لو طُرِحَ سؤالُ الجَمال في بالزيها، لانتهت الإجابة عند اسمٍ واحدٍ بلا خلاف: أوديت.
ولو طُرِحَ سؤالُ الخُبث، لخرج الاسم ذاته من الأفواه نفسها، بلا تردّدٍ أو تلعثم: أوديت.
فهي المُطهِّرة الوحيدة في الإمبراطوريّة، التي أُغدِقَت عليها الامتيازات بلا حساب، ومع ذلك لم تُنزِل تطهيرها على متسامٍ واحدٍ قطّ.
ولهذا وُسِمَت، في أعين الجميع، بلقب أعظمِ شريرةٍ أنجبتها الإمبراطوريّة.
—
جلدٌ أبيضُ شاحبٌ يكاد يكشف ما تحته من عروق، وعينان فيروزيّتان تُشبهان بحرًا صيفيًّا هادئًا، وشَعرٌ بلاتينيٌّ أشقر ينسدل بلمعانٍ تتخلّله مسحةُ ليمون.
امرأةٌ فاتنة، ترتدي ثوبَ نومٍ حريريًّا مُثقَلًا بالدانتيل، تحدّق عبر النافذة بنظرةٍ فارغةٍ من الروح.
وكلّما ازداد الغروب سُكرةً، وأغرق السماء بحمرته الآسرة، تعمّق في صدر أوديت شعورٌ بالانكسار والخراب.
“……لا بأس، لقد احتملتُ الأمس أيضًا.”
زهرةُ الصالونات الأبهى، وشريرةُ الإمبراطوريّة الأولى، ومع ذلك كان حديثها إلى نفسها ضعيفًا وواهنًا، يشي بالهشاشة أكثر ممّا يوحي بالعظمة.
لم تجد سبيلًا سوى مقاومة الخوف، ولو بهمسةٍ مرتجفة بالكاد تُسمَع.
فبعد قليل، سيصعد والدُها ليغرس الإبرة في جسدها.
“لا داعي للخوف.”
هكذا حاولت أن تُقنِع نفسها، متصنّعةً رباطة الجأش، لكنّ الخداع لم يُفلِح.
فأطرافها، التي تحفظ عذاب مِنغِلِه عن ظهر قلب، بدأت ترتعش باكرًا.
ذلك السائلُ الأخضر، الذي يُحاكي عبير المُطهِّر، كان أشبه بلدغة دبورٍ مسموم.
ما إن يسري في الجسد، حتّى ينتفخ اللحم كلّه، وتتفجّر حِكّةٌ لا تُحتمل، كأنّ سربًا من الدبابير قد انقضّ عليها دفعةً واحدة.
كم من ليالٍ طال فيها توسّلها للموت، هربًا من ذلك الألم الوحشيّ، ومع ذلك لم يُروَّض جسدُها عليه، بل ازداد قسوةً يومًا بعد يوم.
“لا ترجفي…… أرجوكِ.”
غير أنّ الاحتمال كان الخيارَ الوحيد المفروض عليها.
وفي تلك اللحظة، ارتطم السكون بصوت خُطىً ثقيلةٍ تصعد الدرج.
ضمّت أوديت كتفيها النحيلين، وبمحض الحظّ، سكن ارتجافها قبل أن يُفتَح الباب.
انفتح الباب بعنف.
دخل الكونت ألبريخت من غير طَرقٍ ولا تحيّة، وقد ارتسم الضيق الصريح على ملامحه.
“……هل وصلتَ يا أبي؟”
نهضت أوديت وانحنت بعمقٍ مبالغٍ فيه، انحناءةً أقرب إلى خضوع خادمةٍ دنيا منها إلى تحيّة ابنة.
“اصمتي، فلستُ في مزاجٍ يسمح لي بسماع تحيّةٍ من شيءٍ لا قيمة له.”
زجرها الكونت، ثم ألقى نظرةً ذات مغزى على كبير الخدم خلفه.
فبادر الخادم إلى رفع كمّ ثوب نوم أوديت.
“ألا تشعرين بالخزي، وأنتِ بهذا النقص، حين تقفين أمام أخيكِ؟”
قالها الكونت، ثم غرس إبرةً طويلةً في ذراعها من دون أدنى تردّد.
فانكمش ذراعُها النحيل تحت وطأة الألم.
وسرى السائلُ الأخضرُ كثيفًا لزجًا في عروقها.
وحين احمرّ ذراعها الأبيض كالحليب وانتفخ، عضّت شفتَيها وهي تلهث.
‘هذا الألم… أشدّ من المعتاد.’
“آه…….”
تسلّلت أنّةٌ لم تستطع كبحها، فارتفع حاجبا الكونت بضيق.
“تتظاهرين بالمرض مجدّدًا! ما أبشع هذه العادة.”
‘غريب…… الألم مختلف هذه المرّة.’
تلاشت كلماتُ أبيها من سمعها.
فطوال ثلاث سنواتٍ، تلقّت الحقنة نفسها كلّ يوم، لكنّ جسدها اليوم استجاب على نحوٍ غير مألوف.
تجمّعت الحرارة في رأسها، وكأنّ أطرافها تتحطّم قطعةً قطعة، وغلى أسفلُ بطنها ثمّ تجمّد، وانساب العرقُ البارد على جسدها.
بدأ وعيُ أوديت يخبو ببطء، وخفَتَ صوتُ أنفاسها المتقطّعة تدريجيًّا، إلى أن هوَت أخيرًا فاقدةً الوعي.
حدّق الكونت فيها بازدراءٍ سافر، وقال:
“تفو، يبدو أنّ الدم الوضيع لا يمكن ستره مهما حاول المرء.”
وفي اللحظة التي همَّ فيها أن يأمر الخادم بسحبها،
“كحّ—!”
اندفع الدمُ من فم أوديت الساكنة، وهي تلهث بعنف.
“كحّ، كحّ—!”
وبعد أن لفظت الدم طويلًا، نظّمت أنفاسها، ثم رفعت رأسها ببطء.
وحين تلاقت عيناها بعيني الكونت، تراجع خطوةً من دون وعي.
في تلك العينين الفيروزيّتين، اللتين اعتاد أن يراهما ذليلتين، كانت تعصف مشاعرُ عصيّةٌ على الوصف.
كأنّ التي أمامه… لم تعد أوديت التي يعرفها.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"