“سأذهب إلى الشمال مخاطرًا بحياتي من أجل هذا البلد، لذا حبذا لو قدمتِ لي بعض التشجيع. على أي حال، أليس القيام بمغامرة في الشمال أمرًا مستحيلًا بذاك الجسد الهزيل؟ إن الأمور العظيمة كهذه يجب أن يخطط لها الرجال في الأصل، يا أختاه.”
بدت إيلا وكأن غضبها قد تجاوز نقطة الغليان، مما جعلها تبدو هادئة على نحو غريب. ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة وكأنها مندهشة وقالت:
“واو، حقًا إنك لعظيم يا جلالة الملك. لقد ذهبتُ أنا إلى الشمال وعانيتُ الأمرين حتى حصلتُ على منجم الميثريل، وبناءً على تلك الاتفاقية التي أُبرمت بين الشمال والقصر الملكي، هل ستمنح الأمير مهمة لا تعدو كونها البقاء تحت حماية جنود الدوق، يمص العسل في خيمة بالخلفية تحت مسمى ‘مقر معركة’؟”
حدقت إيلا في الملك بعينين متقدتين. تظاهر الملك بعدم الانتباه وأشار للخادم بيده:
“هذا الكأس فارغ…”
“أبي!”
ضربت إيلا الطاولة مرة أخرى.
“صه! أنتِ صاخبة جدًا. بدلًا من أن تشجعي الأمير الذي سيذهب قريبًا للمعاناة في أراضي الشمال الباردة بكونكِ أخته الكبرى!”
وبخ الملك إيلا، فنهضت من مقعدها. ثار روبرت غاضبًا بسبب وقاحة إيلا، لكن تعابير الملك ظلت هادئة.
كانت إيلا في تلك اللحظة تود لو تفشي فورًا بأن روبرت قد اختلس من خزينة الدولة.
نظرت بصمت إلى تعابير وجه والدها. لكن، ماذا لو كان والدها يعلم حتى بشأن اختلاس الخزينة؟
ماذا لو كان والدي يغض الطرف عن ذلك، بل ويريد بوضوح وضع الأمير وليس الأميرة على العرش حتى وإن اضطر للتغطية على جرائمه؟
اللعنة.
شعرت إيلا وكأنها جنرال أُرسل إلى حربٍ قد حُسمت خسارته فيها مسبقًا.
“… لو كنتُ أعلم أن الأمر سينتهي هكذا، لكان من الأفضل لو قتلتني حين ولدت.”
“ماذا تقولين الآن أمام والدكِ…!”
تلاشى هدوء الملك.
وعندما احمر وجه الملك بشدة، اندفع الخدم إليه بقلق، كما ركض روبرت نحوه بتعابير مضطربة:
“أبي…!”
نظرت إيلا إلى روبرت والملك بالتناوب بحدة، ثم خرجت من غرفة الطعام مباشرة.
وقبل أن يغلق باب غرفة الطعام بلحظة، تردد صدى صوت الملك من الداخل:
“ذلك، ذلك الوغد! تلك الطباع…!”
سارت إيلا بخطوات سريعة في الردهة لعدة خطوات ثم توقفت في المنتصف.
لم ترتشف سوى جرعة واحدة من النبيذ، لكنها شعرت وكأن أحشاءها تتقلب. وبسبب ألم المعدة المعتاد، قالت للخادم الذي يتبعها:
“استدعِ الطبيب.”
“أمركِ يا أميرة.”
بمجرد أن اختفى أحد الخدم بسرعة، سارت إيلا بخطى متعثرة، لكنها لم تتوقف حتى وصلت إلى نهاية الرواق وتأكدت من عدم وجود أحد.
ثم تقيأت كل ما في جوفها.
وعندما رفعت إيلا رأسها بعد فترة، رأت أن العمود الذي كانت تتكئ عليه يرتجف.
‘.. العمود يرتجف؟’
رمشت إيلا بعينيها في دهشة، ثم أدركت فجأة أن ما كانت تمسكه ليس عمودًا، بل إنسان.
شعر أبيض، بشرة بيضاء، وعينان سوداوان.
كان الصبي يرتدي سترة من فراء الأرانب فوق ملابس جلدية سميكة، وكان يرتجف وهو غارق في قيء إيلا. وبسبب ملابسه التي لا تناسب الموسم، كان العرق يتصبب من جبهته بغزارة.
‘لقد ظل يشاهدني وأنا أتقيأ بصمت…؟’
سألت إيلا الصبي بذهول:
“أنت… من تكون؟”
لم يجب الصبي، وبدلًا من ذلك قفز كالأرنب وتراجع للخلف.
