“حسنٌ إذن، ما رأيك بمنزل صديقي الريفي؟ سنصل إليه سريعًا بالقطار أو بالعربة.”
“أيمكن ذلك؟”
“بالطبع. تستطيعين البقاء ما شئتِ، فالبيت واسع وغرفه كثيرة. وأنا… أود لو تبقين بجانبي أطول وقت.”
لم يكن الأمر إقامة في بيت أسرته، بل مجرد استعارة مكان، لذا لم أرَ مانعًا.
ولم أكن قد حسمت شيئًا بعد، كما أن هذه أول إجازة حقيقية في حياتي.
وبصراحة… أردت أن أبقى قليلًا مع سينيل، بلا قيود ولا عيون تراقب.
“إذن… سأزعجكم لبضعة أيام فقط.”
“حقًا؟ حقًا يا أختي؟ لا أصدق! أن أحظى بكِ أيامًا كاملة… هذا يسعدني!”
انفجر سينيل من الفرح، وظل يبتسم ابتسامة عريضة وهو يوقف لنا عربة صغيرة.
وحين جلستُ في الداخل، مدتُ يدي إلى بطانية موضوعة جانبًا وغطيت نفسي بها.
“أيقظني حين نصل.”
“أختي؟! أتنوي النوم الآن؟ لقد مضى نصف عام على آخر لقاء لنا!”
أغمضت عيني وأنا أسند رأسي إلى جدار العربة، لكن سينيل قرّب وجهه بانفعال.
“لقد كنتِ بخير، أليس كذلك؟ أريد أن أعرف كيف عشتِ. لديّ ألف سؤال…!”
لكني لم أستطع أن أخبره بشيء.
حياتي، أسراري، كل ذلك يجب أن يُدفن معي في قبري.
ولأنني لم أشأ أن أكذب، اكتفيتُ بأن أزيف النوم… حتى غلبني النعاس فعلًا.
وفجأة، هزّ أحدهم كتفي، فانتفضتُ عائدة إلى يقظتي.
رفعت يدي بحدس قديم نحو خنجر الظهر الذي لم يعد هناك، فوجدت قبضتي فارغة.
“ممَ تخافين هكذا يا أختي؟ أردت فقط إيقاظك… لقد وصلنا.”
صوت سينيل الممزوج بالانزعاج الطفولي أزال توتري.
‘أحسنتُ فعلًا بترك السيف وراء ظهري هذه المرة.’
تثاءبت، ثم نظرت من النافذة، فإذا بي أرى أرضًا خضراء شاسعة وقصرًا قديم الطراز يلوح في الأفق، ضخمًا على نحو غير مألوف.
“هل صديقك من النبلاء؟”
“نعم، لكن من أسرة تلاشت مكانتها. لا يحمل أي لقب حاليًا. ثم إنه يعيش وحيدًا، فلا تقلقي من قيود العائلة.”
زالت بذلك مخاوفي من مواجهة شيوخٍ متعجرفين أو إذنٍ ثقيل.
“حسنًا… هذا مطمئن.”
لكنني لم أذكر أني قرأت في أي تقرير سابق عن صديق له يمتلك مثل هذا القصر الريفي.
وفيما كنت أغرق في الشك، انفتح الباب الكبير للقصر، وخرج منه رجل مسن ذو شعر فضي متدرج، يرافقه شاب أصغر.
ابتسم سينيل ومد يده نحوي:
“هلمي، أختي. سأعرّفك بهما.”
كان في مقدوري أن أقفز بسهولة من العربة، لكنني آثرت أن أمسك بيده وأهبط بهدوء.
“مرحبًا بعودتك، سيد سينيل. ومن تكون هذه الرفيقة الكريمة؟”
قال الشيخ بوقار وهو ينحني تحية.
فتقدّم سينيل بخطوة، ووقف بيننا مبتسمًا، ثم قدّمنا رسميًا إلى بعضنا البعض.
“هذه أختي. وهذا بنديلِك، القيّم على القصر، وذاك صديقي أوربيس. يا أختي، تعرّفي عليهما.”
