سرتُ نحوه بخطوات سريعة وفمي مفتوح من الصدمة، ثم اختطفتُ الشيء من يده بسرعة.
“أنت.. كيف تعبث بأشياء الآخرين..!”
“لم يبدُ لي وكأنه يخص شخصاً غريباً.”
سخر إريك بضحكة قصيرة، فسألته بصوت منخفض ومتردد:
“هل يعقل أنك قرأت ما بداخله أيضاً؟”
“إذا قلتُ لكِ إنني لم أفعل، هل ستصدقينني؟”
نعم، لقد قرأه إذاً.
أطبقتُ شفتيّ بإحكام.
“…… إذا أصررتَ على ذلك……”
فكرتُ للحظة ثم هززتُ رأسي.
“لا يمكنني تصديقك. آه، لماذا قرأته أصلاً؟”
“لقد رأيتُ هذا أيضاً.”
مدَّ إريك يده بورقة مجعدة.
[… استدرجي منه المال ثم اخرجي.]
تباً.
دائماً ما تُكتشف مثل هذه الأشياء.
أخذتُ الورقة ونظرتُ إلى خط يد أمي المألوف.
«لقد قتلتِ والدكِ.»
كان صوت هيلينا المروع يتردد بوضوح في أذنيّ. شعرتُ بشيء يغلي في أعماقي.
نظرتُ إلى إريك بشزر.
إلى عينيه المستقيمتين.
ماذا قد يفكر هذا الرجل النبيل في محتوى هذه الورقة؟ كيف ينظر إلينا، نحن الذين نعتبر جروح الآخرين مجرد أدلة جيدة للابتزاز؟
نحن الذين لا يمكننا العيش إلا بسرقة ممتلكات الآخرين وخداعهم.
لكن، هل تعرف؟ لو كنا نعرف طريقاً آخر، لاخترناه.
“بما أنك رأيت كل شيء…… ماذا ستفعل الآن؟”
سألتُه ببرود متعمد، لكن إريك لم يجب.
“هل يمكنك حقاً الاستمرار في حياة زواج احتيالي مع شخص مثلي، يقضي وقته في التخطيط لخداع الآخرين؟ أنا إنسانة فاسدة، لا أملك وقاراً ولا نبلاً، واتضح فوق ذلك أنني مجرد عامية المولد……”
“لقد قلتِ إن أفراد العائلة يحمون بعضهم البعض.”
قال إريك وهو يشير إلى دفتر المذكرات.
“ألم تقولي إنكِ تريدين حمايتي؟”
«أريد أن أحمي ذلك الشخص.»
أدركتُ حينها أن إريك قد استرق السمع لحديثي مع هيلينا.
اتسعت عيناي وقلتُ متلعثمة:
“أنت.. أنت.. أنت..”
“لقد حميتِني بالفعل.”
“عن ماذا تتحدث؟ متى حميتك أنا؟”
أدخل إريك دفتر المذكرات في صدر ثوبه بهدوء وقال:
“تلك الرغبة في ألا أرى هذا المحتوى.. تلك الرغبة وحدها كافية……”
“لا تتفوه بالهراء. كان بإمكاني خيانتك أنت وأمي والهروب. رغم خطورة الأمر، إلا أنه كان ضمن خياراتي……”
“لن تهربي. أنتِ لستِ من هذا النوع من البشر.”
كانت عينا إريك الحمراوان تنظران إليّ باستقامة. عادت رؤيتي لتتغشى مرة أخرى.
ماذا تعرف أنت؟
أنا من ذلك النوع.
أنا…….
لقد قتلتُ بيولود.
لقد قلتَ إن طفلاً في الثانية عشرة لا يمكنه قتل والده، وإن هذا هو المنطق السليم.
لكنني أنا ذلك الشخص. الشخص الذي يقف خارج حدود ذلك المنطق.
لكن تلك الكلمات لم تخرج من فمي.
أمسك إريك يدي بكلتا يديه اللتين أصبحتا حرتين الآن.
