقنة.
“هوو…وما هذه النكتة السخيفة؟“
كانت لغة بارتشيها تستخدم الأبجدية، قليلة الشذوذ، بسيطة القواعد.
حتى العامّة نادرًا ما يكونون أميّين.
وبينما أطلق الماركيز ضحكةً ساخرةً مع دخان السيجار،
توقّف فجأة.
إذ أخرجت المرأة حجر تسجيلٍ ووضعته على الطاولة الزجاجية.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"