راقبت إيلا هروب الصبي بصمت، ثم أخرجت مسدسًا من صدرها. وفي اللحظة التي وضع فيها الصبي يده على سور الحديقة، أطلقت النار دون تردد.
طاخ!
توقف الصبي مكانه، ونظر إلى إيلا بوجه شاحب من الرعب.
كانت إيلا تكره المجهود البدني، لكن دقة تصويب مسدسها كانت عالية للغاية، والمسافة من مكان وقوفها إلى السور لم تكن بعيدة.
“لقد سألتك من أنت. لا أحد في هذا القصر يمكنه تجاهلي.”
باستثناء روبرت والملك بالطبع.
لم تضف إيلا كلماتها الأخيرة.
نظر الصبي الذي يشبه الأرنب إلى إيلا بعينين حزينتين.
كان هناك سبب أكثر أهمية دفع إيلا لإيقاف الصبي يتجاوز كونه تجاهلها.
القلادة الفضية حول عنق الصبي؛ تلك البطاقة التعريفية المصنوعة من الميثريل هي ما يوزعه الدوق على محاربي الشمال.
‘هذا يعني أنه أحد محاربي الدوق الذين سيخرجون اليوم مع روبرت.’
قالت إيلا مرة أخرى بعينين باردتين:
“إن لم تجب على سؤالي سأطلق النار. العصيان يعني الإعدام فورًا.”
لم تدرك إيلا أن الصبي لا يستطيع الكلام إلا بعد وقت طويل.
✵ ✵ ✵
كنتُ أنا وإريك نستقل العربة نفسها الآن متوجهين نحو القصر الملكي.
كانت العربة التي تحمل بالديك أورليان وأمي وفيليب تتبعنا من الخلف، وكأنها تحرسنا… أو تراقبنا.
“العيش معًا حتى يشتعل الرأس شيبًا” أو ما شابه. لم يكن لدي وقت لأستفسر من أمي لماذا قالت مثل هذا الكلام. والسبب هو أن بالديك أورليان طلب من إريك الذهاب فورًا أمام جلالة الملك للتأكد من إتمام هذا الزواج.
‘إذا كان حفيدي في ذاك البطن، فيجب عليّ بالطبع أن أعتني بالأمر…’
أضاف بالديك وهو يحدق فيّ بحدة. وبسبب تلك النظرة الباردة، احتضنتُ بطني وسحبتُ يد إريك.
‘أشعر وكأنني أريد حماية “روز” حتى لو كان عليّ اختراعها من العدم.’
نظرت أمي إليّ وإلى إريك بالتناوب، ثم تظاهرت بالإغماء بسرعة وارتمت في حضن الدوق بالديك ليتم حملها للخارج.
‘حقًا…’
نظرتُ إلى العربة التي يفترض أن تكون فيها أمي وفيليب، وفكرتُ حتى كاد رأسي ينفجر.
“العيش معًا حتى الشيب”؟ هل كانت تعلم أن إريك هو شريكي؟ منذ متى!
لكن لم يكن هناك إجابة تلوح في الأفق.
نظرتُ إلى إريك الجالس في الجهة المقابلة. كانت المنطقة القريبة من شفتيه ملطخة باللون الأحمر. والسبب هو أن فيليب اقترب من إريك خلسة وهو يحاول صعود العربة ووجه له لكمة قوية.
‘في المستقبل، ومهما حدث… آمل ألا تنسى حقيقة أنني أخوها، يا سيد إريك.’
في اللحظة التي ألقى فيها فيليب تلك الجملة التي تشبه حوارات المسرحيات المبتذلة ولكم وجه إريك، ضربتُ فيليب على قفاه.
‘آخ!’
‘هل جننت؟ هل تعتقد حقًا أن “روز” موجودة في بطني الآن؟’
بعد رؤية فيليب وهو يسقط أرضًا، دخلتُ العربة مع إريك.
ماذا يحدث حقًا…
حينها قال إريك بصوت عكر:
“أنتِ لا تعتقدين حقًا أن هناك طفلًا يدعى روز أو ما شابه في الداخل، أليس كذلك؟”
“…؟”
رفعتُ يدي عن بطني بفزع. يبدو أنني كنت ألمس بطني دون وعي.
“لقد اندمجتُ في الدور دون أن أشعر…”
لهذا السبب يكون إطلاق الأسماء أمرًا مخيفًا. انظروا، لقد بدأتُ أشعر بالألفة تجاه “روز” بالفعل.