“ارفعي رأسكِ يا إميلين.”
هززتُ رأسي. كنتُ أرتجف ورأسي منحنٍ للأسفل.
“لقد كبرتِ بشكل جيد. أنتِ إنسانة صالحة. غريبة بعض الشيء، لكن لديكِ أخلاقكِ الخاصة……”
“هذا هراء……”
تمتمتُ بغصة.
لكن إريك اكتفى بضحكة خفيفة ولم يعلق على وقاحتي، بل قال عوضاً عن ذلك:
“هل تعرفين ماذا نسمي الشخص الذي لا يهرب، ويحمي قلوب الآخرين؟”
رفعتُ رأسي.
كان إريك ينظر إليّ بتمعن. وعيناه الحمراوان كانتا بالتأكيد……
تترجفان.
“إنسان جيد.”
قال إريك بحزم.
“هذا الشخص يسمى إنساناً جيداً. قد لا تكونين ‘فتاة طيبة’، لكنكِ ‘إنسانة جيدة’، يا إميلين.”
كانت يد إريك التي تمسك بيدي ترتجف قليلاً، تماماً كعينيه.
✵ ✵ ✵
جلستُ في زاوية من حديقة قصر الأميرة أدهن المرهم على شفاه إريك. لكنني لاحظتُ الآن فقط أن يدي إريك أيضاً كانت ملفوفة بالضمادات.
“ماذا جرى ليدك؟”
“هاه……؟”
حاول إريك إخفاء يده خلسة.
تذكرتُ حينها كيف كان إريك يلوح بالسوط في البرج الغربي قبل قليل.
“آه، ذلك الباب! لقد أصيبت يدك وأنت تحاول تحطيمه، أليس كذلك؟”
“آه.. هذا……”
تلعثم إريك بملامح مرتبكة.
ما به؟
على أية حال، يذهب لتحطيم باب مصنوع من سبيكة الميثريل بلا داعٍ فيصيب يده……
“لم تستطع تحطيمه، صح؟ الأميرة هي من فتحته من الخارج؟”
هل يعقل أصلاً تحطيم الميثريل؟ هل يظن نفسه سياف “الأورا” الأسطوري؟
أومأ إريك برأسه بسرعة أمام توبيخي.
“نـ.. نعم، هذا صحيح.”
“لقد آذيت يدك بلا فائدة. بالنسبة لقائد فرسان، يبدو أنك لا تجيد القتال جيداً……”
بدأتُ بمسح المرهم بلطف على شفتيه الحمراوين.
في البداية، كنت أركز فقط على الجرح الذي سببه ضرب فيليب، دون تفكير. لكن بمرور الوقت، ومع لمعان شفتيه بالمرهم، بدأ اهتمامي يتحول رغماً عني إلى ملمس شفتيه الناعم تحت إصبعي.
إنهما رطبتان……
وبالمناسبة، قبل قليل……
«التقبيل لا يكون هكذا.»
لقد كان بارعاً جداً بالنسبة لمرة أولى.
يا للحنين……
بدأتُ أهذي في سري بكلمات لا تليق إلا بفيليب، وعيناي معلقتان بشفتي إريك.
في تلك اللحظة، أمسك إريك بعلبة المرهم وتمتم:
“من أين سرقتِ هذا أيضاً؟”
عدتُ إلى وعيي أخيراً وأبعدتُ بصري عن شفتيه بصعوبة.
اختطفتُ العلبة منه وقلت:
“سرقة ماذا.. لقد استعرتها فقط من غرفة الأعشاب الموجودة هناك.”
ابتسم إريك قليلاً أمام كلماتي الوقحة.
“الاستعارة دون إذن تسمى سرقة.”
“اممم~ غريب. عائلتي تسمي ذلك استعارة~”
وضع إريك يده على جبينه وكأن المستقبل يبدو مظلماً أمامه.
