اقتربت أكثر حتى انعكس وجهي واضحًا في عينيها، وأسندت جبينها إلى جبيني هامسة.
رفعتُ رأسي قليلًا ثم ضربت جبينها بجبيني بقوة.
“أنتم تبالغون في العاطفة. يكفي هذا الضجيج.”
“آخ! رأسكِ صخرة يا لوسيا، هل تعرفين؟”
“لا أعلم. قلتُ إنها إجازة! ما بالكما تأخذان الأمر بجدية هكذا؟”
“لأننا نخشى أن ترحلين نهائيًا.”
ربّتتُ على كتف رايلي التي كانت تشبه المرأة الراحلة أكثر مني، ثم نهضت واقفًا.
“لا تقلقا. سأعود بقرار نهائي.”
حينها فقط، ابتسمت صوفيا ورايلي وتركتاني أذهب.
وما إن خطوت مبتعدًا حتى علت صرخة صوفيا من خلفي:
“انتظر! ألا تأخذ سيفك؟”
“خُذيه أنتِ. طالما رغبتِ به.”
“كنتُ أمزح فقط! إنه توقيعكِ الخاص يا برينس! برينس! برينس!!”
تنفست بضجر بعد حديثي مع ثنائي النقاش الأول في النقابة، اللذين لا ينفكان يثرثران.
ثم نزعت القناع الذي كان رفيقي الدائم.
لم أعد أذكر آخر مرة لامست فيها أشعة النهار وجهي مباشرة.
عشر سنوات من حياة النقابة أورثتني مهارات رشيقة، وفنون اغتيال تمكّنني من قتل أي إنسان في لحظة، وقوة جسدية بارزة.
وفوق كل هذا… مالًا.
كنت أُسلّم معظم مكافآتي للمرأة التي ربّتني، أما حصتي الصغيرة فقد كنت أدعها تحفظها في البنك، حتى تراكم مبلغ كبير على ما أظن.
“البنك في العاصمة… عليّ أن أزور سينيل أولًا، ثم أمرّ به.”
وقبل لقاء سينيل، قلّبت التقارير التي كنت أتلقاها عنه بشكل دوري:
“مشاركة في حروب عدة، يُنظر إليه كموهبة صاعدة بفضل قدراته الفائقة، تخرّج من الأكاديمية بتفوق، حائز مراتب متقدمة في بطولات السيف، خدم أعوامًا في فرقة الأمير الثاني الخاصة، واحتمالية انضمامه إلى فرسان البلاط الإمبراطوري عالية جدًا…”
إن كنتُ أنا من يسير في الظلال، فسينيل يسير في النور الخالص. حياتانا تسير في خطين متعاكسين.
وفي نهاية التقرير، كُتب بالحبر الأحمر: [ملاحظة: يحظى بشعبية كبيرة للغاية.]
“وما شأن هذه الشعبية؟ كم يمكن أن تكون كبيرة أصلًا؟”
لم أُعر الأمر اهتمامًا، جمعت الأوراق في أداة الحفظ خاصتي.
“سيُفاجأ كثيرًا بلا شك.”
خلال السنوات الماضية، لم أرَ سينيل إلا مرة واحدة في العام، لا تتجاوز بضع ساعات.
كان ذلك قانوننا الثابت منذ عشرة أعوام، لم نخالفه قط. لذا، إن جئت فجأة بلا موعد، فلا شك أنه سيتفاجأ كثيرًا.
فكرت: هل من الحكمة أن أظهر فجأة أمام سينيل الذي يعيش حياة كاملة من دوني؟
‘لكنني… أريد أن أراه، فقط لأني أفتقده.’
قبل أن أقرر ما سأفعل بمستقبلي، كان لا بد أن ألتقي به.
قضيت يومًا كاملًا أمتطي جوادي حتى وصلت إلى أراضي أسرة فريايا، العائلة التي تبنّت سينيل.
استأجرت غرفة في نُزل قريب من الساحة المزدحمة، وجلست لأكتب رسالة إليه.
“شيل، أوصل هذه الرسالة إلى سينيل.”
ربطت الرسالة إلى ساق الغراب “شيل”، الذي كان طوال السنوات العشر الماضية همزة الوصل الوحيدة بيني وبينه.
كان طائرًا ذكيًا، ولا شك أنه سيسلّم الرسالة فور وصوله إليه.
لكن بينما كنت أراقب الناس من حولي، بدأت أضيق بنظرات الفضول التي كانوا يرمقونني بها.
“عليّ أن أتخلص من هذه الحِدّة أيضًا.”
ذلك الإحساس المتأهب، الذي ربّته سنوات البقاء وسط الدماء والموت، كان يلتقط كل حركة حولي، ويجعل أعصابي مشدودة.
أجبرت نفسي على إخماده، ثم ارتميت على السرير الخشن في الغرفة، أترك جسدي يذوب في تعب الطريق الطويل.
—
في تلك الأثناء، كان سينيل يواصل تدريباته بلا توقف استعدادًا لاختبار الالتحاق بفرسان البلاط الإمبراطوري، الذي لم يبقَ على موعده سوى شهرين.
عاد إلى المنزل بعد غياب أسبوع كامل قضاها في العاصمة من أجل التدريب.
“لقد عدتَ سالمًا، سيدي. أرجو أن لا تكون قد أُصبت.”
قال له كبير الخدم وهو يأخذ الأمتعة من يده.
زفر سينيل بأنين متعب:
“جسدي مليء بالكدمات والجروح. مرة يقولون تسلّق الجبال، ومرة اعبر الأنهار… لا أدري إن كانوا يحاولون صقلنا أم قتلنا. لدرجة أنني أفكر أحيانًا بترك كل شيء. بالمناسبة، هل وصلني أي خبر مهم؟”
“لا شيء يُذكر يا سيدي، سوى أن كومة من الدعوات إلى حفلات الأرستقراطيات قد وصلت، كما ترى هناك.”
كان سينيل يحظى بشعبية طاغية، ورسائل الدعوات والاهتمام تنهال عليه من كل حدب وصوب.
لكنه لم يُبدِ يومًا أي اهتمام بتلك الأمور، لذا كانت مهمة الخدم انتقاء ما يستحق الاطلاع فقط.
“ردّ بالرفض على الجميع، كما تفعل دائمًا.”
قالها بنبرة باردة وهو يمرّ بنظره سريعًا على الرسائل المتراكمة، ثم صعد إلى غرفته منهكًا.
التعليقات لهذا الفصل " 3"