“… على أي حال، بما أننا قلنا إنني حامل، فسيتم تجاوز ليلة الدخلة وما شابه، أليس كذلك؟”
سألتُ بتوسل.
قل “نعم”!
أرسلتُ تلك الرسالة لإريك عبر عينيّ، لكن إريك أدار رأسه ونظر خارج نافذة العربة بوجه لا يبدو مشرقًا.
“سيكون كذلك إذا استطعتِ إثبات حقيقة الحمل.”
“ألم يكن من المفترض أن يتم تدبير الأمر بطريقة ما مع طبيب مرتشٍ؟”
فتحتُ عينيّ على وسعهما. ماذا عن كل تلك الأموال الطائلة التي استُخدمت لرشوة المعبد المركزي!
نظر إليّ إريك وكأنني أهذي:
“أحيانًا لا أعرف إن كنتِ نبيهة أم جاهلة بشؤون العالم، إيميلين ويدجوود. نحن ذاهبون إلى القصر الملكي الآن. هل تعتقدين أن طبيبًا تابعًا للقصر سيُرتشى بسهولة ككاهن غارق في الفساد؟”
“إذًا ماذا نفعل؟”
نظرتُ إلى إريك وعيناي تفيضان بالدموع. الآن حتى أمي وفيليب شاركا في خدعتي! يجب أن يتم الزواج أولًا مهما حدث!
قال إريك وهو يضغط على صدغيه:
“… في الوقت الحالي، علينا فقط أن نأمل أن يصلوا قبلنا.”
من؟
فتحتُ عينيّ على وسعهما.
بدأ قلبي يخفق بشدة بسبب حقيقة أن زواجنا “الأول” لم يبدأ بعد.
✵ ✵ ✵
… لكن ذلك لم يدم إلا للحظة قصيرة.
“إنها حامل بالفعل.”
الطبيب الذي وجه نحوي أداة سحرية لتأكيد الحمل، والتي تبلغ دقة نتائجها 99.9%، تقدم نحو الملك وانحنى برأسه.
حينها، غمزت الأميرة الواقفة على يسار الملك لي ولإريك. وخلفها، كان اللورد ليلي يقف وهو يتصبب عرقًا باردًا.
يبدو أن ليلى قد قادت خيلها بسرعة جنونية لتصل قبنا، أو ربما استخدمت وسيلة أخرى.
على أي حال—
‘لقد نجحت الأميرة في إتمام عملية الرشوة الصعبة داخل القصر الملكي…’
مسحتُ على صدري بمرتياح والتقت عيناي بعيني إريك، الذي كان يحيط كتفي من الخلف بوضعية “والد الطفل” حقاً. تنهد إريك تنهيدة قصيرة وهو يتحسس شفتيه اللتين تورمتا أكثر مما كانتا عليه في العربة.
يا هذا، ابتسم على اتساع وجهك. ابتسم! وإلا ستحزن “روز” منا!
“أوه… يا للهول… أليست هذه حادثة جلل!”
هتف الملك وهو يتململ في عرشه متأثرًا. كان يدير رأسه مراراً ويتظاهر بالسعال، لكن في كل مرة كان يفعل ذلك، كنتُ ألمح زوايا فمه ترتفع قليلاً إلى الأعلى.
“… ألم يبتسم للتو؟”
همستُ لإريك في أذنه، فما كان منه إلا أن قبض على كتفي بقوة أكبر قليلاً قبل أن يفلتني، وكأنه يأمرني بإغلاق فمي.
يبدو أن الملك كان، على عكس المتوقع، متردداً ومشككاً في شأن زواج الدوق.
علمتُ لاحقاً أن عائلة الملكة قدمت احتجاجاً كبيراً، بدعوى أن زواج دوق أورليان مرة أخرى سيقلل من ميراث إريك. وللعلم، تنتمي الملكة الراحلة ودوقة أورليان الراحلة إلى العائلة نفسها، مما يجعل إيلا وإريك ابني خالة—
‘إذًا، بين ابني الخالة علاقة من ذاك النوع…؟’
حسنًا، بما أن هناك من يتزوجون حتى من أبناء عمومتهم، فقد تجاوزتُ الأمر واعتبرته شيئاً عادياً.
على أي حال، بما أنني لم أكن أعرف تلك الحقيقة حينها، فقد انتظرتُ بقلب مرتجف الملك الذي كان جالساً على عرشه غارقاً في تفكير عميق بملامح وقورة. غير أن السؤال الذي خرج من مخاض تفكيره كان كالتالي:
“حسناً… هل هو ذكر أم أنثى؟”
ظل طبيب القصر يرتجف، ربما من تأنيب الضمير، ثم رفع رأسه عند سماع كلمات الملك وسأل بوجه مذهول:
“عفواً؟”
“سألتك، أهو ذكر أم أنثى!”