“هل سنتمكن حقاً من العيش في قصر الدوق ابتداءً من الغد بهذا الحال؟”
“إييه، وماذا في ذلك.. هي عشرة أشهر على الأكثر، إلى أن تخرج ‘روزي’ الصغيرة إلى العالم……”
بدأتُ ألمس بطني بنظرة حالمة. أشار إريك إلى عينيّ وقال:
“أرجوكِ، ألا يمكنكِ التوقف عن تلك النظرات؟ حتى السير ليلي بدأ يشك.”
“لهذا السبب أحتاج إلى هذه المهارة في التمثيل. حتى عندما نؤدي دور الزوجين الجديدين مستقبلاً! هل فهمت يا إريك؟”
“إيـ.. ريك……؟”
تصلبت ملامح إريك. فنظرتُ إليه بابتسامة وكأنني استهين برد فعله.
“لقد تزوجنا الآن، هل تريدني أن أستمر في مناداتك بـ ‘سيدي الشاب’؟”
مع أنه هو نفسه بدأ يناديني “إميلين” منذ مدة دون أن أشعر.
“هـ.. هل هذا صحيح……؟”
“بالطبع. سيكون من الغريب ألا ينادي زوجان تزوجا بعد قصة حب ضجت بها المدينة بعضهما باسميهما.”
بدا إريك وكأنه يفكر بعمق، ثم أومأ برأسه.
“هذا منطقي.”
“أليس كذلك؟ إيـ…… ريك.”
نطقتُ اسمه ببطء وتأنٍ متعمد.
فانتشرت ابتسامة خفيفة على وجهه، وكأنه يشعر بدغدغة ما.
وعند رؤية ذلك، شعرتُ بقلبي هو الآخر يدغدغني. ضغطتُ على علبة المرهم بقوة دون وعي.
كان عليّ الإمساك بشيء ما بقوة، وإلا شعرتُ بأنني سأنجرف.
موجة عارمة.
أو ربما.. مشاعر عارمة.
هذا ما يسمونه “إغراء الجمال”، حقاً.
حينها، أشار إريك إلى وجهي وقال:
“لقد ضحكتِ.”
“نعم؟”
ملتُ برأسي متسائلة.
“متى فعلتُ…… إييه، أنت من كنت تضحك.”
“أنتِ أيضاً ضحكتِ.”
أنا ضحكت؟ متى……؟
“كاذب.”
“أنتِ البارعة في الكذب.”
لعقتُ شفتيّ.
لا أظن أنني ضحكت.
ظل إريك يصر على أنني ضحكت والابتسامة لا تفارق وجهه. شعرتُ بضغط كبير على قلبي وأنا أنظر إليه.
“هل تعرف شيئاً……؟ إذا تزوجتَ للمرة الثانية، لا تبتسم لزوجتك كثيراً.”
“…… عن ماذا تتحدثين؟”
لأنها قد تموت مبكراً، بسبب الضغط على قلبها.
…… لا يجب أن أقول هذا، صح؟
بينما كنت أحاول جاهدة السيطرة على “ذاتِي المتيمة”، قال إريك بصوت منخفض:
“بالنسبة لي، لا يوجد زواج ثانٍ.”
اتسعت عيناي.
“لماذا؟ هل بسببي؟ لأن الزواج مني سيكون وصمة عار؟”
تخيلتُ الشخصية التي قد تكون الأنسب لإريك في حال تزوج ثانية. مثلاً الأميرة إيلا؟
تلك المرأة ستصبح ملكة البلاد مهما كلف الأمر، وحينها سيصبح إريك “الملك القرين”.. لا، زوج الملكة. لماذا قد يرفض منصباً كهذا؟
“لا تقلق. سأخبر تلك المرأة أياً كانت؛ بأننا لم نقبل بعضنا إلا مرة واحدة فقط.”
لقد تعانقنا أيضاً، لكن لن أخبرها بذلك.
لسبب ما……
أشعر أنني لا يجب أن أتحدث عن ذلك.
وكأن الحديث عن العناق أصعب من الحديث عن القبلة.
وبينما كنت غارقة في أفكاري، قال إريك بوجه هادئ ورزين:
التعليقات لهذا الفصل " 46"