“يا للمفاجأة! سينيل يجلب شقيقته بنفسه؟! لقد كنت أتوق لرؤيتك منذ زمن، فلا تتخيلي كم حدّثنا عنك… حتى أنّ أذني تكاد تنغلق من كثرة ما سمعت. بل لعلها انغلقت فعلًا، تريدين أن تتحققي؟”
‘ماذا؟ أيّ قدرٍ من الكلام قال عني بالضبط؟’
رأيت في عيني أوربيس اللامعتين صدق الفضول، وفي الوقت ذاته شيئًا من التبرّم والضجر.
تفاديت نظرته المليئة بالفضول ومددت يدي مصافحة.
“تشرفت بلقائك.”
“تحدّثي براحتك. بالمناسبة، ما رأيك بمن يصغرك سنًّا؟”
وقبل أن يطبع أوربيس قبلة على ظاهر كفي، جذب سينيل كتف صديقه بعنف.
“أجننت؟ لا تلمس أختي.”
“ماذا فعلت؟ هذه تحية عادية!”
“حتى هذه لا أسمح بها.”
“كما تشاء يا صديقي.”
مشاهدتهما يتشاجران بخفة جعلتني أشعر بالراحة.
كنت أعلم أن سينيل نشأ قويًّا، لكن رؤيته الآن، وقد كبر من غير أن تفتر إشراقته، يلهو مع صديقه، ملأ قلبي سعادة.
—
اصطحب بنديلِك لوسيا لتختار بنفسها الغرفة التي ستقيم فيها.
وبعد أن جلست قليلًا مع سينيل وأوربيس يتجاذبون أطراف الحديث على فنجان شاي، أعلنت أنها متعبة وصعدت إلى غرفتها.
نامت تحت أغطية جديدة أحضرها بنديلِك، بينما ظل سينيل واقفًا أمام بابها ساعات، مكتوف اليدين، يسند ظهره إلى الجدار.
بين الحين والآخر، كان يفتح الباب قليلًا، يطلّ على وجهها النائم بعينين متلهفتين.
أوربيس، وقد ضاق ذرعًا، صعد إليه وربّت على كتفه.
“أما زلت هنا؟ ألا تنوي العودة؟”
“أخبرت منزلي أني سأبيت الليلة.”
“وإلى متى ستظل هكذا؟”
“تعرف جيدًا. طوال عشر سنوات، لم أرها سوى يوم واحد في العام، لساعتين بالكاد. أن تراها نائمة هكذا… إنه أول مرة في حياتي.”
“أفهم شعورك، لكن لدي أمر مهم نتناقش فيه. انزل معي.”
حينها فقط صرف سينيل بصره عن الباب، ملامحه مشدودة كالحجر.
“…حسنًا. لكن احذر خطواتك.”
أغلقا الباب برفق وهما يلتقطان أنفاسهما، ونزلا على أطراف أصابعهما كي لا توقظا لوسيا.
لكنها كانت قد فتحت عينيها مع أول صوت، غير مدركةً أنهما لا يعلمان بانتباها.
في الأسفل، تغيّرت ملامح سينيل كليًا، وصارت باردة قاسية.
أوربيس، وقد اعتاد على هذا التحوّل، نقر بلسانه مستهجنًا.
“أقسم أن في داخلك شخصين مختلفين. الذين يعرفون وجهك البشوش لن يتصوروا أبدًا هذا الوجه.”
“احفظ لسانك. أختي لا تعرف شيئًا عن عملنا. وهي تظن أنني أسلك طريق الحق أكثر من أي إنسان.”
“حتى لو علمت، فما تقول ليس كذبًا. نحن نسير في الطريق القويم، أليس كذلك؟ فصاحب السمو هو عدلنا الآتي.”
دخلا مكتبًا فسيحًا في الطابق السفلي، تعلوه طاولة أنيقة من خشب القيقب، تعج بالرسائل الواردة خلال الأسبوع.
مدّ أوربيس ورقة إليه.
“انظر. لقد سُلبت خريطة الداو الكبرى.”
“…مستحيل! ألم يذهب سموّه بنفسه إلى هناك؟”
“ذهب، لكنه فشل رغم ذلك. يبدو أن المسمى بـ’برينس’ من نقابة ريفن أذكى وأمهر مما حسبنا.”
التعليقات لهذا الفصل " 4"