بسبب توبيخ الملك، نظر طبيب القصر إلى الأميرة بعينين متفاجئتين.
بدا جلياً من سير الأجواء أن الأمور تمضي لصالحنا تماماً. سجد الطبيب على الأرض بسرعة وقال:
“آه، إنه ذكر يا صاحب الجلالة!”
عند سماع كلمات الطبيب، مسحتُ على بطني بوجه راضٍ وتمتمتُ في سري:
‘إنه ذكر، يا “روز” الصغير…’
هاه؟ لا، انتظر لحظة. اسمه “روز” وهو ذكر؟
بينما كنتُ غارقة في ارتباكي، تظاهرت أمي بالإغماء مجدداً وارتمت في حضن الفارس الواقف بجانب الدوق. ساندها الفارس وهو يهوي لها بيده بملامح قلقة.
‘إنها فوضى عارمة…’
قال الملك بتعابير مشرقة لم يستطع إخفاءها:
“لقد وُلد وريث الجيل القادم لعائلة أورليان! يا للروعة…! وبما أن ولادة حياة ثمينة هي بركة، فلا يمكننا إبطال الزواج الذي تم في المعبد…!”
‘من الواضح جداً أنك لا ترغب في إبطاله.’
وبينما كنتُ أفكر في ذلك، مرت أمي من جانبي وهي لا تزال مستندة إلى الفارس، وضربت كتفي بخفة. نظرتُ إليها خلسة.
“أيتها الفتاة العاقة…!”
قالت أمي ذلك وهي تخبط قدمها بالأرض، وفي الوقت نفسه أسقطت شيئاً ما تحت فستاني الفضفاض. أدركتُ أن أمي تمثل دور الغاضبة، فجاريتها بسرعة ونظرتُ إليها بعينين حزينتين.
“ابنتك… أقصد، حفيدك سيسمعك!”
قلتُ ذلك بينما دفعتُ الشيء الذي سقط تحت الفستان بقدمي، مخفية إياه في أعماق القماش.
وبعد أن تأكدت أمي من اختفاء الغرض بنجاح، عادت للتظاهر بالدوار وارتخت على كتف الفارس. حينها ركض فيليب نحوها:
“أمييييي! هل أنتِ بخير؟”
“لا تصرخ! أنا لست بخير بسببك أنت!”
بعد اختفاء أمي وفيليب، سحب بالديك نظراته الحادة التي كان يوجهها لي ولإريك.
ركع بالديك أمام الملك وكأنه أدرك أنه لم يعد بإمكانه رفض هذا الموقف أكثر من ذلك.
“… إذا كان الأمر كذلك… فلتعلن زواج ابني والآنسة إيميلين يا صاحب الجلالة. بالطبع، لا يخلو الأمر من الأسف، ولكن أين يوجد الأب الذي يهزم ابنه، أو الأم التي تهزم ابنتها؟ أنا سأقبل بالآنسة إيميلين…”
أدار بالديك رأسه نحوي وهو لا يزال جاثياً على ركبتيه.
كانت نظراته قاتلة تماماً كما كانت عندما وجه نحوّ البندقية. نظرات يفيض منها الازدراء والاشمئزاز، كتلك التي يُنظر بها إلى صرصور.
لكن، من المرجح أن نظراتي التي كنتُ أرمقه بها لم تكن تختلف كثيراً.
‘… أيها السيكوبات المجنون.’
كان هذا ما أفكر فيه في سري.
سحب بالديك نظراته عني ببطء وتابع كلامه:
“سأقبل بها ككنة لي، وكفرد من أفراد عائلتي، يا صاحب الجلالة.”
في اللحظة التي سمعتُ فيها تلك الكلمات، داهمتني مشاعر القلق.
بالتفكير في الأمر، أليست ثروة الكنة ستصبح ملكاً له بالكامل إذا اختفت عائلتها واختفى ابنه؟
‘أكاد أسمع صوت تروس عقله وهي تدور بسرعة من هنا.’
فكرتُ في ذلك وأنا أقبض على قبضتيّ بشدة.
لكنني لا أنوي الموت بهذه السهولة.
قبل أن تسلب مني “مقبرة حوريات البحر” أو “مقبرة الأسماك” تلك، سأكون أنا من يقودك إلى مقبرتك الخاصة، يا بالديك أورليان.
التعليقات لهذا الفصل " 34"